القضية الفلسطينية وأفق سلاح المقاومة.. تحديات مرحلة ما بعد “سيف القدس”

الرئيسية » بصائر الفكر » القضية الفلسطينية وأفق سلاح المقاومة.. تحديات مرحلة ما بعد “سيف القدس”
أَنْفاق-المُقاوَمَة-الفلسطينية-وتأثيرها-على-الاحتلال-الإسرائيلي

ليس من قبيل المُبالَغة القول بأنَّ جولة التصعيد الأخيرة بين فصائل المقاومة في قطاع غزة، وبين الكيان الصهيوني، والتي عُرِفَت بـ"سيف القدس"، هي أهم جولات التصعيد العسكري بين الطرفَيْن منذ جولة العام 2008/2009م التي أعقبت سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة.

ويعود ذلك إلى الأثر السياسي العميق الذي تركته وسوف تتركه خلال السنوات المقبلة، على الأقل خلال فترة الإدارة الأولى الحالية للرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، وسوف تستمر على الأرجح إلى ما فاز بجولةٍ رئاسيةٍ ثانيةٍ.

وهنا لابد من التأكيد على بعض الأمور المهم وضعها في الحسبان عند تقييم الحدث، أي حدثٍ، بالذات في الأمور الجَلل التي تمس مصائر الأمم والمجتمعات والقضايا الكبرى، والتي بلا شكَّ أنَّه لا يوجد أي خلافٍ على مركزيتها في حالتنا النقاشية هنا، وهي قضية فلسطين، بكل ما تحتويه من أمورٍ دينية وسياسية واجتماعية وإنسانية، وعلى رأسها القدس، وحصار أكثر من مليونَيْ إنسان في قطاع غزة.

الأمر الأول، أنَّ تقييم الأحداث بمثل هذه الخطورة والأثر، لابد مِن تقديم الاعتبارات الموضوعية على كلِّ ما عداها، وهو أمرٌ مُسَلَّمٌ به منذ عهد الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" نفسه، والذي أمدَّهُ ربُّه بآلافٍ من الملائكة مردفين في غزواته التي كانت تمثِّل مراحل فارقةً في صراع الحقِّ والباطل.

لكن، لم يركَن النبي "عليه الصلاة والسلام" إلى السَّندِ الإلهي المباشِر فقط، وإنَّما أخذ بكُلِّ الأسباب المتاحة ، فقام – على سبيل المثال – بحَفَر الخندق، وعقد التحالفات، وإرسال البعوث لدعوة الناس في المناطق المحيطة بشبه الجزيرة العربية.

في المقابل؛ لم يقدِّم الخالق عزَّ وجلَّ المعينات التي تنهي الأمور في غمضةِ عينٍ؛ بل جعل المسلمين الأوائل، ونبيه "عليه الصلاة والسلام"، يتعرَّضون للخيانات والخذلان والتآمر والقتل، وكل صور الصراع والتدافع الإنساني، وما كان الدعم الإلهي إلا لتثبيت الإيمان واليقين لدى جماعة المسلمين الأوائل.

يقول تعالى في سُورَة "الأنفال": {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)}.

والاعتبارات الموضوعية في التقييم في مجال العلوم السياسية والاجتماعية، هي صنو قضية الأسباب والتي يُعتبر الأخذ بها مِن الإيمان بربِّ الأسبابِ، في عقيدتنا.

الأمر الثاني – وهو منبعث من الأوَّل – هو أنَّ الحدث الإنساني – أيًّا كان؛ سياسيًّا أو اجتماعيًّا – لا يتمُّ بمعزلٍ عن بيئته، ولذلك؛ مِن المستحيل أنْ نقف في التحليل السياسي والاجتماعي، أمام ما يُطلَقُ عليه مجازًا مصطلح "الحَدَث الفردي".

فلا يوجد بالمطلق، لا في العلوم البحتة (مثل المنطق والرياضيات البحتة)، أو العلوم الطبيعية (مثل الفيزياء)، أو في العلوم الاجتماعية، بما فيها العلوم السياسية، حَدَثٌ فرديٌّ؛ حيث الحَدَث هو عبارة عن أمرٍ أو فِعْلٍ وَقَع نتيجة تأثير عاملٍ على عاملٍ آخر، وحتى الجسم الذي في حالة سكون؛ يكون كذلك – فيزيائيًّا – لأنَّ هناك تأثيرات متعادِلةٍ لعواملَ متعددةٍ عليه، تجعله في وضع السكون، ولو اختل أثر أحد هذه العوامل؛ لتحرَّك الجسم.

ولذلك؛ فإنَّ أي تخطيطٍ آنيٍّ أو مستقبليٍّ، لا يجب أنْ يتمَّ بمعزلٍ عن البيئة والعوامل القائمة، أو المستقبلية من خلال آليات الاستشراف المستقبلي السليم.

