فتح الدعوة ….. سورة الفتح

الرئيسية » بأقلامكم » فتح الدعوة ….. سورة الفتح
2634625931_a580f669d0

تزفّ الأيات في أول سورة الفتح البشارة للنبي والمؤمنين بالنصر العظيم والفتح المبين، "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا".

وكم كانت فرحة النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة بهذا الفتح المبين، ولنستمع إليه وهو صلى الله عليه وسلم يعبّر عن فرحته بنزول هذه السورة، في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطاب قال:" لقد أُنزِلَتْ عليَّ الليلةَ سورةٌ لهي أحَبُّ إليُّ مما طلعت عليه الشمسُ" وكيف لا يفرح بها صلى الله عليه وسلم وقد قال الله له فيها: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا". فقد جمع الله لنبيه فيها تمام المغفرة وتمام النعمة، والهداية المستقيمة والنصر العزيز. فأيّ فضلٍ أعظم من ذلك؟

والفتح المقصود هنا في هذه السورة هو صلح الحديبية، وكيف يكون صلح الحديبية فتحا ونصرا، ولم يكن فيه قتال؟ نعم ... إنه كان فتحا من نوع آخر، ذلك هو فتح الدعوة .

لقد كان من حضر مع رسول الله في صلح الحديبية قرابة ألفٍ وأربعمائة رجل، فلما كان فتح مكة بعدها بعامين قدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل، فقد كانت هدنة بموجب هذا الصلح لا قتال فيها بين النبي والمشركين، توجّه النبي خلالها لنشر دعوة الاسلام في أرجاء الجزيرة ليتحقق وصف الله لنبيه في هذه السورة: "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا" و ليدخل الناس في دين الله أفواجا، فكان ذلك بحق فتحا مبينا لأمة الاسلام .

والله يمنّ على المؤمنين في هذه السورة بهذا الفتح العظيم ويصفه بأوصاف ثلاثة: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا" وقوله " وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا" وقوله في أواخر السورة: "فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا".

" فتح مبين " لأن به كان بيان الدعوة وبلوغها الآفاق، و " نصر عزيز" لآن الله أعزّ به الاسلام وأهله فقد كان فتح مكة بعده بعامين، "وفتح قريب" كي لا ييأس المؤمنون مهما طال الطريق، وكي لا يفقدوا الثقة بنصر الله مهما اشتدّت الابتلاءات والمحن، فإن نصر الله قادم لا محالة .

وأخبرت الآيات أن من ظنّ أن الله لا ينصر أولياءه فقد أساء الظن بالله، وذلك ظن المنافقين والمشركين " وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ".

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أي ظنوا – يا محمد - أن الله لن ينصرك وأهل الإيمان على أعدائك، ولن يظهر كلمتك فيجعلها العليا على كلمة الكافرين، ولذا قال تعالى في ذات السورة بعد ذلك:" بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا".

والله سبحانه لا يعجزه أن ينصر أولياءه، ويهلك أعداءه، فله جنود السماوات والأرض:" وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ".

وتؤكد السورة بأكثر من أسلوب وفي أكثر من آية بشارات النصر والتمكين لهذا الدين، منها قوله تعالى: "وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" وقوله تعالى: "وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" وقوله تعالى في آخر السورة: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا".

كما تبيّن السورة أمرين من علم الله، من سلّم فيهما لله كان له الفلاح في الدنيا والآخرة:

الأول: أن الله يعلم خبايا قلبك وسرائر نفسك:" فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ".

والثاني: أن الله يعلم ما هو أصلح لك في ما يدبّر من أمورك: "فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا".

فمن علم الله منه صدق الإيمان وصلاح النوايا ومن ثم صدْق التسليم لقضاء الله وتدبيره، فتح عليه الفتح المبين في أموره كلها .

وأما السكينة وتنزّلها فذُكرت ثلاث مرات، الأولى في رحاب الإيمان، فلا سكينة بلا إيمان، فإذا تمكّن الإيمان في قلب المؤمن، ازداد سكينة وطمأنينة:" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمانا مَعَ إيمانهِمْ ".

والثانية في مواطن الجهاد، فإن القتال فيه بأس شديد، وخوف من لقاء العدوّ، فينزل الله سكينته على المؤمنين المرابطين، لتطمئن قلوبهم وتثبت أقدامهم، ويكتب لهم النصر على أعدائهم: "فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا".

وأما الثالثة، فعند التنازع مع الكفار، حين يعتزّون بعصبيّة الجاهلية، فيقابلهم أهل الإيمان باعتزازهم بدينهم وبكلمة التقوى وحينها ينزّل الله عليهم السكينة والثبات:"إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ".

ولا يفوتك وأنت تقرأ سورة الفتح، أن تقف وقفة إجلال وإكبار لمشهد البيعة والنصرة الذي كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان، ولعل جمال وجلال هذا الموقف يأتي من وصف السورة له، حيث يبتدأ المشهد بثناء الله على من شارك في هذه البيعة، فالله شهد لهم برضوانه: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" وشهد لهم بصدق الإيمان في قلوبهم "فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ" وبثّ في نفوسهم الطمأنينة "وأنزل السكينة عليهم" وأكرمهم بنصره "وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ".

ألا ما أسعد من شهد الله له بالإيمان وأنزل عليه السكينة والرضوان، وأكرمه بدخول الجنان، فقد جاء في صحيح أبي داود، في الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ ممَن بايعَ تحتَ الشجرةِ".

ثم يأتي ختام السورة، ليربط أولها بآخرها، فأولها تحدّث عن النصر المبين، وآخرها يتحدث عن صفات مَنْ هم أهلٌ لهذا النصر، ممن آمنوا بالله ونصروا نبيّه، رحماء فيما بينهم، أشداء على الكفار، يقومون في الصلاة ركّعا وسجّدا، وعلى وجوههم علامات التقوى والصلاح، وليسوا طلاّب دنيا لا يركضون خلف جاه ولا سلطان، إنما يرجون رضوان الله ويخافون عذابه: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ".

اللهم افتح لهذه الأمة فتحاً مبيناً وانصرها نصراً عزيزاً ... اللهم آمين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

 12 نصيحة لتحفيز نفسك للدراسة عبر الإنترنت

الحافز هو ما يجعلنا نتخطى كل الصعاب، فهو القوة الخفية التي تدفعنا نحو تحقيق أهدافنا …