نظرية الالتزام بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية

الرئيسية » بصائر الفكر » نظرية الالتزام بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية
Wooden gavel on table. Attorney working in courtroom.

يأتي التأسيس القانوني وعلى قمته، التأسيس الدستوري، كأحد أهم أركان الدولة/ الأمة، أو ما يُعرَف في أدبيات العلوم السياسية الغربية بالـ "Nation state"، بل وأحد أركان البناء الحضاري؛ فالمرتكز القانوني هو المرآة أو المظهر الأهم للمُكَوِّن الأخلاقي الذي ترتكز عليه أية حضارة، أيًّا كان مصدرُه أو مكوناته.

وذلك لأنَّ هذا كله يتصل –أولاً– بكَوْنِ منظومة القانون -وعلى رأسها الدستور- المُعَبِّر عن القيم الاجتماعية، ويحدِّد مدى إحساس الأمة بهويتها، وثانيًا، لأنَّ هذا يتضمَّن بمنظومة الآداب والقيم أو القواعد التي تُعتبر صوابًا بين أعضاء المجتمع، أو ما يُعرَف في الفلسفة بنظرية الأخلاقيات "Ethics" أو "Ethos" باللغة اليونانية القديمة.

وبحسب توماس بول وليندا إلدر، فإنَّه في غالب الحال ما يحدث خلطٌ بين الأخلاقيات –كأساس قيمي– أي مجموعة المفاهيم والمبادئ التي ترشدنا في تحديد أي السلوكيات مفيدٌ، وأيها ضارٌّ للفرد والجماعة، وبين التصرف أو السلوك نفسه، والذي يكون في الغالب من المفترض أن يتوافق مع الأعراف الاجتماعية، والمعتقدات الدينية، والقانون.

والأمران صنوان، وهما وجهان ربما لتعريف واحد، ويتصلان بمبحث القيم في الفلسفة، أو الأكسيولوجي "Axiologie"، وهو ذلك المبحث الفلسفي الذي يدرس القيم والمُثُل العُليا والقيم المُطلقة ومدى ارتباطها بسلوك الإنسان والمجتمعات.

ومن أوجه أهمية هذه المنظومة من المفاهيم والقواعد، نظرية الالتزام "Legal liability"، والتي هي بدورها أحد أهم أوجه إقامة العدالة في المجتمعات الإنسانية، بما يحفظ عليها استقرارها ويضمن أمانها، وبالتالي، استمرارها في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والحضاري الشامل.

وبحسب الفقهاء القانونيين، وأساتذة الإدارة والنظم والعلوم السياسية؛ فإنَّ نظرية "الالتزام"، هي جوهر فكرة القانون ذاتها؛ حيث القانون هو مجموعة من القواعد استقرَّ عليها المجتمع لتنظيم أموره في مجال ما، ولا يمكن في الأصل تنفيذها، ما لم يلتزم بها الإنسان، أو المواطن في الدولة.

وهذا الالتزام بالقانون يتحقق إما من خلال الباعث الأخلاقي، أو من خلال سلطة الزجر، والتي من المفترض أنَّه لا تملكه سوى الدولة، والتي من وظائفها وفق قواعد "الحكم الرشيد" "Good governance"، ضمان تطبيق القانون بنزاهةٍ ومساواةٍ على جميع المواطنين في الدولة دونما تمييز، من خلال أدوات العنف المشروع، وهي بدورها وظيفةٌ احتكارية للدولة.

وفيما يتعلق بالنواحي الأخلاقية "Mortality" في نظرية الالتزام؛ فإنَّها تشمل أربع نوعيات من الأخلاقيات:

الأولى/ الأخلاقيات العليا: والتي تتعلق بالسياق النظري أو الافتراضي للأخلاقيات، ومرجعيتها، وكيف يمكن تحديد القيم الحقيقية لها.
الثانية/ هي الأخلاقيات المعيارية، والتي تعني الأساليب العملية لكيفية تحديد نمط أخلاقي فعَّال في المجتمع.
الثالثة/ الأخلاقيات التطبيقية: والتي تتعلق بكيفية إنزال الأخلاق على أرض الواقع، في المواقف المختلفة.
الرابعة/ الأخلاقيات الوصفية، أو الأخلاقيات المقارَنَة: وهي دراسة معتقدات وأفكار المجتمعات المختلفة فيما يتعلق بالأخلاق.

وبشكل عام؛ فإنَّ الأخلاق ونظرية الالتزام في القانون الوضعي، يمكن اختزالها بشكل غير مُخِلٍّ، بثنائية الحقوق والواجبات المعروفة.

في هذا الإطار، باعتبارها الشريعة الخاتمة، وشمولها، واكبت الشريعة الإسلامية هذا الأمر، وفق منظور إسلامي.

