بين فقدان الشَّغَف والمثابرة على العمل والرسالة.. كيف خاطبنا القرآن الكريم؟

الرئيسية » بصائر الفكر » بين فقدان الشَّغَف والمثابرة على العمل والرسالة.. كيف خاطبنا القرآن الكريم؟
SONY DSC

من بين الظواهر الاجتماعية السلبية التي ارتبطت تطورات واقعنا الإنساني، وأثَّرت على أنماط تفكير الأجيال الجديدة، تحوُّل مفهوم "التيك أواي"، إلى ثقافة شائعة تشمل كل مناحي الحياة.

فنتيجةً لعدد من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحياها مجتمعاتنا العربية والمسلمة؛ صار "التيك أواي" نمطًا عامًّا يُمَيِّز سلوك شريحة عريضة للغاية من شبابنا، وشَمِلَ ذلك الجانب الأهم في مرحلة الشباب، وهو المتعلق بقضية السعي والإنجاز؛ حيث الفرد المسلم يمرُّ مرور الكِرام على الكثير مِن الأمور التي هي في الحقيقة والأصل، على أكبر قدرٍ مِن الأهمية، وجزءٌ لا يتجزَّأ من عقيدة الإنسان، بل ومن تصوراته حول نفسه وذاته الإنسانية.

وهذا الأمر – السعي والإنجاز – ليس من نافل حياة الإنسان، أو من نافل التفكير فيه عنده، بل إنَّه من صميم إنسانيته؛ حيث الإنسان مخلوقٌ رسالي، أي أنَّ اللهَ تعالى خلقه من أجل أداء مهام ورسائل معينة على الأرض، على رأسها عبادة الخالق عزَّ وجل، وإقامة عقيدة التوحيد، وإعمار الأرض.

وهذه الأخيرة، إعمار الأرض، في إطار استخلاف اللهِ تعالى للإنسان فيها؛ تتطلب من الإنسان الكثير مِن العمل والسعي.

والقرآن الكريم تحدَّث عن قضية العمل والسعي في عددٍ كبيرٍ مِن الآيات، وكذلك الحديث النبوي الشريف؛ كُلُّها تؤكد بواضح العبارات والكلمات أنَّ مصير الإنسان في الدنيا والآخرة، إنَّما هو حصادُ عمله وسعيه.

في سُورَةِ "التَّوْبَة"، يقول اللهُ تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}، وهذا العمل إما أنْ يكونَ صالحًا؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)} [سُورَةُ "الأنبياء"]، أو يكون ضالاًّ؛ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} [سُورَةُ "الكهف"].

وأهمُّ ما ينبغي إدراكه في ذلك، هو أنَّ العبادةُ، والتي هي أَوَّلُ ما سوف يحاسَبُ عليه العبدُ؛ إنَّما هي دربٌ من دروبِ السَّعي والعملِ.

وفي الحقيقةِ؛ فإنَّه مِن نافلِ القول التأكيد على أهمية ذلك؛ حيث إنَّه مِن بين أكثر الأمورِ رُبَّما التي تناولتها المناهج التربوية، والكتب والمقالات الفكرية عبر تاريخ العمل الإسلامي منذ بداياتِ هذا الدِّين.

لذلك باعث الكتابة الآن، أكبر من أيِّ وقتٍ مضى؛ حيث إنَّه بالرغم مِن بديهية هذه الأمور، وأنَّها حتى كانت مِن أوائل الأشياء التي كُنَّا نتلقاها في مدارسنا الابتدائية، في التعليم المدني حتى في غير محاضن التعليم الديني، مثل الكتاتيب والمدارس المعاهد الأزهرية؛ فإنَّنا الآن نقف أمام صورةٍ سيئةٍ للغاية لكثيرٍ مِن الشباب المسلم؛ حيث فقدانٍ كاملٍ للرغبةِ في السعي والعمل وخدمة الدين، وخدمة رسالته في هذه الحياة.

هذا مما يُسمِّيه علماء النفس، بفقدانِ الشَّغَفِ أو الاهتمام؛ حيث نتيجة العديد من الظروف؛ لا يعود الإنسان مُباليًا او مهتمًّا بأيِّ شيءٍ، حتى بأموره الذاتية، ويترك نفسه نهبةً لريح الحياة وتياراتها؛ تجرفه حيث شاءت؛ لا حيث ينبغي أنْ يكون، مما تقتضيه مصلحته ومصيره ونجاته في الدنيا والآخرة.

وتسود هذه الحالة الآن حتى في أوساط قطاعٍ عريضٍ من أبناء الحركة الإسلامية، وكثيرٌ منهم تأثَّر بحالة اليأس والقنوط، واللامبالاة العامة التي تحيط به، فنجده قد انصرف عن العمل بينما هناك الكثيرُ مما يمكنه أنْ يقدِّمَه، بدءًا مِن مجتمعه المحلِّي، وصولاً إلى مساحات العمل العام المختلفة.

