من ثمار الانقلاب

الرئيسية » بأقلامكم » من ثمار الانقلاب
mixmedia-07191649Kk3R8 (1)

إن تاريخ الانقلابات في العالم العربي تاريخ حافل بالجرائم اللاإنسانية، فما من دولة إلا وحدث فيها انقلاب، وما انتهى القرن العشرين إلا وعلى رأس كل دولة رئيس انقلابي وصل إلى كرسي السلطة على دماء وأشلاء شعبه.

أولاً: تعريف الانقلاب

الانقلاب هو استخدام القوة لإزاحة حكومة ما، ويكون ذلك بفعل مؤسسة من مؤسسات الدولة (عادة ما تكون الجيش) باعتباره المؤسسة التي تمتلك القوة اللازمة لتنقيذ الانقلاب.

يقوم الانقلابيون بتنصيب أنفسهم أو بتنصيب سلطة بديلة تمكنهم من السيطرة الكاملة على البلاد مما يهدد السلم الاجتماعي، ويشكل خطراً على الديمقراطية والاستقرار، ويرجع بالبلاد عشرات السنين للوراء نتيجة لتفاقم الظلم واستشراء الفساد.

ثانياً: هدف الانقلاب

بعض الانقلابات تتم نتيجة لتحرك شعبي حقيقي مدعوم بالقوة، كما حدث في الانقلاب السوداني الذي تقّلد بموجبه المشير عبد الرحمن سوار الذهب السلطة في السودان سنة 1985م قبل تسليمها إلى حكومة أحمد الميرغني والصادق المهدي المنتخبة.

إن معظم الانقلابات تحدث طمعاً في السلطة، فيقوم الانقلابيون بالاستيلاء على المنشآت الحيوية لشل مفاصل الدولة، كما حدث في انقلاب 2013م في مصر.

ثالثاً: الفرق بين الانقلاب والثورة

إن هناك فرق كبير بين مصطلح (انقلاب) ومصطلح (ثورة)، فالانقلاب تخطط له وترعاه وتقوم بتنفيذه مؤسسة تمتلك القوة وتفرط في استخدامها لتحقيق أطماعها وما تصبو إليه، وغالباً ما تكون الانقلابات مدعومة من أنظمة أخرى تخطط لها وترعاها وتدعمها بكل ما يضمن نجاحها.

أما الثورة فهي تحرك شعبي مُنظم من قِبل مدنيين لا نفوذ لهم في هياكل الدولة كما حدث في ثورة 25 يناير 2011م في مصر. والجدير بالذكر أن أعداء الثورات عادة ما يوصمونها بالخيانة وبالتبعية لأجندات خارجية، وهؤلاء ينطبق عليهم المثل القائل (رمتني بدائها وانسلت).

رابعاً: بعض ثمار انقلاب 2013م في مصر

حدث انقلاب 2013م في مصر بطريقته الوحشية التي لا تطاق ولا توصف فأدمى قلوب (البشر)، وتبلدت أمامه قلوب ومشاعر (اللابشر)، وعاد بالبلاد عشرات السنين للوراء في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة، وهذا ما شهد به القاصي والداني.

وإيماناً بأن الشر قد يأتي من طياته الخير، وأن الوحل يخرج منه الندى.. أردت أن أكتب عن بعض الثمار التي يلاحظها كل صاحب عقل وقلب، فمن هذه الثمار:-

1- إن الله تعالى قدر الانقلاب ليتخذ من عباده شهداء يكونوا في جنات الخلد وليشفعوا لأهليهم.. أليست هذه ثمرة كبيرة!

قال تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:140].

2- كان الانقلاب مدرسة عملية "داخل السجون والمعتقلات وخارجها" لإحياء وتطبيق صفات وأخلاقيات كانت كل معرفتنا لها لا تتخطى الكتب التي كتبت فيها.

- عرفنا معنى الصبر ولماذا جعل الله تعالى أجر الصابرين بغير حساب.

- وعرفنا معنى كظم الغيظ ولماذا جعله الله تعالى من صفات المتقين.

- مارسنا قول كلمة الحق والثبات عليها مهما كلفت صاحبها من تبعات، وعرفنا لماذا وصف النبي ﷺ من يموت بسبب ثباته على كلمة الحق أمام سلطان جائر بأنه سيد الشهداء.

