“لا إكراه في” العفو!

الرئيسية » خواطر تربوية » “لا إكراه في” العفو!
Mar20_12_115049941

"المسامح كريم" - "يا بخت من قِدر وعِفي" - "الصلح خير" - "يا بخت من عاش مظوم ولا عاش ظالم" - "صافي يا لبن" - "انت قلبك كبير" - "العفو من شيم الكرام" – "أشرف الثأر العفو" ... إلى غير ذلك من الأمثال والعبارات التي تقرع أذني المظلوم لكي يتسامح في حق من ظلمه، وهَضَمَ حقه، وامتهن كرامته.

إن هذه الأمثال والعبارات في حقيقة الأمر ما هي إلا سِهام تصوَّب نحو سويداء القلب المَكلوم لكي تسلبه آخر حق من حقوقه، ألا وهو التأوه لِمَا وقع عليه من ظلم وأذى! " مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"!، أليست هذه " قِسْمَةٌ ضِيزَى"!

إننا للأسف نلجأ إلى الحل الذي لا يُرْهقنا، فلا يُكلف أحدُنا نفسه أن يذهب إلى الظالم المُعتدي الآثم فيقرع أذنيه ويزلزل قلبه بكلمات عن عاقبة الظلم ومَغبة هضم الحقوق حتى يرتدع هذا الظالم ويقبل الذهاب إلى من ظلمه ويطلب منه العفو والمسامحة.

توطئة لابد منها

إن من سيتم تناولهم في هذا الموضوع بصفة خاصة هم الذين آذوا العباد، وظلموهم، وتطاولوا عليهم، وتقوَّلوا عليهم، ونعتوهم بما ليس فيهم، وتربَّصوا بهم، وعدُّوا عليهم خطواتهم وأحصوا أنفاسهم، واستمرؤوا ذلك وساروا على نفس النهج دون أن تؤثر فيهم نصيحة ولا يردعهم زجر، ودون أن يتعظوا أو يعتبروا!

بين يدي الموضوع

1- إن الشرع لا يناقض الفطرة، ولا يحمِّل أتباعه فوق طاقتهم ولا يرضى لهم ذِلة ولا مَهانة.

2- والشرع أرحم بنا من أن يُطالبنا بالإبقاء على علاقات ترهق أبداننا وقلوبنا، وتستنزف مشاعرنا، وتعكِّر صَفْو عقولنا!

3- وأرحم بنا من أن يطالبنا بالإبقاء على علاقات لم نر الخير وراحة البال إلا بعد أن ابتعدنا عنها.

4- والشرع ما يريد من أتباعه إلا أن يكونوا أعزة، وأن تكون لهم أنفة ترفعهم فوق أنفة الملوك.

5- إن الشرع يريد من أتباعة أن تكون لهم عزة (ربعي بن عامر) رضي الله عنه حين دخل على ملك الفرس وهو يحمل سيفه مربوطاً بشيء من ملابس جنود الفرس التي غنمها المسلمون، ليُري ملكهم قوة المسلمين الذين انتصروا على امبراطورية لا تقل قوة عن قوة امبراطورية الروم!

6- والشرع يريد من أتباعه أن تكون لهم أنفة (أبو دجانة) رضي الله عنه وتبختره تبختر الطاووس المُختال في نفسه حتى يُقال له (إنها لمشية يبغضها الله إلاّ في مثل هذا الموطن) أي في موطن إغاظة أهل الباطل.

أولاً: أغاليط يروَّج لها فتلبس على العوام الفهم وتضلل وعيهم

1- ربما يقول قائل:
إن القرآن الكريم أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالعفو عن (مُسطح بن أثاثة)، ومسطح كان من بين الذين تحدَّثوا في عِرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك في "حادث الإفك"! أليس كذلك!

والرد هنا هو:
إن الكلام في أمر (مُسطح) بهذه الصورة مُجرد اجتزاء يقوم به من يلوون عنق المواقف والأحداث ليُخرجوا منها ما يضللوا به عقول العوام، وبما يربونهم به على الخضوع والاستكانة، لامتطاء ظهورهم.

