يا لحماقتهم! يعيبون ديننا ويطالبون بتجديده وهم لم يُجرِّبوه! (1-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » يا لحماقتهم! يعيبون ديننا ويطالبون بتجديده وهم لم يُجرِّبوه! (1-2)
islam-mosque2

قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3].

بكمال دين العبد تتم نعمة الله تعالى عليه كما تمَّت على الأمة كلها في حياة النبي ﷺ وإلى يومنا هذا، جزء من آية لو قارنا عدد كلمات هذا الجزء بكلمات الآية كاملة لكان (السُّدس) ولكنها كلمات موجزة قاطعة لا تحتمل تأويلًا ولا تفسيرًا غير معناها الظاهر الواضح الصريح الذي يفهمه الجميع.

إن دين #الإسلام قد اكتمل، والنعمة قد تمت، والله تعالى قد ارتضى الإسلام لنا دينًا، إذًا أي تحريف أو تعطيل في هذا الدين سيجعل منه مَسْخًا مختلفًا تمامًا لا ينفع أن يُقال عليه دين ولا يجوز الأخذ به ، وبالرغم من كل ما سبق، يخرج إلينا من الحين للآخر من يعيبون علينا ديننا ويُطالبون بتجديده زاعمين أنه نزل في عصر الخيمة والجمل ولم يعد مناسبًا لعصر الفضاء والتكنولوجيا، حسب زعمهم.

أولًا/ حقيقة أمر من يُطالبون بالتجديد في الدين

إن المطالبين بما يسمونه "الحداثة" أو "التجديد في الديني" إنما:

يريدون دينًا يوافق هواهم ولا يُكلفهم شيئًا!

يريدون دينًا شكليًا لا يتخطى أعتاب المساجد!

يريدون دينًا لا يزاحمهم في منتدياتهم ولا في تفاصيل حياتهم!

يريدون دينًا يترك لشهواتهم الحيوانية الجامحة ولأفكارهم الهدامة الباطلة العنان فلا وازع يردعهم ولا ضمير يؤنبهم ولا نفس سوية تأمرهم وتنهاهم.

يريدون أن نرقع دنيانا بتمزيق ديننا!

يقول الشاعر الجاهلي عُدي بن زيد:

نُرَقِّعُ دُنيانا بِتَمزيقِ دينِنا :: فَلا دينُنا يَبقى وَلا ما نُرَقِّعُ

إن المطالبين بما يسمونه "الحداثة" أو "التجديد في الخطاب الديني" إنما هم من أنزل الله تعالى فيهم قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}" إلى قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة:8، 16].

ثانيًا/ الرد على من يعيبون الدين الإسلامي ويطالبون بالتجديد فيه

إن الدين الإسلامي لا يُعارض التطور ولا يصطدم مع الحضارات بل يُشجع كل ذلك ويحث ويُثيب عليه، كما أن تاريخ علماء المسلمين الأوائل الذين برعوا في كل مجالات العلم والمعرفة، وعلَّموا العالم وما زال العالم ينهل من علمهم ومما توصلوا إليه إلى يومنا هذا، خير شاهد على ذلك!

عن عائشة أم المؤمنين وأنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "أنتمْ أعلَمُ بأمْرِ دُنياكُمْ" [صحيح الجامع]

ألا يعلم كل أخرق أرعن يحاول الترقيع في ثوب الدين أو يطالب به أن الله تعالى قد تكفَّل بحفظ دينه ولم يفوِّض غيره لهذه المُهمة، فأنى لهم أن يستطيعوا تغيير موضع حرف فيه أو حُكْم! قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9].

إن المطالبين بما يسمونه "الحداثة" أو "التجديد في الخطاب الديني" لا يعلمون أن الدين يحمل بداخله عوامل صلاحيته ونفعه وبقائه إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن يريد دليلًا على ذلك فليقرأ حول ذلك فسيجد ما يفيده.

اقرأ أيضاً: العوامل العشرة لبقاء الدين الإسلامي.

إن من يحاولون ترقيع ثوب الدين أو يطالبون بذلك ليأتوا بدين على هواهم سيغلبهم الدين بل سيفضحهم؛ لأنه كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري: "إن الدينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبَه".