- تعرفنا على الظلم وقسوته ومرارته وعرفنا لماذا لا يحب الله الظالمين، وعرفنا أيضا لماذا حذر الله من الظالمين ومن التعامل معهم ، ولماذا توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم .. كل ذلك حتى لا نمارس الظلم ولا نكون يوماً من الظالمين.

- عرفنا معنى الإخلاص والتجرد والتضحية وترجمنا ذلك كله على أرض الواقع من خلال نماذج لا تقل قيمة عن شخصيات كنا نقرأ عنها فقط في كتب التاريخ أو في كتب السيرة.

- تعرفنا على حقيقة أنفسنا وعرفنا أن بداخلنا مخزون من الطاقة كبير لم نكن نعرفه ولم نكن نستغله.

- انتقلنا من الحيز النظري إلى الحيز التطبيقي والتنفيذي في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة.

3- كان الانقلاب حافزاً ودافعاً للجد والاجتهاد وإثبات الذات وتحقيق نجاحات على مستويات كثيرة بداية من مستوى إدارة شؤون الأسرة وقت الأزمات، مروراً بالثبات على المبدأ وعدم الرضوخ للظلم ولا النزول على رأي الفسدة الظالمين، وغير ذلك مما شاء الله ومما فتح به من توفيق للأفراد في المستويات والمجالات المختلفة.

4- كان الانقلاب سبباً في أن هاجر رافضو الانقلاب إلى كل بقاع الأرض فمنهم من حصَّل العلم، ومنهم من عمل بالتجارة، ومنهم من اشتغل بالسياسة والعلاقات الدولية، ومنهم من اشتغل بالإعلام والمسارات القانونية والحقوقية.. الخ، وفي كل ذلك صقل للمواهب واكتساب للخبرات وإفراز كوادر صالحة لبناء دولة بل لبناء أمة بإذن الله تعالى.

5- كان الانقلاب سبباً في تحقيق درجة من الوعي لدى قاعدة كبيرة من الشعب (وإن كانت مكبوتة)، وقاعدة أكبر من رافضي الانقلاب (حيث عرفوا يقيناً كيف تدار الدولة، كما عرفوا أن إدارة دولة تختلف تماماً عن إدارة نقابة أو حتى وزارة).

6- لقد كان الانقلاب سبباً في سقوط كثير من الأقنعة وفي فرز اللؤلؤ من الحجارة لتكوين سبيكة تستعصي على الانكسار بإذن الله تعالى.

خامساً: تبصرة للقابضين على جمر الانقلاب

لابد أن نعرف أن الانقلاب صورة مستحدثة من صور الاحتلال وأن المواجهة بين الانقلابيين ورافضي الانقلاب مواجهة صفرية لا تعرف الموائمات ولا أنصاف الحلول.

وأن نوقن أن الأجر على قدر المشقة وأن ثبات أهل الحق يؤلم أهل الباطل ويستنزف قواهم.

وأن ندرك أن سنة الله في خلقه أن الصراع بين الحق والباطل موجود إلى قيام الساعة، وأن الأيام دُوَل، وأن الله تعالى قد وعد بنصر عباده المؤمنين.

وأن نفهم أن تبعات التمكين على عباد الله المخلصين ليست بالهينة ولا بالسهلة بل قد تكون أقسى وأشد.

أخيراً أقول:

إن تفاصيل ثمار الانقلاب الذي تم في مصر عام 2013م كثيرة بل أكثر من أن تعد ولكن أردت أن أجملها في هذه النقاط البسيطة لأننا مهما كتبنا عن هذه الثمار فلن نحصيها إلا بعد زوال هذا الانقلاب بسنوات ... فالأكمة ما زالت تخفي الكثير .. والقلوب ما زالت تكتم الكثير .. وأقبية السجون والمعتقلات لم تخرج مكنونها بعد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الإعراض والاستجابة …. في سورة الأحقاف

منذ أن تقرأ فواتح سورة الأحقاف.... تجد عرْضا مُفحماً للحجج والبراهين التي تؤكد صفات الربوبية …