هل يُعقل أن القرآن الكريم كان سيأمر بهذا العفو إن كان (مُسطح) ما زال مُصراً على ما قال في حق الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها!

إن هذا الطلب في القرآن الكريم قد حدث بعد أن أقيم حد القذف على (مُسطح بن أثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحِمنة بنت جحش)، وبعد أن تاب (مُسطح) توبة نصوحاً!

2- وربما يقول قائل:
إن النبي ﷺ قد تحمل إيذاء جاره اليهودي الذي كان يضع القاذورات أمام بيت النبي ﷺ، حتى إذا افتقده يوماً سأل عنه، فلما علم النبي ﷺ أن جاره اليهودي مريضاً ذهب إليه وعاده في بيته.

والرد هنا هو:
إن هذا الكلام لا أصل له في كتب السيرة الصحيحة ولا في كتب الأحاديث الصحيحة، والهدف من ترويجه وترديده على مسامع العوام هو نفس الغرض من الموقف السابق.

3- وربما يقول قائل:
إن النبي ﷺ قد عفا عن كفار قريش يوم فتح مكة وقال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وهم الذين آذوه وأخرجوه وفعلوا به ﷺ وبأصحابه رضي الله عنهم الأفاعيل!

والرد هنا هو:

من أنبأك هذا؟ هل قرأت تفاصيل فتح مكة من مصادرها الصحيحة؟ أم أن هذا مُجرد اجتزاء يقوم به من يلوون عنق المواقف والأحداث ليُخرجوا منها ما يضللوا به عقول العوام، وبما يربونهم به على الخضوع والاستكانة، لامتطاء ظهورهم، وترسيخاً للمفهوم الذي ما أنزل الله به من سلطان، وهو (مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ).

إن العفو عن الطلقاء يوم فتح مكة لم يحدث إلا بعد:

- تأديب أوباش قريش وقتال من تصدوا للمسلمين وحاولوا منعهم من دخول مكة.

- وبعد الحكم بقتل أكابر المجرمين (أربعة نفر وامرأتين) وقال ﷺ: "اقتُلوهم، وإن وجَدتُموهم متَعلِّقينَ بأَستارِ الكَعبةِ" (صحيح النسائي).

- وبعد تحييد عموم المشركين وجمعهم في أماكن حدَّدها لهم النبي ﷺ، من دخلها كان آمناً، وكانت موافقتهم على الامتثال للأمر بمثابة الأسر لهم.

* وكان الهدف من الإجراءات الثلاثة هو أن يتضح المُحارب من المُسالم، وأن تزول كل العوامل التي تمنع الناس من اتباع فطرتهم التي فطرهم الله تعالى عليها، وأن يتخذ الناس قرارهم بالدخول في الإسلام من عدمه عن اختيار وقناعة، ودون خوف من أحد ودون إكراه ولا إجبار.

ثانياً: التباس لا بد من تناوله وإزالته

1- إن هناك من الناس من يلتبس عليهم الفهم فيظنون أن العفو الذي أمرنا به الإسلام عفواً مُطلقاً لكل أحد وفي كل ذنب أو معصية، والشرع ما عنى ذلك أبداً، وإلا لتمادى الخطاؤون في غيِّهم فضاعت الحقوق وعُطلت الحدود  وانقسم الناس إلى صنفين، صنف يتطاول على الخلق ويُعربد في الأرض وكله ثقة ويقين أن الصنف الآخر سيصفح ويعفو ويسامح.

يقول الإمام عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "إن من الصفح الجميل أن توقع العقوبة على المُخطئ متى ما كان الحال يُحتّم عليك عدم التجاوز والتغاضي، إن الصفح الجميل أن يكون اللين في محله والشدّة في محلها".

كما يقول أيضاً، في تفسير قوله تعالى {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]: "وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأموراً به" اهـ.
قال تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41]

يصف ابن العربي -رحمه الله- الحالة المقتضية للانتصار من الباغي فيقول: "أن يكون الباغي مُعلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل".

كما يصف الحالة المقتضية للعفو فيقول: "أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل".

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "خُذُوا على أيدِي سفهائِكُم" (تحفة المحتاج بإسناد جيد).