ولكن قبل الاستطراد – لأنَّ هناك بعض ضِعَاف العقول يتصوَّرون أنَّ هذه المنهجية هي أداة خبيثة لنزع فرحتهم، أو التشكيك فيما يرونه انتصارًا متحققًا – فإنَّه ينبغي التأكيد على أنَّ التقييم الموضوعي، الذي يأخذ في ناظرَيْه حسابات المكسب والخسارة المادية والسياسية وغير ذلك؛ لا يمنع من الجوانب الاحتفالية.

وهذا حتى له جانبه الموضوعي المطلوب، فمثل هذه المواقف، تؤكد على صمود الجبهة الداخلية الفلسطينية في مواجهة محاولات تمييع القضية، ولتثبيت أقدام المجاهدين، سواء الواقفين خلف السلاح، أو المجاهدين بصمودهم على الأرض، في مواجهة محاولات اقتلاعهم وتغيير هوية المكان.

وهو كذلك أمرٌ مطلوبٌ لإغاظة الأعداء.. يقول تعالى في سُورَة "التَّوْبَة": {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)}.

لكن – في المقابل – مِن المحرَّم شرعًا أنْ يطغى هذا الجانب على اعتبارات النظر الموضوعي، لأنَّ غَلَبَة الحماسة العمياء لو صحَّ التعبير، سوف يقود – وفق القوانين التي وضعها اللهُ تعالى في خلقه وعمرانه، والتي لا تحابي المسلمين؛ بل إنَّ المسلمين كأُمَّة تكليف مخاطبون بها أكثر من غيرها – سوف يقود إلى إضاعة الحقوق والأرواح والدماء، وبذل الجهد عبثًا، وهو ما نهى عنه القرآن الكريم بوضوح، ولا نجده في مرجعنا التطبيقي الأول، وهو سيرة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

والحديث السابق ليس من نافل القول، وهو صُلب الهدف الأساسي الذي نريد إيصاله من خلال هذا الموضِع من الكلام؛ حيث إنَّ جولة التصعيد الأخيرة، مسَّت الكثير مِن جوانب الأمن القومي الصهيوني بما لم تحققه الجولات السابقة، وبالتالي؛ يجب فهم أمرٍ مهمٍّ، وهو – وهذا أمرٌ موجودٌ في العلوم العسكرية – ينقل المواجهة إلى خانةٍ أخرى، تتطلب من الخصوم آليات أخرى للتعامل مع الموقف.

إنَّ جولة التصعيد الأخيرة، مسَّت الكثير مِن جوانب الأمن القومي الصهيوني بما لم تحققه الجولات السابقة

وهذا حتى خبرته الفصائل الفلسطينية في السنوات ما بين جولة الصراع في 2014م، والجولة الأخيرة، ونجده في تصريحات القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة؛ حيث إنّ لرئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، تصريحات سابقة تحدَّث فيها عن استراتيجية "الرد المتناسب" أو "الرد المرِن"، في التعامل مع الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة في السنوات الماضية، بينما هذه المرَّة تكلَّم بصيغةٍ أخرى مختلفة تمامًا، تتحدث عن أنَّ الردَّ في المرَّة المقبلة؛ لن يكون وفق هذه الاستراتيجية، وهو ما يُعرَف في العلوم العسكرية باستراتيجية "الرد الخشن" أو "الرد الصُّلب".

فالموقف هذه المرَّة – بالنسبة للصهاينة وداعميهم في الغرب – مسَّ صميم وجود الكيان الصهيوني، فهو ارتبط بجوهر المشروع الاستيطاني في فلسطين، سواء في إظهار الفواصل بين مكونات المجتمع "الإسرائيلي" – هنا لابد من ذكر هذا الاسم للضرورة الموضوعية – بين عربٍ ويهودٍ، وكذلك عطَّل خططًا مهمةً في القدس، سواء في الحرم أو في الشيخ جرَّاح.

كذلك في الجولة الأخيرة، تم غلْق المجال الجوي لأكبر مطارات الكيان في الوسط والجنوب، وأصابت بعض الصواريخ مكامن الغاز في شرق المتوسط، وهاتان الأخيرتان، بالفعل أثارتا جنون الصهاينة، بأكثر حتى من قصف تل أبيب، برغم أنَّها عاصمة الكيان.

لذلك تقييم الوضع الآن مختلف، والأمريكيون في ظل إدارة بايدن لن يسمحوا بتكرار هكذا أوضاع، وهذا لا يعني ضغطًا على غزة و"حماس" فقط، وإنما على الكيان الصهيوني كذلك.

