“لو خرجوا فيكم”

الرئيسية » خواطر تربوية » “لو خرجوا فيكم”
gaza

"أنقذوا حي الشيخ جراح".. "غزة تحت القصف".. "ادعم المقاومة".. "غزة تنتصر للقدس"، وغيرها...

حروف مغردة في سحاب الفضاء الإلكتروني صفتها الأيادي الداعمة للقضية الفلسطينية دينيًا، أو قوميًا، أو إنسانيًا، ونجحت في التذكير بإجرام الاحتلال الصهيوني، وإعادة القضية ــ ولو مؤقتًا ــ لصدارة الاهتمام العربي والعالمي.

وبالرغم من أهمية الحراك الإلكتروني، إلا أن الطرق على لوحات المفاتيح لم يكن شيئًا إذا ما قورن بمن دفعوا دماءهم وأرواحهم وفلذات أكبادهم ثمنًا للصمود في المعركة الأخيرة أمام العدو ؛ فإذا ما استعادت الأذهان مشاهد الأطفال المغدورين برصاص الاحتلال صبيحة العيد، لن تمر اللقيمات من حلق أي شخص لا يزال يملك ذرة من إنسانية على وجه البسيطة.

والحقيقة.. أن العجب لم يكن في المشهدين السابقين، فالشعب الفلسطيني لم يكف يومًا عن بذل دمائه فداءً لأرضه المسلوبة وحقه المضام من قبل الاحتلال وأعوانه، والقضية ما دامت عادلة لن تفقد مؤيديها مهما فترت الهمم وضعف الصف في كثير من الأحيان؛ إنما العجب كل العجب ممن أمعنوا في إضعاف الهمم، وتسليط الضوء على السلبيات أثناء الاصطفاف على الجبهات.

الشعب الفلسطيني لم يكف يومًا عن بذل دمائه فداءً لأرضه المسلوبة وحقه المضام من قبل الاحتلال وأعوانه، والقضية ما دامت عادلة لن تفقد مؤيديها مهما فترت الهمم وضعف الصف في كثير من الأحيان

فبخلطة دنيئة ــ مقصودة أو غير مقصودة ــ نظر بعض المحللين لما يحدث في الأراضي الفلسطينية وبخاصة في غزة بآرائه المهاجمة لتيارات المعارضة السياسية لأنظمة الحكم في الوطن العربي، فبدأ يسقط ذلك على حركة حماس ـ باعتبار علاقتها بالإخوان المسلمين ــ ووجدناه يتعامل مع المشهد وكأن الشرعية لسلطة الاحتلال وتحركات المقاومة ما هي إلا احتجاجات يجب أن تتحلى بالسلمية تحججًا بالحفاظ على أرواح قاطني القطاع من المدنيين!

فخلال الأسبوع الماضي تكرر الهجوم على حركة حماس، وصواريخ المقاومة من أفواه عربية خلال المداخلات على الفضائيات العربية، أو عبر التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعية.

بل وصل الحد إلى اتهام فصائل المقاومة بخدمة أهداف الاحتلال في صرف الأنظار والاهتمام عن الاعتداءات على المسجد الأقصى، واستمرار التهجير في حي الشيخ جراح!

ولاشك في أن روح وحياة الفلسطيني أثمن من أي مكسب سياسي؛ إلا أن القضية الفلسطينية ليست مسألة سياسية، وعمليات المقاومة ــ فردية أو جماعية ــ لا تنتمي للحركات الاحتجاجية، بل هي تحركات تحرر وطني بمرجعيات مختلفة تعكس الأطياف السياسية في الساحة الشعبية الفلسطينية ، في إطار حقوق الشعوب في تقرير المصير.

لقد خلف الاحتلال الصهيوني مجازر بشرية في الشعب الفلسطيني، واحترف جرائم الحرب، ومخالفة أي مبادئ إنسانية، سواء بقصف المدنيين في غزة، أو تهجير المقدسيين من منازلهم، أو تكرار عمليات التصفية لفلسطينيي الداخل في وضح من النهار؛ إلا استمرار النضال الفلسطيني بكافة وسائله يؤكد إرادة الشعب في إنهاء الاحتلال ولو طال عليه الأمد.

وإذا كان صاحب القضية الأصلي لم يتقبل سياسة الأمر الواقع برغم ما دفعه من ثمن غالٍ، فما مبرر أي (محلل) أو (باحث) أو أيًا ما اختاره وصفًا لذاته في المزايدة على المأساة الإنسانية للشعب الفلسطيني، لنجده متبجحًا في التأكيد على أن الرشقات الصاروخية والرد على الاعتداء الصهيوني هو النكبة الرئيسة لأهالي القطاع، وهو المسؤول الأول عن تغييب مشكلة القدس عن الاهتمام، وهو "الحجة" المقبولة لانفضاض الدول عن دعم الفلسطينيين؟!

ربما كان أحد مكاسب الأيام الـ11 الماضية للقضية الفلسطينية، هو السماح باطلاع مباشر على ما يكتبه الـ"غزاوية" تحت القصف، فالصفحات الشخصية لكثير من أهالي القطاع باتت مصدرًا مُصدقًا للمعلومات الحية، دون مزايدات دعائية، بل أدرك المتابعون معنى الفقد حينما استشهد في ليالي الحرب شباب كانوا قبل دقائق يتواصلون مع الآلاف حول العالم في بث حي قطعه صاروخ الاحتلال.

