ما الحكمة من تولى رب السماء أمر الفتوى فيما يخص النساء!

الرئيسية » خواطر تربوية » ما الحكمة من تولى رب السماء أمر الفتوى فيما يخص النساء!
reading quran

قال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} [النساء: 127].

جاء في "المفردات" للراغب الأصفهاني: "وَيَسْتَفْتُونَكَ: يَسألُونَك الفُتيا وبيانَ الحُكم" أهـ.

عن عَائِشَةَ أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، في قَوْلِهِ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] إلى آخِرِ الآيَةِ، قَالَتْ: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ الرَّجُلِ، قدْ شَرِكَتْهُ في مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أنْ يَتَزَوَّجَهَا، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عليه في مَالِهِ، فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عن ذلكَ" (صحيح البخاري).

* عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: "كانوا لا يورِّثون في الجاهلية النساءَ والفتى حتى يحتلم، فأنـزل الله: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء"، في أول "سورة النساء" من الفرائض".

* عن إبراهيم في قوله: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ"، قال: كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدَّمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه، ولها مال. قال: فلا يتزوَّجها ولا يزوِّجها، حتى تموت فيرثها. قال: فنهاهم الله عن ذلك".

- يقول الإمام القشيري رحمه الله: "في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف والظلم على المستضعفين من النِّسْوان واليتامى، وبَيَّنَ أنَّ المنتقِمَ به لهم الله، فَمَنْ راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليمَ البلاء" اهـ.

- يقول العلامة السعدي رحمه الله: "الاستفتاء: طلب السائل من المسئول بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه. فأخبر عن المؤمنين أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم النساء المتعلق بهم، فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} فاعملوا على ما أفتاكم به في جميع شئون النساء، من القيام بحقوقهن وترك ظلمهن عموماً وخصوصاً. وهذا أمر عام يشمل جميع ما شرع الله أمراً ونهياً في حق النساء الزوجات وغيرهن، الصغار والكبار" أهـ.

- جاء في تفسير بن عاشور: "قوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) وعدٌ باستيفاءِ الإجابة عن الاستفتاء، وهو ضربٌ من تَبشيرِ السَّائل المُتحيِّر بأنَّه قد وجَد طَلِبَتَه، وتقديمُ اسمِ الجَلالةِ للتَّنويهِ بشأنِ هذه الفُتيا" أهـ.

بين يدي الآية

1- قام المشركون وأهل الكتاب بل والمؤمنون أيضاً بتوجيه العديد من الأسئلة للنبي ﷺ ..
منها ما هو للسؤال عن غيبيات، مثل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ- وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ).

ومنها ما هو للسؤال عن ظواهر طبيعية لا يعرفون حقيقتها ولا مصيرها، مثل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ- وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ).

ومنها ما يتعلق بالأمم السابقة، مثل قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ).

ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات، مثل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ- يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ- يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ - وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى - وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ - يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ- يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ).

ومنها ما جاء على وجه التعنت والعناد، لا على وجه التبين والرشاد، مثل قوله تعالى: (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ).

2- لم يأت الاستفتاء في القرآن الكريم إلا في موضعين
وهما قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء} [النساء: من الآية 127].
وقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [النساء: من الآية 176].

وجاء التعبير بـ (يستفتونك) وليس (يسألونك) في الموضوعين حيث إن الاستفتاء هو إظهار المُشكل من الأحكام وتبينه، ومن ثم وردت كلمة (يستفتونك) لإظهار أن ما سيأتي هو كلام واجب التنفيذ دون زيادة أو نقصان أو تعديل، ولإقامة الحجة الدامغة والبالغة على العباد.

بالنسبة لقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء)، استخدم لفظ (وَيَسْتَفْتُونَكَ) لصعوبة الخوض في أحكام النساء وأنه ليس لكل أحد الخوض في أمورهن لما فيها من خصوصية شديدة تتطلب دقة وحسن دراية.

وبالنسبة لقوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) استخدم لتداخل الأطراف في مسألة الكلالة بالذات، ولكثرة المتربصين والطامعين في ميراث الكلالة.

3- إسناد الإفتاء إلى الله تعالى فيه تعظيم للمسألة وحث على أهمية الأخذ بها لأنها من لدن حكيم خبير عليم بأحوال عباده، وبما يصلح أمورهم.

4- استخدام قوله تعالى: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) لأن التلاوة تتطلب الإنصات وخشوع الجوارح والاعتبار والتنفيذ.