ويمكن فهم ذلك مِن موقفَيْن. الأول، التحرُّك المصري المحموم لتثبيت وقف إطلاق النار حتى لو لم تتوقف اعتداءات المستوطنين في القدس، لأنَّ الموقف الصهيوني معلنٌ بوضوحٍ هذه المرَّة. في الجولة المقبلة؛ لن يكون هناك اجتياح بريٌّ –يخشاه الصهاينة كثيرًا– وإنما تدميرٌ كامل لقطاع غزة. هذا قاله نتنياهو بوضوح في مؤتمره الصحفي مع سفراء 70 دولةٍ لدى الكيان قبل وقف العدوان بيومَيْن.

المصريون يتحركون من منطلقات أمن قومي معقدة، منها أنَّ أيَّ حربٍ شاملةٍ بهذا الحجم الذي هدد به الكيان الصهيوني، سوف يعني موجة نزوح كبرى من القطاع إلى شمال سيناء، وهو أمرٌ بالمطلق مرفوضٌ في القيادة العامة للقوات المسلحة، وهي التي فرضت الكثير من الترتيبات الأمنية والسياسية في الجولة الأخيرة على الأجهزة الأخرى العاملة على هذا الملف، من أجل وقف أيِّ احتمالٍ لاجتياح بريِّ صهيوني للقطاع، لتفادي ذلك الوضع.

الموقف الثاني، قادمٌ من الولايات المتحدة. مبدئياً؛ فإنَّه، ومِن خلال تصريحاته، وسلوك إدارته في الأشهر الخمس الأولى من ولايته الرئاسية، فإنَّ الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن أتى بأجندة سياسات خارجية تستند إلى مبدأ إنهاء الصراعات المسلحة بأية صورة.

ولذلك يمكن فهم قراره بالاستمرار في سياسات سلفه الجمهوري ترامب، بالانسحاب من أفغانستان، ومن العراق، وإعادة انتشار قواته في شمال سوريا – دعمًا للأكراد بالأساس – ودعم العملية السياسية في ليبيا، والضغط على إثيوبيا بعدم التصعيد مع مصر في ملف سد النهضة بما قد يستوجب إعلان حربٍ مصري سوداني في القرن الإفريقي.

بنفس المنطق، فإنَّ إدارة بايدن لن تسمح بتكرار أي تصعيد، وسوف تكون على الفور ضد الطرف البادئ، مع ضرورة التأكيد على أنَّ هناك مساعٍ أمريكية للضغط على الصهاينة لوقف عمليات التهجير في الشيخ جرَّاح ولجم الجمعيات الاستيطانية عن الانتهاكات في القدس، والأخيرة ترفض الحكومة الصهيونية الاستجابة لها بالقطع، بينما تعاونت بشكل مؤقت في الأولى، عندما أجَّلت محكمة صهيونية البت في قضايا الإخلاء في الشيخ جرَّاح.

هذا يعني أن الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، لن يكون بمقدورها العمل بنفس الوتيرة السابقة.

يشبه الوضع ما تم في لبنان بعد حرب تموز 2006م؛ حيث لم يستطِع "حزب الله" من وقتها إطلاق صواريخ أو شنِّ أي عملٍ عسكريٍّ ضد الكيان الصهيوني، برغم التصعيد الحاصل في سوريا بين الكيان وبين إيران وحلفائها هناك، وبرغم العدوان الصهيوني المتكرر على غزة في السنوات الماضية.

فاق الدمار في غزة هذه المرَّة – برغم تراجع أعداد الشهداء مقارنةً مع جولات حرب سابقة – كل الجولات الماضية؛ حيث تم – على سبيل المثال - تدمير أكثر من ألفَيْ منزلٍ، و50 بالمائة من شبكة المياه في القطاع، وهي جريمة حرب بالقطْع، ولكن المجرم لن يُعاقَب بها ما دام المجتمع الدولي لا يزال يرى الكيان الصهيوني في خطرٍ وجوديٍّ دائمٍ.

ولذلك؛ فإنَّه في هذه المرَّة بنسبة يقينٍ كبيرةٍ، سوف يتم إقرار ترتيبات أكثر صرامةٍ من كل الأطراف الفاعلة في ملف غزة، لعدم تكرار إطلاق الصواريخ من غزة تحت أيِّ بندٍ.

وبكلِّ تأكيدٍ؛ يجب أنْ تفرض هذه الأوضاع على "حماس" والفصائل في غزة، تطوير نظرتهم للموقف، وبالتالي، تطوير آليات التعامل معه.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّه بشكل موضوعيٍّ بحتٍ، ومن باب النصيحة المخلِصة؛ لا نقف في تصريحات ومواقف قادة "حماس" في الداخل والخارج بعد العدوان الأخير، ما يفيد بوجود أيَّة نيَّةٍ لتعديل النظرة التقليدية للتعامل مع الموقف كما نرى في كُلِّ مرَّةٍ.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

نظرية “العجز المُتعلَّم” ودورها في ترويض الشعوب (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في …