ألا يعلم كل أخرق أرعن من هؤلاء أن الدين الإسلامي "من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله".

ألا يعلم هؤلاء أن الدين الإسلامي فتحت به الأمصار، وجثت عنده الرَّكب، ونهَل من مَنهله العلماء، وشرب من مشربه الأدباء، وخشعت لهيمنته الأبصار، وذلت له القلوب، وتلا كتابه العابدون الراكعون الساجدون!

وألا يعلم هؤلاء أن الله تعالى قد قالها حاسمة قاطعة: {... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85].

وألا يعلم هؤلاء أن الإسلام إذا حاربوه اشتد وإذا تركوه امتد والله بالمرصاد لمن يصد وهو غني عن من يرتد وبأسه عن المجرمين لا يُرد وإن كان العدو قد أعد فإن الله لا يعجزه أحد!

ثالثًا/ المقصود بالتجديد في الدين من وجهة نظر الشرع

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يبعثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها" [سنن أبي داود]، والمقصود بالتجديد في هذا الحديث هو إزالة ما علق بالدين من مُحدثات لا تتفق مع صريح الدين، ومن بدع وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى يعود الدين كما أنزله الله تعالى وكما ارتضاه لعباده، لا بدعة فيه ولا زيغ ولا ضلال.

التجديد هو إزالة ما علق بالدين من مُحدثات لا تتفق مع صريح الدين، ومن بدع وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى يعود الدين كما أنزله الله تعالى وكما ارتضاه لعباده، لا بدعة فيه ولا زيغ ولا ضلال

إن #التجديد المقصود في الحديث هو تجديد علاقة المسلمين بدينهم والاهتداء بهديه؛ لتحقيق الهدف الذي من أجله أنزل الله تعالى الدين ولا يعني تبديلًا في الدين ولا تغييرًا في الشرع، مع الأخذ في الاعتبار أن أحكام الدين ثابتة أما آراء العلماء فقد تتغير حسب مُتطلبات العصر ومُقتضيات الزمان والمكان والأحوال، وهذا في حد ذاته من عوامل بقاء الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان.

جاء في رسالة أمير المؤمنين عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قال له: "ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهُديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

قال الإمام ابن القيم في"إعلام الموقعين" شارحًا لهذه الرسالة:
"يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته، فإنَّ الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق، فإنَّ الحقَّ أولى بالإيثار؛ لأنه قديمٌ سابقٌ على الباطل، فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه قديم سابق على ما سواه، ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلاف، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول.

ويقول الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان):
"الأحكام نوعان: النوع الأول/ لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المُقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وُضع عليه.
والنوع الثاني/ ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانا وحالًا، كمقادير التّعْزيراتِ، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشارع يُنوِّعُ فيها بحَسْبِ المصلحة".

رابعًا/ من هم المنوط بهم أمر التجديد المقصود في الحديث؟

وللإجابة على هذا السؤال يقول الإمام ابن كثير "إن من يقوم بالتجديد المقصود هم حملة العلم في كل عصر"، وإن التجديد لا يأتي بهوى حاكم ولا بقرار حكومي، بل هو حصيلة جهود العلماء في مختلف مجالات العلم الشرعي والدنيوين ويكون التجديد من خلال الوعي الكامل لحقائق الدين، والفهم الدقيق لواقع الأمة .

خامسًا/ شبهات يجب إزالتها

1. حديث "مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ" [صحيح البخاري] المقصود هنا هو إحداث أمر لم يشرِّعه الله تعالى، أو ليس على هدي النبي ﷺ، مثل الثلاثة نفر الذين "قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا" [صحيح البخاري]، ففعل هؤلاء الثلاثة من الرهبانية التي نهانا عنها الشرع، وأمثلة أخرى كثيرة.

2. حديث: "وإيّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإِنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" [أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه] البدعة الضلالة المقصود بها التعديل في الأمور التوقيفية التي جاء بها الشرع والتي لا تقبل الزيادة فيها ولا النقصان منها ولا التعقيب عليها، مثل (عدد ركعات الصلاة وكيفيتها، مناسك الحج، ومقدار أنصبة الزكاة... إلخ).

