تحركات عرب الداخل خلال عدوان غزة واتساع جبهة المُهَدِّدات أمام الصَّهاينة

الرئيسية » بصائر من واقعنا » تحركات عرب الداخل خلال عدوان غزة واتساع جبهة المُهَدِّدات أمام الصَّهاينة
20210512120200

انتهى العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وكان له الكثير من الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبدأت بالفعل جهود إعادة الإعمار، بقيادة وتمويل من مصر، وتمويل وإسناد سياسي من الكثير من الأطراف الإقليمية، مثل قطر، وبإشراف ومتابعة أمريكيَّيْن.

وأهم عنوان من عناوين المرحلة التي تلت العدوان، وتبرُز مِن تحركات الأطراف الإقليمية والدولية، هي ترتيب الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وفي القضايا العالقة مع الكيان الصهيوني، بصورةٍ تخلق واقعًا سياسيًّا جديدًا، يضمن عدم تكرار الحرب مرَّةً أخرى، وغلق الملفات التي تسبِّب صداعًا للكثيرين، ولو بصورةٍ مؤقتةٍ ولكن تأقيتًا طويل المدى.

ويتضمن ذلك معالجة ملف الانقسام الفلسطيني، وإجراء الانتخابات الفلسطينية، مِن أجل نزع مبرر الصهاينة في نقطة رفض استئناف محادثات التسوية مع الفلسطينيين على أرضية حلِّ الدولتَيْن، باعتبار أنَّه لا يوجد طرفٌ فلسطيني يمكن التفاوض معه، وكأن "أوسلو" قد نجحت!.

ولكن من أكبر الأخطاء الحاصلة في التناول الإعلامي والسياسي للعدوان، هو الانتقال السريع لمرحلة ما بعد العدوان، وتجاوز بعض القضايا والأمور التي هي على أكبر قدرٍ مِن الأهمية، ولا ينبغي تجاوزها لما كشفت عنه – أولاً – من حقائق، وثانيًا، أفرزته من نتائج.

ولعلَّ أهمَّ هذه الملفات، اشتعال الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948م، خلال أيام العدوان.

وهنا نعود بالزمن إلى بعض العناوين الإعلامية والتصريحات السياسية في الكيان الصهيوني التي خرجت وقت العدوان.

فمن بين عناوين الهآرتس، "نتنياهو يقود إسرائيل إلى حربٍ أهلية"، وهناك تصريحٌ للرئيس الصهيوني الذي انتهت ولايته منذ بضعة أيام، رؤوفين ريفلين، قال فيها: "نتعرض لخطر الصواريخ (...) ونشغل أنفسنا بحرب أهلية لا معنى لها".

أما وزير الدفاع بيني جانتس، فقد قال: "هذا هو الوقت المناسب لتهدئة المنطقة والقيام بأنشطة توعية بين اليهود والعرب حتى لا ننجر إلى حرب أهلية"..

هذه العناوين والتصريحات، تُعبِّر بدِقَّةٍ كبيرةٍ عن حجم الأزمة الداخلية التي يعيشها الكيان الصهيوني في جولة التصعيد الحالية.

جولة الحرب الأخيرة، شهدت الكثير مِن المكاسب الحقيقية، المهمة، والتي من بينها تفنيد الكثير مِن أصنام الأوهام التي سعت دوائر الصهيونية إلى تكريسها وترسيخها في وجدان الرأي العام العربي والعالمي، عن المشهد الفلسطيني الداخلي.

فكان أنْ كسرت المقاومة الفلسطينية حاجز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وصارت صواريخ حركتَيْ "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وبعض الأذرع المسلحة التابعة لحركة "فتح" وبعض الفصائل، تنطلق من غزة لحماية المرابطين في القدس، واستجابةً لتطورات الأحوال الميدانية في الأرض المباركة.

وهذا رُبَّما يؤكِّد أن الانقسام الحاصل ليس فلسطينيًّا، وإنما هو سياسيٌّ، أمَّا عندما تتعرَّض منطلقات القضية الفلسطينية الأساسية، والمقدسات؛ فإنَّه لا مجال لوجود الانقسام، ولا يستطيع أيُّ طرفٍ صاحب أجندةٍ مختلفة عن رسالة المقاومة، أنْ يُطبِّق قواعد الانقسام المُعَطِّلة.

ثم جاء التطور الأهم الذي تُعَبِّر عنه الكلمات والعبارات التي بدأنا بها هذا الموضع من الحديث. دخول عرب الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948م، على خط النار.

وعبارة "خط النار" هنا، حرفية؛ حيث إنَّ الاضطرابات الواسعة التي بدأتها أوساط كثيرة من عرب 48 في مدن الداخل المحتل، لم تقف عند مستوى تكسير السيارات وحرق الإطارات، أو الاصطدام بقطعان المستوطنين، وإنَّما ظهرت – كذلك – في الصورة، أسلحةٌ ناريةٌ.

وكان ذلك الحدث الذي جرى في الُّلد بالتحديد، هو النقطة الحَدَثِيَّة التي دفعت الإعلام الصهيوني والمسؤولين هناك إلى الإتيان على ذكر مصطلح الحرب الأهلية.

