متى تتوحد البندقية الفلسطينية؟!

الرئيسية » حصاد الفكر » متى تتوحد البندقية الفلسطينية؟!
-595107879

صوت واحد استطاع الإطاحة بالملك "بيبي" الذي تربع على العرش لاثني عشر عاماً متواصلة وازدادوا ثلاثة من قبل ذلك، أي أنه شغل منصب رئيس الحكومة لمدة خمسة عشر عاماً، وهو ما لم يحظ به أي رئيس حكومة صهيونية من قبل، حتى "بن غوريون" نفسه، مؤسس الكيان..

أزيح "بنيامين نتنياهو" عن رئاسة الحكومة، بعد جلسة عاصفة في الكنيست، نالت فيها حكومة "نفتالي بينيت" على ثقة 60 عضواً مقابل معارضة 59، لتنهي بذلك حقبة "نتنياهو"، ليس كرئيس حكومة فحسب، بل كزعيم للتيار اليميني..

نعم طويت صفحة "نتنياهو" في سجل التاريخ الصهيوني، ولكن لم تفتح صفحة جديدة بعد، فقد كان الهدف المشترك من ائتلاف الأحزاب الثمانية هو إزاحة نتنياهو وزمرته الفاسدة عن المشهد، ولم تضع رؤية جديدة للمستقبل، أو تصوراً ما للسياسة الداخلية أو الخارجية، والتي أرى أنها لن تختلف عما كانت عليه إبان عهد نتنياهو، بل ستزداد تطرفاً وعنصرية ووحشية..

طويت صفحة "نتنياهو" في سجل التاريخ الصهيوني، ولكن لم تفتح صفحة جديدة بعد، فقد كان الهدف المشترك من ائتلاف الأحزاب الثمانية هو إزاحة نتنياهو وزمرته الفاسدة عن المشهد، ولم تضع رؤية جديدة للمستقبل، أو تصوراً ما للسياسة الداخلية أو الخارجية، والتي أرى أنها لن تختلف

لا بد أن نعترف بأن كل المغتصبين الصهاينة على أرض فلسطين الغالية عنصريون بطبيعتهم؛ يكنون الكراهية والعداء للفلسطينيين، ويريدون محوهم من الوجود، فلا فرق بين يميني ويساري ولا علماني، فكلها توزيع أدوار ليس أكثر، ولكن تتراوح درجات ذلك العداء بين المتشدد جدا والمتطرف جدا. وقد رأينا هذا واضحاً في مسيرة الأعلام الأسبوع الماضي، وكيف ارتفعت الحناجر بالموت للعرب، وعلت الهتافات بسب رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. وكانت المسيرة تضم الكبار والصغار، أي لا فرق بين أجيال قديمة وأخرى جديدة، فكلهم قد خرجوا من رحم صهيوني واحد، والأطفال الصغار، رضعوا من حليب الكراهية للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، وهذا من صلب عقيدتهم في كتبهم المزورة..

ومن نسيج هذا المجتمع العنصري الكريه خرج كل قادة الكيان الصهيوني، وآخرهم ذلك اليميني المتطرف "نفتالي بينيت"، وهو أول رئيس حكومة صهيونية يأتي من صفوف "الصهيونية الدينية". وهو مؤسس ورئيس حزب "يمينا" اليميني المتطرف، يدعو إلى بناء المزيد من المستوطنات ويرفض تماماً تجميدها، وهو من الحالمين بإسرائيل الكبرى التي تشمل كل الأراضي الفلسطينية من النهر إلى البحر، ودائما ما يخاطب جمهوره بهذه الأوهام، لذلك تجده من أشرس المعارضين لقيام دولة فلسطينية. ونظراً لعنصريته البغيضة، فهو يرفض بشدة منح فلسطينيي 48 الحقوق المدنية والسياسية التي يحصل عليها المواطنون الصهاينة..