جاء في كتاب (مناقب الشافعي للإمام البيهقي) أن الإمام الشافعي قال: "المحدثات ضربان؛ ما أحدث يُخالف كتابًا أو سُنةً أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه مُحدثة غير مذمومة".

3. حديث: "مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسَنةً... ومَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً" (رواه أحمد)
إن المقصود ب "سُنة حسنة" هو إحياء ما غفل الناس عنه من السنن الشرعية، أو الإتيان بما يُعين على أداء الفرائض والسنن مثل (حامل المصحف - المصحف الإلكتروني... الخ) بحيث لا يصطدم أي شيء من ذلك بقاعدة شرعية ثابتة.
والمقصود ب "سنة سيِّئةً" هو عدم حث الناس على إتيان السنن الشرعية أو التمسك بها، أو السكوت عن غفلتهم وتقصيرهم في ذلك، أو الإتيان بما يصطدم بقاعدة شرعية ثابتة.

4. حديث: "نِعمَ البدعةُ هيَ" [صحيح ابن خزيمة] سماها بدعة من حيث اللغة لا من حيث الدين، فالبدعة في اللغة ما كان على غير مثال سابق، وإن الفاروق عمر - رضي الله عنه - لم يبتدع أمرًا جديدًا في الدين، ولكنه حث على شيء فعله النبي ﷺ من قبل (وهو جمع الناس على صلاة التراوح في جماعة)، ولكنه ﷺ لم يواظب على ذلك في جماعة خشية أن يُفرض عليهم ولا يطيقونه.

سادسًا/ مكر يهودي وفطنة راعي الغنم

يُقال إن أحد اليهود مرّ على قرية مُسلمة وأراد أن يُلقي "بشبهات" على علمائها ولكنه قبل بلوغ القرية وجد راعي غنم مسلم فقال اليهودي في نفسه دعني أبدأ بهذا الراعي الجاهل وأشككه في إسلامه، واقترب اليهودي من الراعي المسلم وأظهر له أنه مسلم وعابر سبيل، وبعد الجلوس معه بعض الوقت قال اليهودي لراعي الغنم: ألا ترى أننا كمسلمين نجد في حفظ القران مشقة شديدة؛ لأنه يتكون من ثلاثين جزءا وفيه آيات كثيرة متشابهة، فلماذا لا نحذف المتشابه منها؟ لأنها بلا فائدة وإنما تكرار للكلام فقط!

ثم أردف اليهودي قوله وهو يبتسم ابتسامة ماكرة، وبعد ذلك الحذف ستقل عدد أجزاء القرآن وسيسهل علينا حفظه ومراجعته؟ كل هذا الوقت والراعي يستمع بإنصات لليهودي، فلما فرغ اليهودي من كلامه قال له الراعي: كلامك يا هذا جميل ومُقنع! هنا فرح اليهودي الخبيث فرحًا شديدًا لظنه أن الراعي سقط في حِباله، ولكن راعي الغنم أكمل بقوله: لكن لدي سؤال: أليس في جسمك أنت أشياء متشابهة لا فائدة منها مثل يدين اثنتين، وقدمين، وأذنين، وعينين، ومنخرين؟ فلماذا لا نقطع كل هذه الزيادات المتشابهة ليخف وزنك وليستفيد جسمك مما تأكل بدلًا من أن يذهب غذاؤك لأشياء في جسمك متشابهة لا فائدة منها؟ كما أنك سترتاح من حمل أشياء متشابهة في جسدك لا فائدة من تكرارها!

هنا قام اليهودي وحمل متاعه وقد اسْوَدَّ وجهه وعاد من طريقه يجر أذيال الحسرة والخيبة وهو يردد ويقول: ألجمني رد راعي أغنامهم فكيف بردّ علمائهم.

إن هذه القصة تعلمنا أن التدين لا علاقة له بمؤهلات ولا بشهادات ولا مقامات ولكن بما وقر في القلب وصدَّقه العمل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

عندما ينتصر أهل الباطل ولا يزداد أهل الحق إلا اختلافا وتعاديًا!

إنه من الأسلم والأدق والأليق أن نقول: انتصر أهل الباطل على أهل الحق، ولا نقول: …