ووفق علماء الفقه والشريعة؛ فإنَّ "الالتزام" في الشريعة الإسلامية يعني كَوْن الشخص مكلفًا شرعًا بعمل أو بامتناع عن عمل لمصلحة غيره، أي أنَّ نظرية "الالتزام" في الشريعة الإسلامية، تساوي مفهوم "التكليف"، سواء بالفِعْل أو الامتناع عن الفِعْل.

"الالتزام" في الشريعة الإسلامية يعني كَوْن الشخص مكلفًا شرعًا بعمل أو بامتناع عن عمل لمصلحة غيره، أي أنَّ نظرية "الالتزام" في الشريعة الإسلامية، تساوي مفهوم "التكليف"، سواء بالفِعْل أو الامتناع عن الفِعْل

ووفق نظرية الحقوق والواجبات؛ فإنَّ "الالتزام" في الشريعة، يعني كل ما يجب على الشخص الوفاء به تجاه آخر، أي أنَّه يوازي الحق الشخصي للمواطن في الدولة.

ووفق هذا التعريف؛ فإنَّ "الالتزام" في الشريعة، له أربعة عناصر أو أركان، وهي: المُكلَّف أو المُلتَزِم، والمُلتزَم له، أي صاحب الحق، والشيء أو الأمر محل "الالتزام"، وموضوع "الالتزام"، أي كيفية التصرف في هذا الأمر أو الفعل.

ففي البيوع مثلاً؛ فإنَّ "الالتزام" يتضمن البائع (المُلتَزِم)، والشاري (المُلتَزَم له)، والشيء المُبَاع (محل "الالتزام")، وموضوع "الالتزام" هنا، هو التسليم، بمعنى أن يقوم البائع بتسليم المشتري الشيء المُباع، بينما يسلِّم المشتري ثمنه للبائع.

في المجال التطبيقي؛ يواجه المسلمون في المجتمعات العربية والمسلمة، وفي بلدان الأقليات والمهاجِر، إشكاليةً مهمةً، وهي تنازُع "التكليف" أو "الالتزام" لديهم، بين أحكام الشريعة، وبين القوانين الوضعية، والتي إما فرضها المستعمرون على البلدان العربية والمسلمة التي احتلوها، في العالم العربي والإسلامي، أو معمولٌ بها في البلدان التي يعيش فيها مهاجرون مسلمون أو أقليات مسلمة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّه لا حكمًا قاطعًا في هذا الصدد يمكن قوله، وإنْ كانت هناك بعض الدول التي تعمل بالقوانين الوضعية، وغالبيتها في عالمنا العربي تتبع القانون الفرنسي، قد خصصت قضايا الأحوال الشخصية لشريعة كل مجموعة دينية تعيش فيها، والمسلمون من بينها بطبيعة الحال، بينما لجأ مسلمو المهاجر، إلى التعامل المباشِر فيما بينهم من خلال المراكز الإسلامية، من دون المرور على مؤسسات الدول التي يقيمون فيها وهو ما مثَّل تخفيفًا من وقع هذه الإشكالية.

لكن تنصب المشكلة الأساسية على المعاملات المالية؛ فلا يمكن نهوض أنشطة اقتصادية واستثمارية سوية وفاعلة بعيدًا عن منظومة المؤسسات المالية والمصرفية المدنية لو صحَّ التعبير، ولو تمَّ تفادي نقطة الفوائد المصرفية التي لا يزال عليها إشكالٌ فقهيٌّ، من خلال قصر التعامل مع المصارف على التحويلات المالية فقط، أو التعامل مع المصارف الإسلامية؛ إلا أنَّه تبقى مجالات تعامل أخرى، لا يوجد لها بدائل فعالة.

وبطبيعة الحال؛ فإنَّ هذه المشكلة بحاجةٍ إلى بحثٍ من جانب الفقهاء والمفكرين المسلمين للبحث عن كيفية الموائمة بين مجتمع مسلم (أغلبية أو أقلية) يعيش في دولةٍ يعيش فيها أتباع دياناتٍ أخرى، مما فرض تبنِّي نمط الدولة المدنية المبنية في منظومة التشريع فيها على منظومة القوانين الوضعية، وبين متطلبات تطبيق المسلمين لشريعتهم.

وفي الأخير.. فإنَّه، ومن خلال ما كتبه فقهاء معاصرون، مثل مصطفى الزرقا (المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي)، ووهبة الزحيلي (الالتزام في الفقه الإسلامي)، فإنَّ نظرية "الالتزام" وفق منظور الشريعة الإسلامية، هي نظرية جامعة شاملة، تنتظم فيها جميع فروع الأحكام العامة الناشئة مِن الحق المالي إلى الحق العيني والحق الشخصي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

على هامش عُطْلَة “فيسبوك” ورفاقه.. الحروب السايبرانية وصراعات الرأسمالية الخفية!

كانت فترة الساعات القليلة التي تعطَّلتها مؤخرًا بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد تلك المرتبطة بمجموعة …