قضايا المرأة بين التيار النسوي وبين خطابنا الشرعي

الرئيسية » بصائر الفكر » قضايا المرأة بين التيار النسوي وبين خطابنا الشرعي
women20

باتت القضايا النَّسوِيَّة، واحدةً من أهم مجالات النقاش والجدل في واقعنا المجتمعي، وأخذت حيِّزَها في منصات التواصل والاتصال الاجتماعي، بحُكم الدور الذي أخذته هذه المنصات في حياتنا المعاصِرة، سواءً أكانت مواقع تواصل، مثل "فيسبوك" و"تويتر"، أو منصات اتصال، مثل مجموعات "الواتساب" وقنوات "التليجرام"، وغيرها.

والظاهرة الأبرز التي تستلفت النَّظر في هذه النقاشات، وما يحيط بها من تطورات وسياقات مختلفة الطابع، هو أنَّ المنظومات الموضوعة لتنظيم حياة المجتمعات، باتت أسبق وأكثر تطوُّرًا عن ملاحقة الخطاب الدعوي والفقهي لهذه القضايا.

فبالنظر إلى ردود الأفعال المتعلقة بالقضايا التي تثيرها هذه النقاشات، سواء على مستوى المحتوى العام، مثل تمكين المرأة والعنف الأسري وما شابه، أو على مستوى الحالات الفردية لسيدات تعرَّضْنَ لجرائم مثل الاغتصاب أو الاستيلاء على ميراث الزوجة أو الأخت؛ سوف نجد أنَّ الحكومات قد بدأت في أخذ زمام المبادرة، وطرح عددٍ من القوانين وأخذ إجراءات بصدد تصحيح بعض الأوضاع الخاطئة الحاصلة بسبب عُرفٍ اجتماعي أو ما شابه، وتحقيق المزيد من التمكين والحماية المجتمعيتَيْن للمراة، بينما يقف الخطاب الدعوي والفقهي عند حد ترديد الأحكام الشرعية، أو الوقوف عند خطاب دعائي عن احترام وتقدير الإسلام للمرأة.

وفي هذا قصور كبير وغياب لمفاهيم أساسية من دولة النُّبوَّة. فالمسلمون في حينه كانوا أكثر فهمًا ووعيًا من واقع أحفادهم الآن؛ حيث كانوا يفهمون أنَّ القواعد الشرعية الواردة في القرآن الكريم، إنَّما هي على سبيل العموم، من أجل تحقيق حكمة اللهِ تعالى لبقاء القرآن الكريم والشريعة حتى يشاء، بينما الواقع يتطلب الكثير من الاجتهاد والتفصيل في هذه الأحكام لمعرفة إما كيفية تطبيقها، أو معالجة حالةٍ بعينها بأحكام الشريعة.

فهنا، كان يظهر دور الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، شارحًا ومطبِّقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ونفهم كذلك عبارة نقولها ولا يلتفت الكثيرون إلى معناها، من أنَّ "السُّنَّة شارحة".

إنَّ هذا التأخُّر في ردة فعل أصحاب الخطاب الدعوي والفقهي، والعاملين في حقول العمل الإسلامي المختلفة عن الاستجابة لمتطلبات التعامل مع الواقع، جعل كل الأطراف المرتبطة بالقضايا النسوية، وغيرها في الحقيقة، أقرب لأصحاب الشأن من الشريعة الإسلامية؛ حيث لا يقدم الدعاة والفقهاء الحلول اللازمة لمستجدات الواقع التي هي شديدة الوطأة، وتقترب بأصحابها من بنات حواء إلى مرحلة "وبلغت القلوب الحناجر" التي وصل إليها الصحابة أنفسهم رضوان اللهِ تعالى عليهم عندما اشتدَّ بهم البلاء.

ففي هذه الحالة، لا يكون هناك تثريبٌ على المنفلتين مِن مرجعية الشريعة بقدر ما يكون اللوم والمسؤولية أمام اللهِ تعالى – صاحب الأمانة التي ائتمننا عليها – أكبر بكثير.

