جلسات إيمانية في رمضان (6)

الرئيسية » بأقلامكم » جلسات إيمانية في رمضان (6)
6

جلسة إيمانية يوم 16 رمضان

ذنوب الخلوات أصل الانتكاسات

قال تعالى: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً {108}" (النساء: 108).

إن من يُجيدون التلون والمراوغة مع الناس لأغراض دنيئة ونوايا خبيثة تراهم في السِّر غير العلن ولكن هؤلاء يأتي عليهم اليوم الذي يفضحهم الله فيه من حيث لا يحتسبون.

* عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: "ما أسَرَّ عبدٌ سريرة إلا أظهرها الله تعالى على قَسَماتِ وجهه وفلتات لسانه".

* عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: " لأَعْلَمَنَّ أقوامًا مِن أُمَّتي يَأْتون يومَ القيامةِ بحَسناتٍ أمثالِ جِبالِ تِهامةَ بَيْضاءَ، فيَجْعَلُها اللهُ هَباءً مَنثورًا. قال ثَوْبانُ: يا رسولَ اللهِ، صِفْهُم لنا، جَلِّهِم لنا، أنْ لا نَكُونَ منهُم ونحن لا نَعْلَمُ. قال: أمَا إنَّهُم إخوانُكُم، ومِن جِلْدَتِكُم، ويَأخُذون مِنَ اللَّيلِ كما تَأْخُذون، ولكنَّهُم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمَحارمِ اللهِ انتَهَكوها" (السلسلة الصحيحة).

* عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "أفْشِ السَّلامَ وابذُلِ الطَّعامَ. واستحْيِ من اللهِ استحياءَك رجلًا من أهلِك. وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولتُحسِّنْ خُلقَك ما استطعتَ" (السلسلة الصحيحة).

* قال ابن عباس رضي الله عنه: "وخوفك من الريح إذا حرَّكت سِترَ بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عمِلته".

* قال ابن الجوزي رحمه الله: "وقد يُخفي الإنسان ما لا يرضاه الله عز و جل، فيُظهِره الله سبحانه عليه ولو بعد حين، ويُنطِق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس، وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابًا لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك ليعلم الناس أن هناك من يُجازي على الزلل".

* قال ابن القيم رحمه الله: "أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات".

* وأيَّده في ذلك ابن رجب فقال: "خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة بين العبد وربه".

- وفي هذا المقام لا يفوتنا أن نذكر هنا صفة من صفات المؤمنين التي أكد عليها الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ).

قال تعالى: "الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ {49}" (الأنبياء: 49).

قال تعالى: " الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {18}‏" (فاطر: 18).

قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ {12}‏ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {13} أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14}" (الملك: 12: 14).

نصيحة

إن الواجب على المسلم أن يتقي الله تعالى لأنه في كل مرة يرتكب فيها معصية من معاصي الخلوات يهتك ستر الله عليه حتى تأتي اللحظة التي يفضحه الله تعالى فيها بين عباده فضيحة لا ستر بعدها، فضيحة لا تنسى، فيعيش المرء موصوماً بها ويموت ولا ينساها الناس عنه.

اللهم استرنا في الدنيا والآخرة ولا تفضحنا بين خلقك ولا بين يديك

************************************
جلسة إيمانية يوم 17 رمضان

اذكر يوم الأذان

قال تعالى: "وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {44}" (الأعراف: 44).

- يا الله، إن هذه اللحظة طال انتظارها فكم من الأنفس أزهقت، وكم من الحقوق أهدرت، وكم من الأعراض استبيحت، وكم من الحريات قيِّدت، وكم من المظالم أجِّلت لهذه اللحظة.

- لحظة أن يشفي الله تعالى غيظ قلب المظلوم حين يرى ظالمه تسعَّر به النار.

- لحظة أن يناديه شامتاً في حاله ومنقلبه وسوء مصيره (أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً).

- إن السؤال إجابته معروفة ومحسومة ولكن مجرد إقرار الظالمين بها عذاب لهم فوق عذابهم.

- إن المتوقع من أهل النار ألا يردوا عليهم من الخِزي والحسرة والندامة والذل والمهانة التي هم فيها ولكن أنى لهم ذلك! إن الله تعالى ينطقهم فيجيبون (نَعَمْ).

- إنها إجابة مقتضبة في كلمة واحدة مكونة من ثلاثة حروف ولكنها ثقيلة ثقل الجبال على قلوب الظالمين وعلى ألسنتهم.

- إنها إجابة مقتضبة في كلمة واحدة مكونة من ثلاثة حروف ولكنها تساوي الكثير عند كل من أوذي في الله وصبر واحتسب إلى أن بلغ هذه اللحظة.

