دروس يتعلمها المسلم من الموت

الرئيسية » بصائر تربوية » دروس يتعلمها المسلم من الموت
sadness

بعد مرور عام ونصف على وفاة أبي -الله يرحمنا ويرحمه- تبين لي أن للموت دروسًا لا تتوقف بمرور الأعوام وأن تجربة الإنسان الفردية البحتة مع الموت لا يضاهيها شيء، فنحن نسمع عن الموت كل يوم وربما في اليوم أكثر من مرة، ولكن مرورنا بالتجربة أمر مختلف، ومن هذا المنطلق فقد اكتشفت في نفسي وفي بعض من حولي أن الإنسان يستمر في التعلم من تجربة الفقد والموت إلى أن يموت  !

ولكن الجانب الحسن في الأمر والذي يدل على رحمة الله بعباده هو تلك الدروس والحكمة التي ينزلها الله على عبده فتهون عليه ولو شيئًا يسيرًا من ألم الفقد، وتعطيه دفعة للانطلاق في الحياة برغم الألم وفي صحبته، ليستمر في عمل الصالحات والإكثار منها لتنفعه هو والميت يوم لا ينفع مال ولا بنون، وهنا أعرض لبعض الدروس التي استخلصتها من تجربتي المريرة لفقد أبي الغالي – رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى - عسى أن يكون فيها نفع لمن مر بتلك التجربة أو يمر بها:

1- لا تَنْفر من مشاعر الحزن والرغبة في البكاء:

فما يحدث في الغالب بعد أن يتجاوز الإنسان ستة أشهر أو عامًا من الفقد أنه قد يبدأ في لوم نفسه على استمرار مشاعر الحزن والألم والشوق للميت في داخله، والأدعى من هذا أنه قد يشعر بأن تلك المشاعر تعيقه عن المضي قدمًا في الحياة وتحقيق أهدافه أو الاستمرار فيما كان يقوم به من أعمال! والحقيقة أن سبب هذا الصراع النفسي هو لبس كبير في ربط مشاعر الحزن على فقد الميت بالمضي قدمًا في الحياة.

فعلى الإنسان أن يكون صادقًا وصريًحًا مع نفسه وأن يدرك أن مشاعر الحزن قد لا تغادره أبدًا، بل وقد تصاحبه فيما بقي له من عمر، وليس في هذا ما يسبب الرعب أو القلق، فنحن كمسلمين نعلم يقينًا أن الحياة لا تصفو لأحد ولا تخلو من كدر؛ فعلى المسلم من جهة تقبل مشاعر الحزن تلك واستمرارها خاصة إذا كان قريبًا جدًا من الميت وعاش معه لفترة طويلة، ومن جهة أخرى ليعلم أن الله كريم رحيم وقطعًا سيهون عليه وسيرزقه بأسباب وأشخاص يهونون عليه مرارة الفقد، وأنه لن يقضي جميع دقائق حياته في حزن ولكن سيتخلل الحزن الكثير من الساعات والأوقات والذكريات فلا بأس في ذلك.

على الإنسان أن يكون صادقًا وصريًحًا مع نفسه وأن يدرك أن مشاعر الحزن قد لا تغادره أبدًا، بل وقد تصاحبه فيما بقي له من عمر

وبدلًا من أن يجعل المسلم هذا الابتلاء سببًا للحزن والبكاء واجترار الذكريات الأليمة، فليكن سببًا للإكثار من الدعاء للميت وعمل صدقة جارية وغيرها من الأعمال الصالحة التي تنفعه بعد موته وانقطاع عمله.

كذلك ليعلم أن الحزن يمكن أن يكون دافعًا قويًا وطيبًا للقيام بالأعمال الصالحة كما بينا آنفًا، بالضبط كما يمكن للسعادة أن تكون سببًا في الغفلة وارتكاب المعاصي.

وقد يعتقد الإنسان أنه من المستحيل المضي في الحياة بدون تجاوز رحلة الحزن بالكامل وهذا أمر غير صحيح، فبالدعاء والصبر تهون الابتلاءات وتُقضى الحاجات بإذن الله، فلا تنتظر تجاوز مرارة الفقد والشعور بالحزن وإنما أعط لنفسك الفرصة للتعايش معها والأمر قطعًا صعب سيما في البداية ولكنه ليس مستحيلًا  .

2- لا تتخذ أي قرارات ضخمة في فترة حزنك:

فكما أن الحزن على الميت يدفعنا للدعاء له وإخراج الصدقات، فمشاعر الحزن لها مصاحبتها السلبية من المشاعر والدوافع كالغضب والانغلاق الشديد على النفس، والعزلة التامة عن الناس لشهور، والرغبة في الهروب من أماكن الذكريات، وكل هذه الأمور قد تُدخل الإنسان في حالة اكتئاب مزمن، والتي قد تترك أثرها مستقبلًا على نفسه وطريقة تفكيره وإن زالت بعد حين.

