واحة الاستغفار ….. في سورة فاطر

الرئيسية » بأقلامكم » واحة الاستغفار ….. في سورة فاطر
maxresdefault

وكيف لا تكون سورة غافر واحة الاستغفار، واسمها يدل عليها، ومطلعها يبشرك بغفران الذنب وقبول التوب: "غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ".

وتأمل كيف قدّم مغفرته ورحمته على عقابه وعذابه.... وصدق النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه في الحديث القدسي عن ربه: "إن رحمتي سبقت غضبي "
وفي موكب ذِكْر علويّ يصوره مطلع السورة، تسبّح ملائكة العرش ومن حوله بحمد الله..... ويستغفرون للمؤمنين الذين آمنوا به و اتبعوا سبيله... يدعون لهم بالمغفرة والرحمة... والنجاة من عذاب الجحيم...

فما أجمله من شعور.. وما أعظمه من تأييد..أن يستغفر لك بظهر الغيب - وأنت لا تعلم - عبادٌ أطهار كالملائكة مكرمون.... لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون...

إنه اتصال أزلي بين السماء والأرض... حين يستغفر أهل السماء لأهل الأرض.... فتحس أنك تتحرر من أوحال الذنوب والمعاصي لترقى إلى سُبُحات المغفرة من رب السماء.... عندها تحسّ بحلاوة اليقين..... ولذة الرضا من رب العالمين.

" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ".

ومرة أخرى تذكرّك الأيات بمغفرة الله وسعة رحمته " رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً".

ألا فما أشقى من طرد من رحمة الله التي وسعت كل شيء، ولم يكن له منها نصيب؟

وبعدها تاخذك السورة إلى مشهد مؤمن آل فرعون.... تجده حين دعا قومه إلى الله... وصف ربه لهم بصفتين جليلتين " العزيز الغفار " قال تعالى:" تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ"... العزيز اسم جلال.... والغفار اسم جمال....

نعم... هو عزيزٌ غالبٌ على أمره... منتقم من عباده إن كفروا.... وغفار لهم رحيم بهم إن آمنوا....

وهنا يأتي السؤال... لم الاستغفار؟ وما أثره على المؤمن؟

الاستغفار يعني تجدد الأمل....وتخطّي العقبات والمعوقات... ونهوضٌ بعد السقوط.... واندفاعٌ بهمة وايجابية نحو الأمام في الطريق...

هو بلسمٌ يجبر الأخطاء والسلبيات... وكأنها لم تكن... لتبدأ صفحة بيضاء جديدة...ولا تبقي أسيراً لجلد الذات.

هو شعور يلازمك لتعترف بتقصيرك الدائم في جنب الله... فتجدّد العزيمة على السعى نحو الكمال في العبادة والعمل.

هو كنزٌ بما يخبىء الله لك فيه من ثمرات وخيرات... من بركةٍ في الوقت والرزق.... وغنيمةٍ عُظمى في الأجر والثواب....

ولا عجب أن تجد في ثنايا السورة أن يأمرك الله بالاستغفار والتسبيح مع الصبر...فهو الذي يعينك عليه.. ويهون عليك مرارته...:" فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ".

إنه تسبيح واستغفار... في الليل والنهار... لعل الله يغير حالك... قيأتي الفرج بعد الكرب... والسعة بعد الضيق... كما تأتي أنوار الإبكار بعد ظلمة العشيّ...

ومما توجه إليه السورة وتحث عليه... عبادة الدعاء والذي هو مطية الاستغفار... فما الاستغفار إلا دعاءٌ إلى الله بطلب المغفرة.. ومنذ أول السورة... تجدها استُهلت بنماذج من دعاء الملائكة لعباد الله المؤمنين:" رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ".

ولكي يؤتي الدعاء ثمرته.... وتتحقق إجابته... لا بد أن يكون معه الاخلاص لله والتجرد له وحده... والتذلل بين يديه... وقد تأكد هذا المعنى مرتين في قوله تعالى:" فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" وفي قوله تعالى:" هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".

ولعلك تقرأ في هذه السورة الآية الذهبية في الدعاء وهي قوله تعالى:" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ".

يا الله... ما أكرمه؟... وما أحلمه؟.. نغضبه بالمعاصي.... ونقترف نواهيه... ونتجرأ على محارمه....... ثم هو سبحانه يطلب منا بكل رحمة ولطف.. أن ندعوه ليغفر لنا... بل ويضمن لنا إجابة الدعاء!

وكأنه يقول لك: أي عبدي لا تحمل همّ الاجابة... فقط ارفع يديك وتوجه لي بالدعاء...فقد أتيت ساحة من لا يردّ سائلا... ولا يخيّب طالبا..

ألا ما أسعد من وُفّق إلى هذا... وما أشقى من استكبر وتولى:" إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ".

هذا الاستكبار المقيت... الذي حريّ بالمؤمن أن يدعو الله دوماً أن ينجو منه ومن أهله:" وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ".

فمن وفّقه الله نجا وإلا طبع الله على قلبه بسبب ما فيه من الاستكبار:" كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ".

وصدق الله... فكيف يجتمع الدعاء والذي هو تذلّلٌ وافتقار.... مع من في قلبه إعراض واستكبار؟

ويأتي ختام السورة.... ليقول لك... إنها رحمة الله فمن لم يدخل فيها... واستغنى عنها بما عنده من العلم وأسباب الدنيا... استحالت في حقه رحمة الله ٍ بأساً وعذاباً... وعندها يكون الخسران والهلاك.

" فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ".

اللهم اجعلنا ممن غفرت لهم ورحمتهم وأنت خير الغافرين....

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الشكر

الشكر في اللغة هو العرفان بالإحسان، والثناء على المحسن بما أثناه من معروف. فهو ليس …