أما مواقفه من غزة، فواضحة المعالم، فهو من أكثر قادة الأحزاب اليمينية تشدداً وصرامة تجاه المقاومة، ويدعو دائماً إلى مواجهتها عسكرياً والقضاء عليها نهائياً، ويرفض أي حلول سياسية معها. ولقد تزايدت تصريحاته الرعناء بعد المصادقة على حكومته، والتي تحمل في طياتها التهديد والوعيد وغرور القوة التي فشلت وتقهقرت أمام المقاومة في عدوان "نتنياهو" الأخير، ولكنه لم يتعلم الدرس ولم يتعظ مما حل بمعلمه، وتوعد بأنه سيستخدم طائرات "الفانتوم" ضد البالونات الحارقة، وسيرفع مستوى الردود العسكرية لإجراء تحول في المعادلة القائمة منذ عام 2018.

إذن فهو يعلن الحرب على غزة منذ أول يوم لتوليه رئاسة الحكومة. وهذا ليس مستبعداً على عنصري فاشي قتل الفلسطينيين من قبل ويفتخر بذلك العمل الإجرامي. ففي عام 2013، وقف "بينيت" مزهواً بنفسه، معلناً أنه "قتل الكثير من العرب"..

من حزبه "يمينا" المتطرف، خرج "إيغال عامير"، قاتل رئيس الوزراء الأسبق "إسحاق رابين"، لتفاوضه مع الفلسطينيين وأنه خالف التوراة حسب تعبير عامير، فيستحق القتل.

وجدير بالذكر أن عامير كان يبلغ من العمر في ذاك الوقت 25 عاماً، وهو من أصل يمني. إذن لا فرق أيضا في الصهيونية المتطرفة بين أبناء الصهاينة الذين غزوا فلسطين العربية من شتى بقاع الأرض وأقاموا فيها منذ مطلع القرن المنصرم، وبين من جاؤوها بعد ذلك من بلاد أخرى؛ عرفت روح التسامح والتعايش بين جميع الأديان كاليمن، فالصهيونية العنصرية تجري في عروقهم كسريان الماء في الوديان..

لا نعول كثيراً على اختلافهم وانشقاقهم، أو سقوط الحكومة وإجراء انتخابات جديدة أو ما إلى ذلك، فهم قد حسموا أمرهم منذ زمن بعيد، منذ أن وحدوا بندقيتهم تجاه عدو واحد هو الفلسطيني، وليس ضد أنفسهم

ورغم أن هذه الحكومة الجديدة تحمل بذور فنائها في ثناياها، لاختلاف أطيافها السياسية من أقصي اليمين إلى أقصى اليسار بالإضافة للعضو العربي "عيساوي فريج" والذي شغل منصب وزير التعاون الإقليمي، إلا أننا لا نعول كثيراً على اختلافهم وانشقاقهم، أو سقوط الحكومة وإجراء انتخابات جديدة أو ما إلى ذلك، فهم قد حسموا أمرهم منذ زمن بعيد، منذ أن وحدوا بندقيتهم تجاه عدو واحد هو الفلسطيني، وليس ضد أنفسهم..

ومن هنا يُطرح التساؤل للفلسطينيين: ماذا أعددتم لمواجهة تلك الحكومة اليمينية المتطرفة التي لم تخف عداءها لكم، ألم يحن الوقت لتوحيد بندقيتكم تجاه عدوكم؟

كان شيئاً رائعاً توحيد فصائل المقاومة، من كتائب "عز الدين القسام" (الجناح العسكري لحركة "حماس")، و"سرايا القدس" (الجناح العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي")، وكتائب "شهداء الأقصى" (الجناح العسكري لحركة "فتح")؛ بعد طول غياب، في غرفة عمليات مشتركة في العدوان الأخير على غزة، لقد أحيوا روح الجهاد في الأمة وبعثوا فينا الأمل من جديد.

لكن هل توحيد البندقية في هذه المعركة يعني توحيد الكلمة بين هذه الفصائل الفلسطينية في أجنحتها السياسية؟

الهوة كبيرة بين حركة فتح وباقي الفصائل الأخرى التي تؤمن بالمقاومة وترى أنها الطريق الأمثل والأقصر والأنجز لتحرير فلسطين، بينما حركة فتح بعد تاريخها الطويل والمشرف في النضال، تم اختطافها من عصابة تسيطر عليها وتتحكم فيها، ولا تريد أن تعترف بفشل مسارها في اتفاقية "أوسلو"

للأسف الهوة كبيرة بين حركة فتح وباقي الفصائل الأخرى التي تؤمن بالمقاومة وترى أنها الطريق الأمثل والأقصر والأنجز لتحرير فلسطين، بينما حركة فتح بعد تاريخها الطويل والمشرف في النضال، تم اختطافها من عصابة تسيطر عليها وتتحكم فيها، ولا تريد أن تعترف بفشل مسارها في اتفاقية "أوسلو" منذ ثلاثين عاماً، والتي لم يجن منها الفلسطينيون إلا احتلال المزيد من أراضي فلسطين.

فلقد حقق الكيان الصهيوني من المكاسب والغنائم في ظل ذلك السلام المزعوم، ما لم يستطع تحقيقه في حروبه الأربع، ناهيك عن إسقاطه كعدو يستلزم النضال والكفاح ضده من وثيقة منظمة التحرير، وتحويله لمجرد خصم يقتضي التفاوض معه حول طاولة واحدة، فتحولت حركة فتح من حركة مقاومة ضد العدو الصهيوني، إلى حركة للتنسيق الأمني معه، تطارد المقاومين وتعتقلهم وتبلغ عنهم قوات الأمن الصهيونية ليقتلوهم!!

توحيد البندقية يعني أيضا توحيد الرؤى الاستراتيجية للقضية الفلسطينية، كمشروع وطني جامع وإعادتها قضية تحرر وطني عمادها الأساسي هو المقاومة، وليتحقق ذلك لا بد من انتخاب قيادة وطنية ثورية جديدة تتخذ قرارات جريئة وحاسمة، أولها إلغاء اتفاقية أوسلو وما أفرز عنها من كوارث..

توحيد البندقية يعني أيضا توحيد الرؤى الاستراتيجية للقضية الفلسطينية، كمشروع وطني جامع وإعادتها قضية تحرر وطني عمادها الأساسي هو المقاومة، وليتحقق ذلك لا بد من انتخاب قيادة وطنية ثورية جديدة تتخذ قرارات جريئة وحاسمة، أولها إلغاء اتفاقية أوسلو وما أفرز عنها

لا بد من إزاحة "محمود عباس" وباقي عصابة أوسلو، بل ومحاكمتهم عما ارتكبوه من جرائم في حق الشعب الفلسطيني وضياع الحق الفلسطيني وقضايا فساد كبرى، وآخرها فضيحته في موضوع لقاح فايزر التي خصصته الشركة للسلطة (1.4 مليون لقاح كوفيد- 19) واتفاقه مع الكيان الصهيوني على أن يتم منحه هذه اللقاحات، مقابل لقاحات تنتهي صلاحيتها قريباً، ليوفر بذلك الملايين من الدولارات مكافأة له على جرائمه، قبل أن تتراجع السلطة عن الاتفاق لاحقا بعد استلام الدفعة الأولى!!

لقد بدأ التململ في قواعد فتح من هذه السلطة العميلة، وأدركت هذه القواعد أن السلطة أوصلت الفلسطينيين إلى طريق مسدود، وتصاعدت موجة من الغضب تكتسح جميع المستويات داخل حركة فتح، معظم هذه الموجة تدور خلف الكواليس وتعبر عن نفسها عبر مجموعات على الواتساب.

لقد صرح أحد الموالين لحركة فتح والذي كان ذات يوم يشغل منصباً رفيعاً فيها، لموقع "ميدل إيست آي" بعد انتصار المقاومة الأخير: "إننا كنا نسير في نفس طريق حماس، الناس في حركة فتح يشتاطون غضباً. إن ما تفعله حماس الآن هو ما فعلته فتح أثناء الانتفاضة الأولى، كانت فتح تؤمن بالنضال ضد الاحتلال وتحرير فلسطين بالكفاح المسلح. ما فعله أبو مازن هو تفريغ حركة فتح من أي معنى ومن أي غاية ومن أي قتال في سبيل الحرية والتحرير". وأضاف: "إن تنظيم فتح على الأرض غير مسرور بأبي مازن ولا بجماعته التي تريد القيادة والإبقاء على الوضع الراهن كما هو، لأنهم يريدون المال ويريدون الحفاظ على استثماراتهم في صفقات الأراضي، يريدون إبقاء الاحتلال لأنهم بدونه لا دور لهم".

إذن فالنار تحت الرماد في قواعد حركة فتح، بل وفي بعض قيادتها، والتي يلاحقهم أبو مازن ويطردهم من الحركة كما فعل مع " ناصر القدوة"، العضو السابق في اللجنة المركزية لحركة فتح والممثل السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة ووزير الخارجية الأسبق الذي طرد من حركة فتح لمجرد رفضه المنافسة في الانتخابات ضمن قائمة يتزعمها أبو مازن..

ثمة جيل جديد ولد من خارج رحم أوسلو، وهو من يرفع راية التغيير حاليا، هذا الجيل الجديد لا يرتبط بفتح وليس له صلة برام الله ولا قيادتها، ولا يقيد نفسه بالجدران ولا بنقاط التفتيش التي تفرضها سلطة الاحتلال. لا يخضع المقدسيون ولا فلسطينيو 48 لسلطة عباس، ناهيك عن أن يخضعوا لسلطة فتح.. هذا الجيل جزء من شعب يمتد من النهر إلى البحر، وهو الذي شارك بالآلاف في المظاهرات الأخيرة في الضفة وفي أراضي 1948 ضد العدوان الصهيوني على غزة، وضد أبي مازن الغائب عن المشهد تماماً سواء في أحداث القدس واقتحام المسجد الأقصى ومحاولة تهجير حي الشيخ جراح، أو في العدوان على غزة، ولكنه هو وسلطته كانا حاضرين باعتقال الشباب الذين شاركوا في المظاهرات وتبليغ العدو الصهيوني عنهم!!

هذا الجيل رغم أنه لا ينتمي لحماس إلا أنه خرج في احتفالات النصر يرفع أعلام حماس ويهتف باسم قادتها العسكريين، مثل الضيف وأبي عبيدة..

هذه الهبة الفلسطينية الرائعة التي شملت فلسطينيي الداخل والخارج، والتي لم تشهدها فلسطين منذ النكبة عام 1948، يجب ألا تهدر سدى، بل يحب استثمارها لتوحيد الصف الفلسطيني واعادة ترتيب البيت الفلسطيني

هذا الجيل قد حسم خياراته واختار المقاومة لتحرير فلسطين، ولا يوجد لدى محمود عباس ما يقوله للفلسطينيين، لأنه لم ينجز لهم شيئا يذكر. لم تحقق ثلاثة عقود من المفاوضات العبثية مع الكيان الصهيوني بعد الاعتراف به رسمياً؛ شيئاً سوى تفكيك جميع المؤسسات الفلسطينية التي كانت مشاركة في الحوار؛ المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير والمجلس المركزى!!

هذه الهبة الفلسطينية الرائعة التي شملت فلسطينيي الداخل والخارج، والتي لم تشهدها فلسطين منذ النكبة عام 1948، يجب ألا تهدر سدى، بل يحب استثمارها لتوحيد الصف الفلسطيني واعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وأولى الخطوات هي طي صفحة محمود عباس، كما توحدت الأحزاب الصهيونية على الإطاحة بنتنياهو.. لتطوى صفحة أوسلو إلى الأبد، وتبدأ صفحة جديدة أول وآخر كلمة فيها هي المقاومة ثم المقاومة ثم المقاومة..

فلتتوحد البندقية الفلسطينية ضد العدو الصهيوني..

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • عربي 21
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانقلاب التونسي والمستفاد من سقوط آخر الأوهام!

ارتاح كثيرون لفوز قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية التونسية، حينما كان خصمه في تلك الانتخابات نبيل …