وبالتالي يرجح أخصائيو الطب النفسي -وكذا من تجربة شخصية- أن يؤجل الإنسان أي قرارات ضخمة وجوهرية في حياته حتى مرور ستة شهور على الأقل، أو إلى أن يشعر بأنه بكامل قواه العقلية والنفسية والعاطفية وليس منطلقًا بقراره هذا من تجربة الفقد، ومن أضخم القرارت: الزواج، الطلاق، البدء في عمل جديد وتغيير المسيرة المهنية بالكامل، السفر... إلخ.

وقطعًا لكل قاعدة استثناءات وإنما الحديث هنا بشكل عام وبناء على كثير من البحوث والدراسات النفسية في هذا الأمر.

3- لا بأس في قليل من التغيير أو كثيره:

قد يشعر البعض بخيانته للميت إذا ما استمر في ممارسة عادات معينة لم يكن ليمارسها إلا مع الميت، وقد يصل الشعور بالذنب وتأنيب الضمير أحيانًا ألا يتمكن الإنسان من الذهاب إلى أماكن معينة كان لا يذهب إليها إلا في صحبة الميت، ويبدأ في تغيير عاداته والأماكن التي يرتادها بناء على ذلك، ولا بأس في هذا الأمر طالما رأى فيه الإنسان ما يهون عليه بعض الألم.

بالإضافة إلى ذلك، نقترح أن يستبدل الإنسان عاداته القديمة مع الميت رويدًا رويدًا مع غيره من أحبائه من الأحياء؛ فتغيير العادات والأماكن قد تعد من الأمور المفيدة والمعينة بإذن الله على تهوين ألم الفقد، وذلك بصنع الإنسان لذكريات جديدة لا تستجلب مرارة ألم الفقد عند تذكرها.

وتغيير العادات وصنع ذكريات جديدة لا يعني عدم حزن الإنسان على فراق الميت ولا يعد هروبًا من مواجهة الحزن، بل هو في حد ذاته مواجهة فعالة للحزن؛ فمن فقد حبيبًا له يشعر وسيظل دومًا يشعر بمرارة الفقد، وتغيير بعض العادات والأماكن لا يُنسي الإنسان الميت ولا حبه له، وإنما يهون عليه بإذن الله شيئًا من الألم.

4- لا تبال بما يقوله الناس وأعد التفكير في أولوياتك أنت:

سيلقى الإنسان الكثير من الناس سواء من أقاربه أو معارفه أو من الأغراب ينصحونه من وحي تجربتهم وعلمهم، وقد يكون في بعض النصائح نفع وفائدة، ولكن هذا لا يمنع أنها تنبع في النهاية من تجربتهم ومشاعرهم هم، وليس بالضرورة أن توافق ما يشعر به كل إنسان، سيما إن لم تكن آراؤهم مستندة إلى أي أحكام شرعية؛ فصحيح أن الموت واحد ولكن علاقات الناس بمن فقدوهم تختلف وتحْكُم الكثير من تصرفاتهم وردود أفعالهم.

صحيح أن الموت واحد ولكن علاقات الناس بمن فقدوهم تختلف وتحْكُم الكثير من تصرفاتهم وردود أفعالهم

لذا، اجعل القاعدة الأساسية هي التعبير عن حزنك بما تراه مناسبًا، ما لم يكن محرمًا، فقد ينهاك البعض عن كثرة البكاء -حتى في بداية الابتلاء- وآخرون يبدؤون في تحديد المدة الطبيعية للحزن من وجهة نظرهم، بل وما يجب عليك أن تفعله لتتخلص من ذلك الحزن، فلا تبال لكلامهم إلا بقدر ما ينفعك ويُصلِح معيشتك، واحرص بمرور الأيام أن تبدأ بمراجعة أولوياتك وأهدافك في الحياة، فالموت من شأنه أن يغير طريقة تفكير الإنسان ونظرته للحياة والأمور والناس، فخذها فرصة لتراجع أهدافك وعلاقاتك.

وربما لا تحتاج للتخلي عن عادة أو ترك عمل أو قطع علاقة، وإنما قد يلزمك مجرد تجديد نيتك فيما تقوم به ومعرفة مدى نفعه لك في الدنيا والآخرة فحسب.

5- مشاعر الحزن تستمر، ولكن الله مُهوِّن الأمور:

من أكثر العبارات التي تتكرر على ألسنة من يعزون أهل الميت وأحبابه أن الحزن سيمر مع الوقت، وسيأتي وقت على الإنسان لن يشعر فيه بمرارة الأمل، وهذه الوعود مع الأسف تفتقد كثيرًا من الصحة والدقة؛ فالحزن لا يمر عند كل الناس وقد يستمر مدى الحياة عند كثيرين دون أن تزول الآلام والأوجاع والحسرات، وإنما الفيصل هو ثقة المسلم في رحمة الله وأنه هو مبتليه ليمحصه، والمهون عليه ليرحمه  .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اثنتان يكرههما ابنُ آدمَ : يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ له من الفتنةِ، ويكرهُ قلَّةَ المالِ، وقِلَّةُ المالِ أقلُّ للحسابِ"، والموت لا بد آت، وبالأحبة بإذن الله لاحقون ولكن العبرة بصالح الأعمال وحسن الختام. نسأل الله أن يرزقنا والمسلمين حسن الخاتمة ويرحمنا وأموات المسلمين أجمعين.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …