الذين آمنوا والذين كفروا … سورة محمد

الرئيسية » بأقلامكم » الذين آمنوا والذين كفروا … سورة محمد
مقاصد-سورة-محمد-1280x720

سورة محمد تسمى سورة القتال، ولعل هذا الاسم يشير إلى المحور الرئيسي لموضوع السورة وهو الصراع بين أهل الحق وتسميهم السورة "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وأهل الباطل وتسميهم السورة "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ".

وتعرض السورة في أوّلها، صورتين متقابلتين للكافرين والمؤمنين فالآية الأولى: "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ" والآية الثانية:" وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ".

" فالذين كفروا" يقابلها "الذين آمنوا" وقوله "وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" يقابلها "وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" وقوله "أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ" يقابلها "كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ".

وانظر كيف أن الأعمال الصالحة مع الكفر ضاعت وذهب أجرها، والأعمال السيئة مع الإيمان كُفّرت وذهب وزرها، فالإيمان هو القاعدة الصحيحة التي يُـبنى عليها قبول الأعمال.

وزادت الآية الثانية للمؤمنين قوله تعالى "وأصلح بالهم"، وجاء في معناها في أقوال المفسرين أصلح حالهم أو شأنهم أو أمورهم فيما يتعلق بصلاح دنياهم، وقيل البال محله القلب: أي أصلح قلوبهم ونياتهم.

وتؤكد الآيات في سورة محمد حتمية الصراع بين المؤمنين والكافرين، والذي سينتهي بقتال بعضهم بعضا ويدل على ذلك قوله تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا".

والله قادر أن ينصر جنده المؤمنين بغير حرب ولا قتال، ولكن لتتحقق سنة الابتلاء التي أرادها الله ليعلم صدق المؤمنين ويتخذ منهم شهداء "ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ".

فماذا سينتظر أولئك الشهداء الذين اصطفاهم الله لنصرة دينه والموت في سبيله "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ".

وتكررت هنا مرة أخرى "وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ"، فأما الأولى فكانت قبل القتل والشهادة أي في الدنيا وأما الثانية هذه فهي بعد القتل والشهادة أي في الآخرة، والمعنى أن من جاهد في سبيل الله كان جزاءً من الله له أن يصلح باله في الدنيا والأخرة.

ويأتي السؤال عن أسباب الصراع بين المؤمنين والكافرين؟ فتجيب عن ذلك الآية الكريمة: "ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ".

فالكفار أهل باطل والمؤمنون أهل حق، وأهل الإيمان يدافعون عن حقهم وينصرونه وأهل الكفر يصدون عن هذا الحق الذي هو سبيل الله كما وصفته مطلع السورة، وهذه العلة التي شرع الله من أجلها قتالهم وجهادهم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، ويقفون سدّا منيعا أمام هدايتهم لطريق الحق.

ومنذ مطلع السورة قرن الله كفر الكافرين بصدهم عن سبيل الله: "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" فهم لم يكتفوا بكفرهم بل أتبعوا ذلك بالصد عن سبيل الله وحرب دينه والكيد له فصار لزاماً على المؤمنين أن يتصدوا لهم ويردوا كيدهم.

ولما كان الاختلاف بين المؤمنين والكافرين في الطريق والمنهج، كان الاختلاف كذلك في العاقبة والمصير، فالذين آمنوا ينتهي طريقهم إلى نصر وتمكين في الدنيا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" وأما الذين كفروا فلهم التعاسة والشقاء وسيضل الله أعمالهم فلا تحقق غايتها: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ".

وأما في الآخرة فالذين آمنوا إلى جنات تجري من تحتها الأنهار: "إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" وأما الذين كفروا فمثواهم النار وبئس المصير:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ".

ثم جاء الكلام عن المنافقين في السورة:

• فهم يجلسون في مجلس النبي ويستمعون لحديثه حتى إذا خرجوا من عنده، شكّكوا أهل العلم والإيمان فيما سمعوا: "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ".

لكن أهل الهدى والذين تمكّـن الإيمان في قلوبهم لا يستمعون إليهم ولا يترددون في ايمانهم بل يزدادون هدى: "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ".

ويأمر الله نبيه ومن آمن معه أن يكون علْمهم علْم يقين بالله فيقول: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ".

• وهم أي المنافقون، إذا نزلت سورة محكمة وكان أمر القتال فيها واضحا، رأيت الخوف والرعب يملأ عيونهم وقلوبهم: "فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ".

وكان أولى لهم لو سمعوا وأطاعوا وصدقوا الله في إيمانهم وجهادهم: "فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ".

• وهم أي المنافقون ارتدّوا على أدبارهم فأبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان، ولم يُوفّقوا إلى الهدى من بعد ما تبيّن لهم، وسوّل الشيطان لهم فزيّن أعمالهم، ثم هم يقولون للكافرين "سنطيعكم في بعض الأمر" أي: سنطيعكم على حرب الدين والكفر بالله ومخالفة رسوله.

• وأنهم يتبعون ما أسخط الله ويكرهون أمره حين نزل بقتال الكفار:" ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ".

• وهم يحسبون أنهم لن ينكشف أمرهم، ومثل أولئك المنافقين يفضحهم الله ويكشف أسرارهم، فمنهم من يُعرف بلحن أقوالهم وردود أفعالهم:" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ "

ولأنّ المنافقين يميلون ذات اليمين وذات الشمال بين المؤمنين والكافرين، وجب الحذر منهم ولكن الله لهم بالمرصاد كما قال في الأيات يعلم أعمالهم وسيحبط أعمالهم.

وتأمل كم مرة تكرّر اقتران الكفر بالصدّ عن سبيل الله في أكثر من موضع في السورة، ففي أول آية منها "لَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ".

وقوله أيضا: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ".

وأيضا "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ".

وكل هذه الآيات تؤكد حرص الكافرين على الصد عن سبيل الله ومحاربة دينه وقتال أوليائه ولكنّها في المقابل تؤكد أن أعمالهم إلى ضلال "أضل أعمالهم"، وكيدهم إلى حبوط "وأحبط أعمالهم" ولا ينالون مغفرة الله ورحمته: "فلن يغفر الله لهم ".

فماذا على المؤمنين من واجب تجاه كيد هؤلاء الكفار وصدّهم عن سبيل الله ليتحقق لهم النصر عليهم:

• الإيمان الصادق وطاعة الله ورسوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ".

• الاستعلاء بالإيمان واليقين بنصر الله وعدم استجداء الكافرين أوالخنوع لهم: "فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ".

• عدم الاغترار بالحياة الدنيا وزينتها وإيثارها على الإيمان والتقوى: "إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ".

• بذل الأنفس والأموال لنصرة الدين: "هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ".

وتُختم السورة بهذا التهديد العجيب، فيا أيها المؤمنون، إن لم تكونوا أهلاً لحمل الأمانة والقيام بواجبكم في نصرة هذا الدين، فسوف يستبدلكم الله ويأتي بآخرين يكونون أهلا لذلك: "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ".
هذا والله أعلم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الإعراض والاستجابة …. في سورة الأحقاف

منذ أن تقرأ فواتح سورة الأحقاف.... تجد عرْضا مُفحماً للحجج والبراهين التي تؤكد صفات الربوبية …