ولم تتعال أصوات الغزيين حنقًا على صواريخ المقاومة، كما لم يتجه غضب المقدسيين على رد صواريخ القسام، والجهاد الإسلامي، وغيرهم من الفصائل على اعتداءات الاحتلال على مصليي المسجد الأقصى؛ فمن أين جاءت مزاعم مزايدة "المقاومة" على الشعب الفلسطيني؟ ومن أين أتى التبجح بتحميلها المأساة الإنسانية للقضية الفلسطينية؟

يقول أستاذ القانون الدولي صلاح عامر في كتابه (المقاومة الشعبية المسلحة): "إن المفهوم الواسع للمقاومة المسلحة، وهو ما يعبر عنه أحيانًا بحروب التحرير الوطني يمكن تعريفها بما يلي: عمليات القتال التي يقوم بها عناصر وطنيّون من غير أفراد القوات المسلحة النظامية دفاعًا عن المصالح الوطنية، أو القومية ضد قوى أجنبية سواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية واقعية، أو بناء على مبادراتها الخاصة، وسواء باشرت هذا النشاط فوق إقليم الوطن أو من قواعد خارج هذا الإقليم"(1).

كما يشير أستاذ القانون الدولي، الكويتي، رشيد حمد العنزي، إلى أنه كثيرًا مايتم خلط مفهوم الإرهاب بأنشطة المقاومة المسلحة، ما يستلزم التمييز بينهما احترامًا للأنشطة المقاومين المسلحين لتحرير بلادهم وممارسة حقهم في تحديد المصير؛ فضلًا عن أهمية التمييز بين المفهومين بشكل لا يسمح للدول والانظمة المحتلة بالقضاء على المقاومة المسلحة بحجة محاربة الإرهاب(2).

ووفقًا لما سبق؛ فإن تحميل حركات المقاومة مسؤولية الخسائر البشرية في غزة، ما هو إلا تشويه للحقيقة، وخدمة لدعاية الاحتلال الصهيوني الذي دأب متحدثو جيشه على وصف رفض وجوده والنضال ضده بـ"الإرهاب".

إن تحميل حركات المقاومة مسؤولية الخسائر البشرية في غزة، ما هو إلا تشويه للحقيقة، وخدمة لدعاية الاحتلال الصهيوني الذي دأب متحدثو جيشه على وصف رفض وجوده والنضال ضده بـ"الإرهاب"

ولعل تصريحات تسيبي ليفني- زعيمة المعارضة في الكنيست الإسرائيلي، التي رفضت فيها مجرد المساواة بين مقتل أطفال يهود خلال هجوم على مدرسة أوروبية وبين أطفال غزة، قائلة إنه لايمكن يقارن قتل الأطفال في تولوز مع جهود دولة تكافح الإرهابيين من أجل ضمان أمن مواطنيها، أكبر دليل على ما يؤمن به الاحتلال وما يقوم به من جرائم مهما أخفتها آلته الإعلامية.

وجدير بالذكر أن العدوان الأخير على القطاع سجلت خلاله وزارة الصحة الفلسطينية ارتقاء 243 شهيدًا، بينهم 66 طفلًا و39 سيدة و17شيخًا، فضلًا عن 1910 جريحًا، والبحث عن جثامين المفقودين تحت ركام القصف، ثم خرج رئيس وزراء الاحتلال متابهيًا بفعلته ليقول إن الجيش الإسرائيلي من الأكثر أخلاقية في العالم.

وبعد 11 يومًا من الاستنفار العسكري والفكري، والديني، والإنساني، والسياسي، الذي نجحت فلسطين في خلقه ـ كما كانت دائمًا ـ ربما حق لكل من آمن بعدالة القضية تعديد بعض الانتصارات التي وإن كانت صغيرة إلا أنها نفثت الروح في هذا الملف من جديد، باستمرار الصمود الغزي، وتلاحم القوى الفلسطينية بمختلف تحركاتها، وتخطي الحراك الشعبي العربي الشجب والاستنكار مثلما بدى على الحدود الأردنية واللبنانية.

وربما كان المكسب الأكبر في المعركة الأخيرة؛ هو تنقية الصف ـ الفكري ـ ممن دأبوا على خلط الأوراق وبلغت خصوماتهم السياسية مع بعض التيارات إلى تناسي في أي صف تقف المقاومة ، حتى باتوا شبه أبواق للدعاية الصهيونية، في قضية لا يُوصف الحياد فيها بغير الخيانة.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صلاح عامر، "المقاومة الشعبية المسلحة في ضوء القانون الدولي / رسالة دكتوراه"، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998، ص 40 ـ41.
  • رشيد حمد العنزي، "المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي"، دراسة منشورة في مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، ع 58، أكتوبر 2015.
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحثة مصرية في شؤون الصراع العربي- الصهيوني والقضية الفلسطينية، حاصلة على ليسانس الإعلام من جامعة الأزهر بالقاهرة، كاتبة ومحررة في عدد من المواقع العربية

شاهد أيضاً

إنها كرامة لا يعرفها إلا الشهيد!

يخطئ من يظن أن المجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة؛ ستثني المقاومين والمجاهدين …