وهناك قضية شديدة الحرج في مناقشتها في هذا الصدد، ولكن مِن الواجب قولها، وهي الهجوم الحاد الذي يخرج في كثيرٍ من الأحيان عن الأخلاق والأدب وحدود الدين من جانب الكثير من عوام المسلمين، وحتى من إعلاميين و"إنفلونسرز" على مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، بحق مؤسسات إفتائية وعلماء يجتهدون في التوفيق بين الشريعة وبين العقل، وبين الشريعة ومتطلبات الواقع، وذلك لمجرد أنَّ هذه المؤسسات، وأنَّ هؤلاء العلماء، محسوبون على حكومات أو لهم طبيعة رسمية في بلدان ربما لا يوجد فيها ودٌّ مفقودٌ مع حركات وتيارات دينية بعينها.

فهل يجوز لنا شرعًا كمسلمين رفض حكمٍ شرعيٍّ صحيح أو جهدٍ إفتائيٍّ يحقق صُلب الشريعة الإسلامية، وهو إقامة مصالح الدين والدنيا، لمجرَّد أنَّها صدرت عن دار الإفتاء المصرية مثلاً؟!

المشكلة أنَّ هذا الرفض في كثيرٍ من الأحيان، يتم بمنطق جُهَّال القوم؛ حيث يتم نفي صحة حكمٍ شرعيٍّ صحيح، لمجرَّد أنَّه صادرٌ عمَّن لا نرغبُ أو نحبُّ، وبالتالي؛ يؤكد مسلمون ولا ينفون صحة الاتهامات المنسوبة إلى الشريعة الإسلامية في هذا الصدد، وبالتالي؛ تتفاقم المشكلة ولا يتم معالجتها.

وفي دفاعنا عن الشريعة، نتجاوز حقيقة وجود جذور عميقة لمشكلات النساء في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، بشكلٍ يزيد حتى عن مجتمعات مشرقية محافِظة لها ذات طبيعة مجتمعاتنا في نظرتها للنساء، مثل الهند والصين.

ولكننا نجد هذه المجتمعات قد بدأت في تغيير الجذر الحقيقي للأزمة، وهو العادات والتقاليد الخاطئة أو تلك التي صارت لا تتفق مع تطورات الزمن، من خلال منظومات تشريعية وسياسات في المجال الثقافي والإعلامي والمجتمعي، من دون أنْ يتضادَّ ذلك مع الفلسفات الوضعية التي يؤمنون بها كعقائد، مثل الكونفوشية والبوذية وغيرها.

إنَّ الشريعة الإسلامية، ومثلها في ذلك مثل أيِّ نصٍّ قانوني – وللهِ المثلُ الأعلى - ليست لها أداة تنفيذية ذاتية، ولكن وبينما القانون تشرف عليه الدول والحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ فإنَّه لا يتبقى للشريعة أداةٌ تنفيذية إلا القناعة الذاتية للإنسان، ولن تتحقق هذه القناعة في عصرنا إلا لو أعدنا للشريعة دورها الرئيسي الذي أنزلها اللهُ تعالى لأجله وارتضاها لنا، وهو توظيفها في تحقيق صالح الدين والدنيا، لا أنْ تكون أداةً لتبرير هضم الحقوق وظلم الفئات المستضعفة – حاشا للهِ تعالى ذلك – كما يفعل البعض الآن.

إنَّ الحماسة الدينية التي يلجأ إليها البعض، يمكن توظيفها بشكلٍ أكثر إيجابيَّةً مِن مجرد السُّبَاب أو الهجوم على النظريات والأفكار الأخرى، من خلال مواجهة الظلم الذي يقوم به البعض ويقول: إنَّها الشريعة التي أمرتنا بذلك. يمكن لك كمسلمٍ متحمِّسٍ أنْ يكون لكَ دورك في مجتمعك المحلي من خلال نهي الناس عن انتهاك حقوق المرأة التي كفلها لها الدين، والتصدي لظلمهم هذا.