وهناك في هذا الصدد الكثير مما تنبغي دراسته، مثل أسباب هذه الحالة؛ حيث إنَّ هناك طائفةً واسعةً من الأسباب، مِن بينها الصدمات المتتالية التي تلقاها هذا الجيل من الشباب الذي كان أكثر مَن احتكَّ بالشارع، في إطار ثورات ما يُعرَف بـ"الربيع العربي"، وسنوات إرهاصاتها.

فتطورات الحَدَث مع ما ساده مِن عنفٍ مفرطِ ودمارٍ وخرابٍ هائلَيْن في بعض الحالات كما في سوريا واليمن؛ أصابت الكثيرين بصدماتٍ نفسيةٍ، كما أنَّها دفعت إلى الظَّنِّ بأنَّه لا فائدةَ مِن أيِّ جهدٍ أو مسعىً يمكن أنْ يقومَ به الإنسان، مع فقدان الإيمان بقضايا المجتمع الذي سعوا لخدمته، ويرون أنَّه لم يؤازرهم بما فيه الكفاية، بل تخلَّى عنهم، بل ربَّما تآمر عليهم في بعض الأحيان من وجهة نظرهم.

كرَّست أو عمَّقت هذه الحالة من مشكلة أصولية سابقةٍ، وكانت هي باعث الحركة الأساسي في المجتمعات العربية في مرحلة الثورات الشعبية، وهي ضآلة الفُرَص المتاحة أمام الإنسان لتحقيق ذاته، وهي مِن أهم مراحل سُلَّم الحاجات الإنسانية، وأنَّه بالتالي؛ مهما فعل؛ فلن يستطيع أنْ يحصدَ ثِمَار سعيه، وبالذات أمام فساد السلطة والمال، والذي يمنح كُلَّ شيءٍ لِمَن لا يستحقَّ، ولِمَن لم يبذل أيَّ جهدٍ؛ فعلَّام – إذًا – العمل والاجتهاد؟!

بل إنَّ البعض ذهبَ إلى حَدِّ الإفساد في الأرض، نكايةً في المجتمع، أو كفرانًا بما كان يؤمن به مِن قيمِ وتصوراتٍ والعياذ بالله.

هنا نصل إلى نقطةٍ مهمةٍ أخرى فيما تنبغي دراسته في هذه القضية، وهي كيفية التعامل مع هذه المشكلة.

أهمُّ أداةٍ في ذلك، هو تذكير الإنسان بما أتى به القرآن الكريم في هذا الصدد من أمورٍ وقناعاتٍ عَقَديَّة، وتعاليمٍ يجب على الإنسان المسلم الالتزام بها، ومنها أنَّ المعاناة سُنَّةٌ ربَّانيَّةٌ حتميةٌ فرضها اللهُ تعالى علينا، وأنَّ السعي والعمل في حدِّ ذاتهما؛ أشياء مأمورٌ بها الإنسان، ويجب عليه أنْ يقومَ بها بقطعِ النَّظرِ عن صروفِ الزمن، وظروف المجتمع المحيط به، وبصرفِ النَّظرِ عن النتيجة التي اختصَّ اللهُ تعالى نفسه بها، ولا ينبغي أنْ نشغلَ أنفسنا بسؤال الفشل، إلا في لبحث أسبابه لأجلِ التغلُّبِ عليها.

فالغرض مِن العمل والسعي، أمران؛ الأول، أنْ يقومَ الإنسان بما عليه من واجبات. هذا في حَدِّ ذاته ضروريٌّ ومفروضٌ على الإنسان، وهو ما سوف يحاسَبُ عليه؛ نجحَ أم فشل؛ سيَّان عند اللهِ تعالى في هذا، والأمر الثاني، تحقيق الأثر الطيب المنشود مِن أيِّ جهدٍ إصلاحيٍّ يقوم به.

وليكن شعار الإنسان الدائم مثلما قال موسى (عليه السلام) لفتاه: {لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ} [سُورَة "الكهف" – مِن الآية 60]، مع ضرورة توظيف الإنسان لما منحه اللهُ تعالى له مِن ممكناتٍ، في إطار قانون الأخذ بالأسباب، كما في قصة ذي القرنَيْن في نفسِ السُّورَة. يقول اللهُ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)}، ثُمَّ تكرَّرت عبارة "ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا" بعد ذلك في كلِّ موقفٍ له في السُورة الكريمة، في الآيتَيْن (89) و(92).

وفي الأخير؛ فإنَّه مِن المهمِّ على الإنسان أنْ يؤمن بأنَّه لا يقوم بما يقوم به لأجل إرضاء الناس؛ فإذا ما رضوا ومدحوا؛ واصَل، وإذا نَقِموا؛ توقَّف، أو لأجل مغنمٍ ذاتي؛ إذا ما ضاع منه، أو لم يتحقَّق؛ فقد اهتمامه بالعمل والسعي، أو انتقم وأفسد، وإنما هو يقوم بما يقوم به لأجل النجاة بنفسه وقت الحسابِ، من خلال تنفيذ ما أمرنا اللهُ تعالى به، وإرضاءً له سبحانه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

نظرية “العجز المُتعلَّم” ودورها في ترويض الشعوب (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في …