5- استخدام قوله تعالى: (وترغبون أن تنكحوهن) دون (حرف الجر "في" بمعنى الحب والرغبة) أو (حرف الجر "عن" بمعنى النفور وعدم الرغبة) لكي تشمل الآية المعنيين، فالحكم واحد في الرغبة فيهن أو عنهن، إذ يحتمل أن يرغب فيهن لجمالهن أو يرغب عنهن لدمامتهن.

يقول العلامة بن عاشور: "ولحذف حرف الجرّ بعد {ترغبون} هنا موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى، أي ترغبون عن نكاح بعضهنّ، وفي نكاح بعض آخر، فإنّ فعْل رغب يتعدّى بحرف (عن) للشيء الذي لا يُحَبّ؛ وبحرف (في) للشيء المحبوب. فإذا حذف حرف الجرّ احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف" أهـ.

السؤال هنا: ما الحكمة من تكفل الله تعالى بالحديث في أمر النساء بنفسه؟
كما ذكرنا أن المرأة في الجاهلية كانت لا ترث وكان يُساء إليها أيما إساءة، من هنا أراد الله تعالى أن يرفع من شأنها، ويُعظم قدرها فتولى الله تعالى أمر النساء وإبلاغ ما شرعه لهن بنفسه، وهذا لعدة أمور:-

1- العناية بالنِّساء عمومًا، وبيتامى النِّساء على وجه الخصوص، لأنَّ يتيمةَ النِّساءِ اجتمعَ في حقِّها الضَّعفُ لكونها أنثى؛ والضَّعفُ لكونها فقدت العائلِ، لهذا أوصى اللهُ تعالى بها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ" (رواه ابن ماجه).

2- الحديث في شأن النساء وفي كل ما يتعلق بهن من تشريع في العبادات والمعاملات والسلوك يتطلب الفهم والوضوح والدقة، وهذا ليس اتهاماً للنبي ﷺ ولا تقليلاً من شأنه فالله تعالى حاشاه أن يفعل ذلك ولكن لطبيعة التكليف ولطبيعة المُتلقين للتكليف.

3- إن المجتمع كثيراً ما يجير على المرأة ويهضمها حقها لذلك تولى الله تبليغ الأمر بنفسه ليقيم الحُجَّة على كل من يتجاوز في حق النساء (أماً أو أختاً أو زوجة أو أي صلة بالنسب أو بالمصاهرة).

4- إن النساء أكثر نسياناً وأكثر تهاوناً في تلقي التكليف وبالتالي فهن أقل التزاماً في التنفيذ فتولى الله تعالى الأمر بنفسه حثاً لهن على حُسن التلقي وحسن التنفيذ ولإقامة الحجة عليهن كاملة.

5- كل ما سبق هو بمثابة رسالة من الله تعالى لولي أمر المرأة (أباً أو أخاً أو زوجاً أو كافلاً لها وضامناً حتى ولو كانت الأم نفسها) أن يتولى أمرها بنفسه ولا يترك ما أوجبه الله تعالى عليه وألزمه به لأحد غيره، ليس ذلك تسلطاً ولا تعنتاً واستبداداً ولكن عطفاً وحناناً وبراً، وأداءً للأمانة وإبراءً للذمة أمام الله تعالى فـ (كلكم راع وكلكم مسئولاً عن رعيته).

لا تترك واحدة من أهلك تتلقى تعاليم دينها عمن هو ليس ثقة أول عمن هو ليس أهل لذلك.

لا تترك إحداهن تتلقى ثقافتها وسلوكها من مصادر مشبوهة تجرها إلى الهاوية.

لا تترك إحداهن تخالط أصدقاء وصديقات وتخرج حينما تشاء أو أينما شاءت بحجة الحرية أو بذريعة الثقة.

إن كل نساء وبنات بيتك هن (حَرَمَك وحِمَاك) اللاتي لو تُركن بلا حامي له ولا حارس أصبحن مطمعاً لكل طامع وفريسة لكل نهم جائع.

إن النساء تعجبهن من الرجال النخوة والشهامة، ويُطِعْن أمر الحُر الذي يَغار على عِرضه وإذا وجدن غير ذلك كن أكثر تفلتاً.

اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل، واجعلنا لكتابك من التالين الذين يعملون بمُحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويُحلون حلاله ويُحرِّمون حرامه.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • المراة
  • النساء
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

    شاهد أيضاً

    ماذا نقول لأولادنا عن الأقصى وفلسطين؟

    في هذا المقالة، أنقل لكم حوارًا دار بيني وبين أبنائي حول ما يجري في فلسطين، …