2- إن الناس يتفاوتون في العفو كما يتفاوتون في الصبر واليقين وباقي الصفات، لذا فإنه "لا إكراه في" العفو!!

3- إن العفو ليس معناه كلمات مُنمَّقة تقال بطرف اللسان ثم يبقى ما في القلب كما هو.

4- إن اللاعفو أفضل كثيراً من عفو مُصطنع أو تحت ضغط وحرج وإكراه يستنزف المشاعر ويُعكِّر صفو القلوب ويُشتت العقول!

5- إن من يعفو عفوًا مطلقًا في المواقف المتشابكة الشائكة كمن يُضمد جُرحًا وبه ما به من قِيح وصديد، فلا يلتئم أبداً.

6- لا تطلب الصفح والعفو والمسامحة ممن لم يجد ممن تعدَّى عليه إلا تمادياً وتجبراً، ولم يجده يكترث بما يحترق من أجله! إن العفو والحال كذلك يجعل المعتدي أكثر تعدياً، ومسامحته والحال كذلك تجعله أكثر ظلماً وتجبراً.

7- إن من يُخطيء فهم معنى العفو ربما يُسيء أكثر مما يُحسن ويهدم أكثر مما يبني، فتراه يصفح عن ظالم متجاوز أو معتد آثم فتختل الموازين وتضيع الحقوق وتعطل الحدود.

8- لا بد من إحياء خلق (الانتصار) الذي ذكره الله تعالى في كتابه بشروطه وضوابطه؛ لكي لا تعتاد الأمة قبول الخنوع أمام فاسق مُعتد آثم، ولا أمام كافر ظلوم جهول، ولكي لا تضيع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكي لا تموت روح الجهاد، ولكي لا تستمرئ الأمة ولا أفرادها الخنوع والاستكانة.

9- إن مرتبة العفو هي مرتبة فضل وليست مرتبة عدل، فمرتبة العدل تضمن إحقاق الحقوق، ومعرفة الجاني من المجني عليه، وقدر الجناية وعقوبتها، ثم يكون هناك قوة تُخضِع المعتدي ليستسلم للانتصاف منه.

10- إذا كان المظلوم مغلوبًا على أمره ولا يجد من ينصفه ويرد إليه حقه فعليه أن يتأسى بنبي الله نوح عليه السلام حينما عجز عن درء أذى قومه عن نفسه: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} [القمر: 10].

ارجموا الظالمين وأعوان الظالمين بالدعاء في كل وقت وحين، ارجموهم في الصلوات والخلوات والطرقات وفي كل مكان وزمان، ارجموهم سِراً وعلانية، ليلاً ونهاراً، ارجموا الظالمين وأعوانهم بالدعاء أن يملأ الله تعالى قلوبهم ناراً، وأن يسلب البركة من أرزاقهم ومن أعمارهم، وأن يسلبهم عقولهم، وأن يسلط عليهم من لا يرحمهم، وأن يُسلط عليهم هما لا ينصرف، ومرضا لا يُشفى، وأن يحرمهم من أعز ما يملكون، وأن يُسلط عليهم أنفسهم فلا يجدوا راحة ولا يستلذوا بحياة.

وختاماً أقول

بعد فهم واتباع كل ما سبق يأتي دور توجيه النصح للمُعْتدَى عليه أن يعفو، طمعاً في الأجر والثواب، دون ضغط ولا إجبار لأن ليس كل الناس يطيقون العفو، لذلك قال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] فحين يرى المُعْتَدَى عليه أن الشرع لم يهضم حقه، تسكن نفسه، وتهدأ ثائرته، هنا يمكن أن نذكره بقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، فإن عفا يكون عفوه فضلاً منه، وبنفس راضية، لا حقد فيها ولا ضغينة، ولا شعور بإكراه.

 

معلومات الموضوع

الوسوم

  • التسامح
  • العفو
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

    شاهد أيضاً

    ماذا نقول لأولادنا عن الأقصى وفلسطين؟

    في هذا المقالة، أنقل لكم حوارًا دار بيني وبين أبنائي حول ما يجري في فلسطين، …