- عن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ أمر يومَ بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام العرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومَ الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا". قال عمر: يا رسولَ اللهِ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" (صحيح البخاري).

- وقوله تعالى: "فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ".

أي أن اللعنة مُستقرة عليهم واجبة لهم فهم يستحقونها بما قدَّموا، وبما كسبت أيديهم.

جاء في كتاب "مختصر تاريخ دمشق" لابن منظور رحمه الله: "نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، قال: فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال: أنا سليمان فما يوم الأذان؟ قال: "فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" قال: فما مظلمتك؟ قال: أرضي وأرض آبائي أخذها وكيلك. قال: فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه".

اللهم بلغنا مصارع الظالمين في الدنيا كما بلغت نبيك ﷺ مصارع صناديد قريش، وأثلج اللهم صدورنا بندائنا إياهم في الآخرة ونحن في أعالي الجنان وهم في السعير يُعذبون.

************************************
جلسة إيمانية يوم 18 رمضان

وخلق الإنسان ضعيفًاً

قال تعالى: " فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ {20}" (الأعراف: 20).

- إن للشيطان حيله الملتوية والماكرة التي يتبعها مع الإنسان، فالشيطان لا يطلب منه المعصية بطريقة مباشرة ولكن يمهد لها ويهيئها ويبسطها ويسهلها ويزينها أولاً ويجعلها مراحل تسلم بعضها بعضاً، لذلك قال تعالى (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ولم يقل (ولا تتبعوا الشيطان)!

- عندما أراد الشيطان أن (يُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا) وسوس لهما بالأكل من الشجرة لأن الأكل من الشجرة يتطلب (قضاء الحاجة) وقضاء الحاجة يتطلب (كشف العورة) وبكشف العورة يقع الإنسان في المحظور الذي نهاه الله تعالى عنه، وهذا ما يريده الشيطان.

- عن ابن طاوس، عن أبيه: "وخلق الإنسان ضعيفًاً"، قال: في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء.

من قصص التراث: يقول رجل لشيخ: حين أعجبت بزوجتي.. كانت في نظري كأن الله لم يخلق مثلها في العالم ولما خطبتها.. رأيت الكثيرين مثلها.. ولما تزوجتها.. رأيت الكثيرين أجمل منها.. فلما مضت بضعة أعوام على زواجنا رأيت أن: كلُّ النَسَاءِ أحْلَى مِنْ زَوجَتِي!
فقال الشيخ: أفأخبرك بما هو أدهى من ذلك وأمرّ؟!
قال الرجل: بلى.
فقال الشيخ: ولو أنك تزوجت كل نساء العالمين.. لرأيت الكلاب الضالة في شوارع المناطق الشعبية أجمل من كلّ نساء العالمين!
ابتسم الرجل وقال: لماذا تقول ذلك؟
فقال الشيخ: لأن المشكلة ليست في زوجتك، المشكلة أن الإنسان إذا أوتي قلباً طمّاعاً، وبصراً زائغاً، وخلا من الحياء من الله فإنه لا يُمكن أن يملأ عينه إلا تراب مقبرته.
وأضاف الشيخ قائلاً: يا رجل مشكلتك أنك لا تغضّ بصرك عما حرّم الله.. أتريد شيئاً ترجع به امرأتك إلى سالف عهدها (أجمل نساء العالم)؟
قال الرجل: نعم!
فقال الشيخ: غض بصرك. (إلى هنا انتهت القصة).

وأنا أزيدك من الشعر بيتاً فأقول:

- إن تبرج المرأة وتخنث الرجل والاختلاط السافر بينهما وإطلاق العنان للبصر سواء من الرجل أو من المرأة يسحب من رصيد الإيمان والتقوى لديهما، وكذلك يسحب من رصيد السعادة الزوجية والاستقرار الأسري مهما توفرت كل سبل السعادة إلى أن تستحيل الحياة بين الزوج وزوجته شقاءا، فترى هذا يُعربد مع ساقطة من بنات الهوى، وهذه تعربد مع خادم أو مع سائق، فلا يقضي أحدهما نهمته ولا يبلغ شهوته، ولا يملأ عين أحدهما إلا تراب مقبرته!!

والحل هو كما يقول الشاعر

خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقَى *** واصنع كماش فوْقَ أرض الشوك يحذر ما يرى *** لاتحْقِرَنَّ صغيرة إنَّ الجبال من الحصى.

اللهم اكتب لنا ولنسائنا ونساء المؤمنين ولبناتنا وبنات المؤمنين عفة وحياءا وتقوى وحسن مراقبة حتى نلقاك وأنت راض عنا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

 12 نصيحة لتحفيز نفسك للدراسة عبر الإنترنت

الحافز هو ما يجعلنا نتخطى كل الصعاب، فهو القوة الخفية التي تدفعنا نحو تحقيق أهدافنا …