القدس بين هَبَّة باب العامود وبين تأجيل الانتخابات.. فاعلية المقاومة الشعبية

الرئيسية » بصائر من واقعنا » القدس بين هَبَّة باب العامود وبين تأجيل الانتخابات.. فاعلية المقاومة الشعبية
-255782687

كانت القدس المحتلة عنوان الأحداث الفلسطينية خلال الفترة الماضية، ما بين السياسة والعمل المقاوِم على الأرض.

ولئن كانت هناك نتيجةٌ مهمةٌ للمقارنة التي قدَّرها اللهُ تعالى بتزامُن هذه الأحداث؛ فإنَّها – أي هذه النتيجة – قد حدَّدت أنَّ المقاومة الشعبية، غير المُسَيَّسَة، هي الخيار الوحيد والفعَّال أمام الفلسطينيين في الوقت الراهن.

كُنَّا قد كتبنا في هذا الموضِع من الحديث قبل أسابيع، أنَّ حوارات القاهرة الأخيرة، كانت هي الفرصة الأخيرة أمام الفصائل الفلسطينية من أجل تحسين الموقف السياسي الداخلي، وتحقيق مصالحة تضمن في الحد الأدنى، تحريك ملفات حقوق الفلسطينيين والقضية بشكل عام، على المستوى الإقليمي والدولي.

ولا أحد يدري لماذا اجتمع قادة الفصائل الفلسطينية وممثلين عن السلطة الفلسطينية في القاهرة، وأطلقوا كل هذه الصورة الإيجابية، وتم ترتيب مسألة الانتخابات، وإعطاء جرعة تفاؤل على غير ذي أساس؛ حيث إنَّه من المعروف بدايةً وبداهةً، أنَّ الكيان الصهيوني لن يسمح بإجراء الانتخابات في القدس، بل لن يسمح بها من حيث المبدأ، لأنَّه يعلم أنَّ أية مصالحة فلسطينية ليست في مصلحته.

وفي المُحَصِّلة؛ فإنَّ هذه المرحلة، تشهد إعلانًا رسميًّا بموت النظام الرسمي الفلسطيني، وبالتبعية وفاة عملية "أوسلو" واتفاقياتها، وانتهاء مصداقية الكثير من قيادات الفصائل الفلسطينية، ومنظومة الفصائلية ككل، والتي تحكم الحالة السياسية الفلسطينية والشارع الفلسطيني منذ أواخر الستينيات.

وبالرغم من أنَّ هذا الأمر، حقيقةٌ واقعةٌ، لكن مِن المهم للغاية أنْ يتم إعلانها رسميًّا، وأنْ يكون لذلك تبعاتٍ على الأرض.

والأمر ليس بحاجةٍ إلى تخطيط لمعرفة البدائل؛ حيث إنَّ ما جرى في القدس في الأيام الماضية، يقدم صورة جيدة للغاية لما يمكن أنْ يتمَّ لو تم إطلاق العنان للمقاومة الشعبية العفوية.

كانت البداية، ليلة الخميس إلى الجمعة الثانية من شهر رمضان بسبب مظاهرة لعددٍ من اليهود المتشددين، هتفوا خلالها "الموت للعرب"، وتجمَّعوا أمام باب العامود، مع تصاعد الدعوات لاقتحام الحرم القدسي من جانب الجمعيات الاستيطانية اليمينية.

هذا الحدث الذي بدأ صغيرًا، أدى إلى مواجهات واسعة النطاق، خرجت عن نطاق القدس، حتى بيت لحم، وأمام معبر قلنديا الذي يربط بين فلسطين المحتلة عام 1948م، وبين الضفة الغربية المحتلة، وأُجبِرَت قوات الاحتلال على الإثر على رفع الحواجز التي وضعتها أمام باب "العامود"، وصلَّى المقدسيون هناك احتفالاً بانتصار حقيقي على قوات الاحتلال، وعلى اليمين الصهيوني كذلك.

جزء مما رتبته الهبَّة العفوية، هو أنَّها استتبعت إطلاق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، 35 صاروخًا على مستوطنات غلاف غزة، مما نقل الموقف إلى خانةٍ أخرى، بدا معها رئيس الحكومة الصهيونية المُكَلَّف، بنيامين نتنياهو، مهزوزًا، وهو يدعو للتهدئة في الضفة، وتتراجع حكومته عن قرار أخذته بغلق المجال البحري لقطاع غزة أمام الصيد، بعد أقلِّ من يومَيْن.

ورأينا كيف أنَّ الحكومة الصهيونية طلبت وساطات من مصر والأردن لوقف التصعيد من قطاع غزة، وفي القدس المحتلة.

ونقف هنا وقفة مع بعض الأمور المتعلقة بالمواقف الصهيونية، إزاء الانتخابات وإزاء الأحداث.

