لا يجد الجواب إلا من يؤرّقه السؤال!

الرئيسية » خواطر تربوية » لا يجد الجواب إلا من يؤرّقه السؤال!
books-5

من المُذهل كَمُّ المسلمين الذين يَمضُون في حياتهم وينفقون أعمارهم طاوين قلوبهم على أسئلة وحيرات واستكشالات، كثير منها متعلق بمسائل حياتية دوريّة وفتاوى أحوال شخصيّة وشبهات فكريّة وذبذبات تطبيقية، لا يكفي مخزون صاحبها من الفهم السطحي والعُرف المتوارث في حلّها.

المصيبة أنّ حامل تلك النفسيّة المُقلقلة لا يَعنيه بصدق ما يُعانيه! فلا يخطر له أن يُكلِّف نفسه الاستفهام الجادّ عما يُشْكِل عليه، ولا يفكّر في البحث المثابر عن جواب حتى يهديه الله له. بل يمضي عمره على جهله، حاملًا طنين الشك في أذنيه، وعِلكة الشبهات في فمه، قانعًا بهما كتفسير وذريعة. حتى تصير بِنيته الفكريّة والوجدانيّة مُصمَتة على ذلك التشوّه وهذا الاضطراب، فلا ينفع معها دليل ولا تؤثر فيها حجُّة ولا يتخللها نور، إلا أن يتغمدها الله برحمته!

وتَعظُم إصابة المصيبة حين تكون الأسئلة عن مسائل ومفاهيم ضرورية بغيرها يتعذّر أن يكون المسلم اسمًا مسلمًا حقًّا، مثل معنى الافتقار لله وحسن الظنّ به تعالى، أو آداب الدعاء وحدوده، أو معاني آيات وأحاديث... وغير ذلك من عجائب الرضا بالجهل أو اللامبالاة بمعرفة الإسلام الذي يدين به صاحبه ويحاسَب على أساسه أمام الله، في مقابل "الفضول المعرفي" تجاه كل ثقافات الأرض وفلسفات البشر!

وتأمل في هذه الحادثة التي رواها الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: {خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ [جَرَحَه] فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هل تجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ! فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ! فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ. إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِه} [أبو داود]. ولو جعلنا هذه القاعدة نُصب أعيننا: أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟!، فسألنا أهل العلم عمّا أشكل علينا، لشُفِينا من عِيِّنَا، لأنّ شفاء العِيِّ السؤال!

ومن جهة أخرى، على كثرة الاشتغال بالسؤال والكلام عليه فالحق أننا اليوم في زمن الإجابات لا الأسئلة! إجابة كلّ شيء تقريبًا متاحة بمختلف الصور والأشكال ودرجات العمق، في عصر المعلومات المفتوحة. وهذه نعمة ومسؤولية معًا. لذلك من المدهش ظاهرة غرام كثير من المسلمين -خاصة الشباب- بالدوران التائه حول علامات استفهام مسؤولة قبلًا معــــــاد تدويرها، بدعوى أنهم لم يجدوا من يجيبهم عنها، وهم لم يفكّروا في مطالعة الأجوبة المتاحة بالفعل!

فمِن سائلٍ عن خطة لحفظ القــــرآن، لسُلّم تعلم العلوم، لكيفية كتابة مقــال، لخطوات تعلم اللغات، لمنهجيات التربية والتعليم، لكيفية إعداد طبخة أو ترقيع ثوب... نَقّب ما شئتَ وجُلْ بالفكر عمّا بدا لك، تجد لكلّ استفهام أجوبة لا جوابًا واحدًا، مُعدَّة بالفعل في انتظار من يفيد منها أو بها! وإنما المانع الوحيد على الحقيقة هو عدم جدّية السائل في سؤاله، أي أنه ليس حريصًا حقًّا ولا مشغولًا فعلًا بتحصيل جواب. تفكّر في كل ما تجهله، ويضرّك الجهل به، وتعلم أنّ عليك طلب العلم به، بل تفكر في أيّة عقبة كؤود في حياتك، تجد أنّ كأدَها له دائمًا سبب منك! لذلك لا يصل للجواب إلا من أَرَّقَه السؤال، فبَحثَ واستقصى، وجرّب وخَبَر، وثابر وصبر، حتى بلغ موقفًا واضحًا وجوابًا صريحًا في قضيّته، أيًّا تكن.

ختامًا، ليس الشأن في التعلم كثرة السؤال بحدّ ذاته، وإنما دقة اختيار من تسأل والحرص في انتقاء من تستقي عنهم . وذلك لا يكون إلا بأن تتوخى سؤال أهل كل علم في علمهم، وتعتني في بداياتك بالتزام الراسخين مهما قَلُّوا، على الجري وراء المعلوماتيين وهم كثير. فلا تتشتت ولا تَحتَر باتباع مذهب "اسأل كلَّ من تعرف تبلغ ما لا تعرف"! لأنّ المهم بقدر اتساع المدارك، أن تتسع على بصيرة لا على عِماية!

وإذا لم تكن كلّ معرفة لم تبلغها يَضرّك عدم بلوغها، فإن كلّ معرفة تبلغها يضرك بالضرورة بلوغها على غير وجهها لأنك ستبني عليها لاحقًا بدرجة ما. فأيّ بُنيان راسخ يُنتَظَر من أساس غير قويم؟!

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

بين إدراك الحاجات والانسياق وراء الشهوات

كثيرا ما يتحدث علماء الأخلاق والتربية عن ضرورة تعهد الإنسان نفسه ومن يعول وضبطهم بالأخلاق …