أما الهتاف والسُّبَاب على شبكات التواصل الاجتماعي؛ فهذه شجاعة الجبناء العاجزون؛ حيث يعلمون أنَّهم آمنون خلف شاشاتهم مِن أي ضررٍ قد يقع عليهم مِن خصومهم.

وهناك كذلك خطأٌ فادح يقع فيه بعض هؤلاء، وهو إبراز الجرائم والانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في المجتمعات الغربية، بالذات جرائم الاغتصاب والعنف الأسري. يقفون ويتظاهرون بالذكاء، ويشيرون إلى بعض الإحصائيات الواردة مِن هذه المجتمعات، ويقولون: أرأيتم؟!.. حتى الغرب يحدث فيه ذلك!!

هذا منطقيًّا، يعني تبرير هذه النوعية من الجرائم، وتمريرها في مجتمعاتنا المتخلفة، ويتلقى خصوم الدين والأمة مثل هذه الأصوات، ويوثِّقون هذه الأقوال، ويدللون بها على مدى تخلفنا، وهم في الواقع محقُّون في ذلك؛ فالجريمة تبقى جريمةً، ولا ينبغي لأيِّ أحدٍ أبدًا – شرعًا – التقليل منها طالما أنَّها شائعة. فهل من حقِّي السرقة في مجتمعٍ شاعت فيه السرقة؟!

ثم إنه فيمَ – إذًا – هتافنا وقولنا الدائم أنَّنا قومٌ نجتهد للتغيير والإصلاح؟!..

ثم إنَّه بالنظر إلى هذا الغرب الذي نبرِّرُ به جرائم الظالمين في مجتمعاتنا، لديه آليات للتعاطي مع مثل هذه الجرائم، فهناك بيوتٌ مخصصة لاستقبال وحماية النساء المُعَنَّفات، وهناك جمعيات تعمل على معالجة مشكلاتهم النفسية، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد مَن يؤذينهنَّ أو يُهددهنَّ حتى. فهل نحنُ لدينا مثل هذه الآليات والأطر؟!

كلا؛ ليست موجودة، بينما أولى بنا، السعي فيه، بدلاً من الاكتفاء بترديد القواعد الشرعية من دون فهمها، أو سُباب الآخرين، وهذا السعي، هو مِن صميم جوهر الشريعة الإسلامية؛ تحقيق مصالح الناس مِن دون تحليلِ حرامٍ أو تحريمِ حلالٍ، وحماية المظلومين.

هل فكَّر أحدٌ مِن هؤلاء أنْ يعمل على إقامة مكتبٍ للمحاماة يتبنَّى قضايا المواريث للنساء المظلومات، أو قضايا مؤخرات الصداق المنهوبة، أو إنزال العقاب بحق معنِّيفهنَّ؟!

هناك بطبيعة الحال محاولات في ذلك من جانب الفاهمين لهذه الأصول والقواعد التي تنزل بالشريعة من مستوى النَّصِّ إلى مستوى التطبيق وخدمة مصالح الناس.

وفي النهاية؛ نسأل هؤلاء سؤالاً: إذا ما جاءت امرأةٌ أذاقها زوجها الويلات، وضربها حتى أفقدها صوابها وآدميتها؛ إذا ما جاءت طرفَيْن؛ أحدهما يكتفي بتوجيه اللوم لها لا لشيءٍ إلا لأنَّها امرأة، أو – في أهون الأحوال – يكتفي فقط بترديد نصوصٍ وأقوال – مهما كانت قداستها – ودعوتها فقط إلى الصَّبرِ والاحتمال، بينما الطرف الآخر يقدم لها الإسناد والدعم حتى لو من غير دينها، بل وحتى لو قدَّم لها ما مجرَّد يشفي غليلها من ظالميها.. مَن سوف تختار؟!.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

الإسلام بين ضِيق رؤيتنا وسَعَة مُقوِّماته.. نحو رؤيةٍ جديدةٍ للمناهج والفِقه

مِن بين أهم الأمور الغائبة للأسف عن سياقاتنا الدعوية والعلمية، في المجال الإسلامي، أو على …