وتخبرنا بعض تقارير وسائل الإعلام ذات المصداقية، وكذلك صفحات ومنصات تابعة لفلسطينيي الداخل، أنَّ الأمرَ جَدُّ خطيرٍ، وليس الأمر مجرد فورةٍ عابرةٍ؛ حيث إنَّه – أولاً – لا تبدو الاحتجاجات عفوية؛ حيث هناك حالةٌ من التنظيم في تحركات دوائر من الجمهور العربي.

وثانيًا، الاحتجاجات الحالية التي تزعزع أمن الكيان الصهيوني ليست قاصرةً على مدينةٍ دون أخرى؛ حيث تشهد مدن كثيرة في فلسطين المحتلة اضطرابات واسعة، منها الرملة وأم الفحم، وغيرها من مناطق الكثافات العربية في الداخل.

ويمكن من خلال ردة فعل المؤسسات الأمنية والعسكرية الصهيونية أنْ نقرأ حقيقة الموقف في الداخل.

أولاً؛ فبالرغم من أنَّ وزير الدفاع بيني جانتس، رفض إرسال قوات عسكرية إلى المدن الساخنة، على خلاف رغبة رئيس الحكومة المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو؛ لأنَّ ذلك أكثر خطورة، ويحتاج إلى تشريعات إضافية من الكنيست المُعَطَّل أصلاً؛ إلا أنَّ رئاسة أركان جيش الاحتلال قامت باستدعاء تسعة آلاف من جنود الاحتياط على خلفية ما يجري في الداخل المحتلة عام 1948م، وتحسُّبًا لعملية برية في غزة.

الأمر الآخر، أنَّه قد تم استنفار عناصر من قوات حرس الحدود، وهي واحدةٌ من التشكيلات العسكرية الصهيونية التي تعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، وبالذات في القدس المحتلة، ولها مهام تأمين أوسع من مصطلح "قوات حرس الحدود" التي تعرفها القوات المسلحة في الدول الأخرى.

هذا عن صعوبة الوضع الميداني في شوارع المدن والنقاط الساخنة، أما عن نقطة أنها احتجاجات مُنَظَّمة وليست بالعفوية؛ فإنَّها تبدو شديدة الوضوح في البيان الذي صدر عن جهاز الأمن العام الصهيوني (الشاباك)، يوم الجمعة 14 مايو الجاري، والذي أعلن فيه الاستنفار العام لكافة عناصره في مدن فلسطين المحتلة، من أجل الحيلولة دون تمكين ما أسماه بـ"المشاغبين العنيفين بزرع الإرهاب في شوارع إسرائيل".

مستوى اتساع بؤر الخطر في الداخل، يبدو من أمرَيْن في بيان "الشاباك"؛ حيث إنه، وخلافًا لنشر قوات حرس الحدود في مدنٍ معينةٍ في الخط الأخطر؛ فإنَّ الشاباك" أعلن استنفار عناصره في "كامل مدن إسرائيل".

وأيضًا، وضع "الشاباك" كلاًّ من اليهود والعناصر العربية في مجال الرصد والتتبع، وهو ما يعني أنَّ تصعيد الفوضى والعنف، ليس حالةً عَرَضِيَّةً قاصرةً على المجتمع العربي تبعًا لما يجري في الشيخ جرَّاح والقدس، وفي قطاع غزة، وإنما هناك حالة احتقان شعبي حاصلة تتراكم منذ فترةٍ طويلةٍ، وأخذت مجالها للظهور بفعل الأحداث الراهنة.

وكانت المحصلة، حوالي 2500 معتقل، واغتيال بعض النشطاء في أم الفحم ومدن المثلث العربي، وكانت البداية في اليوم التالي مباشرةً لوقف إطلاق النار؛ حيث تم اغتيال الناشط محمد زياد إغبارية، ونحو عشرةٍ آخرين مِن عرب الداخل، على أيدي مجهولين.

هذه الإجراءات، بالرغم مِن أنَّها ساهمت في تهدئة الأحوال الداخلية في الكيان الصهيوني، ولو من على السطح، مع توقُّف الحرب؛ فإنَّها تقول بأنَّ الكيان الصهيوني في مأزقٍ كبيرٍ.

خاصةً أنَّه لا يمكن عزل ما يجري عما بات حدثًا يوميًّا على الجبهة السورية، ولا عن حرب الناقلات التي لم تعُد خفية بين تل أبيب وطهران في منطقة ممتدة من بحر العرب والخليج العربي وحتى البحر المتوسط أمام سواحل فلسطين وسوريا ولبنان، ولا عن الصاروخ "الشارد" الذي سقط بالقرب من "ديمونة" قبل أيامٍ قليلةٍ مِن الحرب الأخيرة، ولا عن حالة التعبئة المنهكِة اقتصاديًّا للكيان المُرهَق من الأصل بسبب جائحة كورونا.