عباس خلال جلسة الخميس ليلاً مع بعض قادة الفصائل الفلسطينية، ووفق تقارير صحفية أخرى سبقتها؛ فإنَّ الصهاينة أبلغوا السلطة الفلسطينية في رسالة حملت الكثير من السخرية، أنَّه لا انتخابات في القدس "لأنَّه لا توجد لدينا حكومة" لأخذ قرار بالموافقة على إجراء الانتخابات في القدس.

وهي "نُكتة" حقيقية؛ حيث القدس والضفة تشهد عمليات بناء استيطاني، وقرارات استراتيجية على المستوى الأمني والعسكري، وكل القصة أنَّهم يسخرون من عباس وسلطته، ومن الفصائل الفلسطينية التي لا تزال تضع أملاً على السياسة العقيمة لحل القضية الفلسطينية!

ولكن في المقابل، ولكي نرى بشكل مقارَن أثر ما جرى في القدس وغزة في الأيام الماضية، فإنَّنا نلقي الضوء على تصريحات لنتنياهو نفسه، في الرابع والعشرين من أبريل، عقب اندلاع هذه الأحداث لإبراز الفارق الكبير بين السياسة خالية الدَّسَم.

نتنياهو قال: "نريد قبل أيِّ شيءٍ، ضمان احترام القانون والنظام العام.. نطالب الآن باحترام القانون وأدعو جميع الأطراف إلى الهدوء"، بما في ذلك مجموعات المستوطنين اليمينيين الذين هم مفتاح نجاته حرفيًّا؛ حيث الأحزاب اليمينية هي رهان نتنياهو على تشكيل حكومةٍ خامسةٍ، تحميه من المساءلة القضائية في قضايا الفساد المتورط فيها.

نتنياهو قال أيضًا: "نحافظ على حرية العبادة كما نفعل كل عام، لجميع سكان القدس وزوارها"، ويقصد بذلك الصلاة والزيارات التي تتم من جانب مسلمي فلسطين خلال شهر رمضان إلى الحرم القدسي الشريف، في موقف ربما لم يكن يتوقعه أحدٌ منه.

كل هذا لأن جيش الإيمان الفلسطيني تحرَّك بما أملاه عليه الموقف في القدس، وساهم في ذلك، ظروف شهر رمضان المبارك؛ حيث المشاعر أكثر سخونة، وهناك أرضية مهمة لتواجد بشري أكثر كثافة في الحرم القدسي وما حوله في ليالي الشهر الكريم.

ومصطلح جيش الإيمان، مصطلح وصف به عبد الباري عطوان، المقدسيين؛ حيث قال في مقال له في جريدة "عرب اليوم"، بتاريخ 26 أبريل، وحمل عنوان: "الانتفاضة الثالثة": "في الانتِفاضتين الأولى كانت الحجارة، وفي الثانية القنابل الحارقة والكلاشينكوف، وفي الثالثة تعانقت الحجارة والقنابل الحارقة في الضفّة مع صواريخ المُقاومة في قطاع غزة، وبدعم من جيش الإيمان الذي يحمي المدينة المُقدّسة بدِمائه وأرواحه".

في الحقيقة، إنَّ ما جرى في القدس في الأيام الماضية، والتزامُن القَدَريُّ المهم الذي وقع بين حَدَث "تأجيل" الانتخابات الفلسطينية، كفشل جديد للعملية السياسية، نظير نجاح كبير للمقاومة الشعبية على الأرض، والتي تحولت فجأة إلى كتلةٍ من النار، كادت أنْ تحرقَ الأرض أسفل نتنياهو، ودفعته دفعًا إلى طلب التهدئة مع غزة، ومع المقدسيين؛ لهو مِن أهم الأحداث التي شهدتها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة.

وفي هذا الموضِع؛ فإنَّه ينبغي بالتأكيد الإشارة إلى أنَّ موقف كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة "حماس"، خلال أحداث القدس، وموقف الحركة من مسألة "تأجيل" الانتخابات، بالرَّفض؛ هي كلها مواقف تستحق الإشادة، وكانت بالفعل استثناءً للحالة الفصائلية الفلسطينية الميتة تقريبًا.

وبالتالي؛ فإنَّه ينبغي أنْ يتم دراسة ذلك بدقة، من أجل العمل على استنساخه، وإعادة إحياء وبعث فكرة المقاومة الشعبية التي هي بالفعل المفتاح الوحيد الذي يمكن من خلاله تحريك القضية الفلسطينية، وإعادة حقوق الفلسطينيين إلى واجهة الإعلام والسياسة في الإقليم، وعلى مستوى العالم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

أزمة ترميم الحرم القدسي ومساومات الاحتلال على باب الرحمة ومعاركنا التي لا تهدأ

لم يكن أحدٌ يتوقَّع أنْ تكون نهاية مطاف معركة إغلاق باب الرحمة، أحد أبواب الحرم …