ويبدو هذا المأزق الصهيوني واضحًا في أنَّه، وللمرَّة الأولى ينتقل الخلاف بين المستوى الأمني والعسكري وبين المستوى السياسي في تقييم الأمور وكيفية التعامل معها، من مساحة "الخلاف في جهات النظر" إلى مساحة أزمة خلاف حقيقية في عملية صناعة القرار؛ فقيادات جيش الاحتلال رفضت بدء عملية برية غير مأمونة العواقب في المدن العربية في الداخل، وفي قطاع غزة.

وهو – وهذا الأمر الخطير بالفعل بالنسبة للصهاينة – يعني انعكاس الأزمة السياسية المزمنة التي تواجهها الدولة العبرية، على أداء المؤسسات، وهذا في حالة دولة مثل الكيان الصهيوني، تعيش دائمًا أوضاعًا غير مستقرة وتواجه تهديداتٍ وجودية؛ لأنَّها دولةٌ دُخلاء؛ فإنَّ هذا الوضع يمثل تهديدًا حقيقيًّا لأمنها القومي.

وهذا ما يفرض على جميع الأطراف المعنية بالقضية الفلسطينية، في داخل وخارج فلسطين، العمل على استغلاله وتعظيمه، وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب، وعلى رأس ذلك تعظيم حالة المقاومة الشعبية، الميدانية والإعلامية المتصاعدة الآن، والتي فوجئ الصهاينة ومُريديهم بالفعل مِن مستواها في المجتمعات العربية والمسلمة بعد أنْ ظنَّ الجميع أنَّ الشعوب وحسِّها القومي والديني قد مات.

ولكن شاء اللهُ تعالى أنْ تتزامن الجولة الحالية من التصعيد، مع شهر رمضان، بحيث صارت المشاعر الدينية حاضرة بقوة في ردة فعل الجمهور العام.

ولا ينبغي هنا التقليل من النشاط الحاصل على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث إنَّه – بأبسط تقدير – لو كان هذا النشاط غير فعَّال، ما اهتمَّ الصهاينة وداعميهم في الشركات التي تملك هذه المنصات بمتابعة الصفحات والمجموعات والحسابات الشخصية النشيطة، وحظرها.

إنَّ هذا من صُلب المقاومة الشعبية الفعَّالة، فهو يعمل على الحشد والضغط في المناطق الساخنة، خاصة في الحرم القدسي، وعلى دعم وإسناد المجاهدين في القدس والضفة وغزة وفي فلسطين المحتلة عام 1948م، والضغط على الحكومات لأخذ مواقف أكثر إيجابية.

ويبقى هنا الإشارة إلى عبارةٍ مهمَّةٍ جاءت في بيان الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، عن أحداث القدس والشيخ جرَّاح قبل بدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة؛ حيث شَمَلت الجبهة التي استنهضها، "طلبة وخريجي الأزهر"، وهؤلاء بعشرات الملايين حول العالم، ومجرد تحرُّكهم حيث هم؛ يعني الكثير من الأمور والتفاعلات.

ومِن ثَمَّ؛ فإنَّه لا ينبغي التقليل أبدًا من أيِّ جهد إعلاميٍّ، بل على العكس؛ ينبغي تفعيل المزيد منه، في ظل أنَّ المستوطنين وجمعيات اليمين الصهيونية لا تنوي التهدئة بحالٍ، وهناك دعوات كثيرة لاقتحام الحرم القدسي، والاستيلاء بالقوة على منازل الفلسطينيين في الشيخ جراح.

وهنا لا ننسى، أنَّ جانبًا كبيرًا مما دفع المحكمة الصهيونية لتأجيل البَت في الدعوات التي أقامتها بعض الجمعيات الصهيونية للاستيلاء على منازل الفلسطينيين في الشيخ جرَّاح، جاء بسبب الضغوط الشعبية على المنصات الإعلامية، ونجم عنها إسناد أهالي الحي، وحشد الناس مِن كُلِّ حَدَبٍ وصوبٍ لدعمهم.

وفي الأخير؛ فإنَّ هناك ضرورةٌ لأنْ يوضع في الاعتبار، أنَّ هناك حكومةً جديدةً قادمةً في الكيان الصهيوني، تم تشكيلها على وقع أزمة الحرب، وعلى عَجَلٍ لمجرَّد الإطاحة بنتنياهو، وقد يكون لهشاشة تشكيلها، دورٌ كبيرٌ في إعادة توجيه الحدث الإقليمي، ولكن لهذا موضعٍ آخر من الحديث.

لكن من المهم الإشارة هنا إلى أنَّه كان لربما لهذه الأحوال التي كشفت عنها الحرب فيما يخص واقع فلسطيني الداخل، دورٌ كبيرٌ في قبول منصور عباس، زعيم الجناح الجنوبي من الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948م، في تشكيلها، كسابقةٍ هي الأولى من نوعها، لتهدئة الخواطر، وإعادة تشكيل تفكير المجتمع العربي، وهو ما ينبغي أخذ جانب الحذر منه في الفترة المقبلة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب ومحاكم التفتيش

تلك محاكم تفتيش حقيقية، مثل سابقتها في مأساة الأندلس القديمة. فلم يأتوا بالشيخ يعقوب ليسألوه …