“يسألونك عن” المُصالحة (2-2)

الرئيسية » بأقلامكم » “يسألونك عن” المُصالحة (2-2)
6c8260395-130712-egypt-brotherhood-02.nbcnews-ux-2880-1000

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن إن المراقب للأحداث يجد أن النظام المصري بما فعله في فض ميداني رابعة والنهضة قد جعل المواجهة بينه وبين أصحاب الشرعية مواجهة "صفرية" أو مواجهة "تكسير العظام".

وذكرنا بعض النقاط التي من شأنها أن توضح الرؤية أمام كل مُخلص، ويمكن البناء عليها أثناء الحديث عن المصالحة، وأثناء الحديث مع المكلومين الذين يريدون مخرجاً لعشرات الآلاف من المعتقلين وخاصة النساء منهم والمرضى.

وذكرنا أقوالاً للسابقين من رموز الدعوة الإسلامية من شأنها أن توضح معالم الطريق وطبيعته، ومعالم مواجهة أهل الحق مع أهل الباطل وطبيعتها.

أحبتي في الله

يقول الشيخ المجاهد أحمد ياسين رحمه الله: "القوي مها كان قوياً فإن فيه نقطة ضعف، والضعيف مهما كان ضعيفاً فإن فيه نقطة قوة، فإذا التقت نقطة القوة عند الضعيف بنقطة الضعف عند القوي انتصر الحق على الباطل" اهـ.

إن هذا يُوجب علينا أن نؤمن بقضيتنا وغايتنا، وأن نحفظ إيماننا، وأن نحافظ على أخوتنا، وأن نصبر على مشقات طريقنا، وألا نجعل للشيطان مكاناً بيننا، لأن صاحب الحق لابد له من قضية سامية تشغله، وغاية نبيلة تدفعه، وأخوة صادقة تدعمه، وزاد من التقوى يُقوِّيه، فيُقبل ولا يُحجم، ويكر ولا يفر، ويؤثر ولا يتأثر. إن هذه هي عدتنا الأساسية التي يفتقر إليها خصمنا والتي يحاربنا من أجلها، لأنه وإن بدى منتفشاً قوياً إلا أن انتفاشه يحمل في طياته خواء روحياً، وصراعاً نفسياً، وشتاتاً ذهنياً، وفحشاً ومنكرات، وفساداً وموبقات، وسيُؤتى من هذا الجانب بإذن الله تعالى فحاشاه سبحانه أن يمكِّن لمن كانت هذه صفاته، وحاشاه سبحانه أن يتخلى عن عباده الصالحين.

أحبتي في الله
لنكن جميعاً على يقين أن خصمنا يحمل بين جنبيه عوامل هلاكه فهو ما وجد باباً للخير إلا حاربه وأغلقه، وما وجد باباً للشر والفساد والرذيلة بل والخيانة إلا شجعه وأيده وتبناه، وهذا كفيل بإذن الله تعالى أن يؤتي الله بنيانه من القواعد، وأن يخر عليه السقف من فوقه، ولنوقن أن الله تعالى يُملي للظالم حتى يستنفذ رصيده من الرحمة، وحينها ينزع الله ستره عنه، ويفضحه أمام أنصاره ومؤيديه والمخدوعين فيه بل وأمام كل الخلائق، ثم يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر فلا يكون له رحماء ولا شافعين، ويشفي بهلاكه صدور قوم مؤمنين.

أحبتي في الله
إن مهمتنا الأولى الآن والتي هي من أصل ديننا وصلب دعوتنا هي أن نبذل قصارى جهدنا في أن نبصِّر غيرنا بحقيقة عدونا وبحقيقة الصراع بيننا وبينه وأنه ليس صراعاً سياسياً بقدر ما هو صراع عقائدي، حتى ينفض الناس من حول الباطل وأهله ويلفظونهم لفظ النواة، وحتى نفكك هذا الدرع البشري الذي يتحصَّن به الباطل ويعتبره مصدر قوته وسبب وجوده.

أحبتي في الله
إن نجاحنا في فضح النظام سيُنهكه وسيفقده توازنه وصوابه بل وسيُعريه ويُفقده مصداقيته أمام المخدوعين فيه فيصبح كالثور الهائج في سوق الفخار، أو كالفأر المذعور الذي اشتعلت فيه النار.

أحبتي في الله
اعلموا أنه إذا فاض الكيل، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن المؤمنون بالله الظنونا، حينها سيرفرف النصر فوق الرؤوس وأن فرج الله تعالى آت لا محالة، "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا".

أحبتي في الله
إن كلامي هذا ليس مزايدة في الحديث ولا تنصل من واجب ولا لضعف حجة ولكن لكي نزن الأمور بميزانها الصحيح ولكي نظل على النهج دون تغيير ولا تبديل، وأن نحتكم للشرع وفقه الواقع دون هوى ولا عاطفة، ودون إفراط ولا تفريط.

كلمة لابد منها إلى أهلينا وأحبتنا

أهلنا وأحبتنا
إلى أهلينا وأهل من هم تحت سطوة المعاناة دعوني أزف إليكم بعض ما يشرح الصدور لِما ينتظركم من الأجر جزاء إيمانكم وصبركم وثباتكم وحسن ظنكم بربكم.

أهلنا وأحبتنا
لنعلم أن رحمة الله تعالى التي أدركت أنبياء الله عليهم السلام جميعاً لن يحجبها الله تعالى عن كل من سار على دربهم إلى يوم القيامة، ورحمة الله التي ربط بها على قلب أم موسى لن يحجبها الله تعالى عن قلوب كل الأمهات، واليقين بالله الذي ملأ الله تعالى به قلب يعقوب لن يحجبه عن قلوب كل الآباء، وهذه هي ثقتنا بالله التي لا يجب أن تتزعزع ولا أن تغيب عن أذهاننا.

جاء في البداية والنهاية: "روى ابن عساكر عن عكرمة، أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته: يا بُني إني أريد أن أجيء إليك فأدع الله أن ينجيني من حر النار حولك.. فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت" اهـ.

أهلنا وأحبتنا
بشراكم بين يدي ربكم بما تقدمون الآن من صبر واحتساب وجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم بل وبفلذات أكبادكم فكل ذلك يجدد إيمانكم بل ويحفظه من الفساد والنقصان.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَن لقيَ اللهَ بغيرِ أثَرٍ من جِهادٍ؛ لقيَ اللهَ وفيه ثُلمةٌ" (حسنه الألباني).
* ومعنى ثلمة: شرخ أو نقصان.

أهلنا وأحبتنا
إن شقاء الدنيا كله سيُنسى عند أول غمسة في الجنة بل سيود أهل العافية الذين لم يبتليهم الله تعالى في الدنيا أن لو كانت جلودَهم قد قطعت بالمناشير.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "يودُّ أَهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطى أَهلُ البلاءِ الثَّوابَ لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمقاريضِ" (صحيح الترمذي).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ " (صحيح الترمذي).

أهلنا وأحبتنا
لا يجب أن تنسينا مرارة الأحداث وقسوتها أن من أركان الإيمان "الإيمان بالقدر خيره وشره".

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "... ولو كانَ لكَ مثلُ أحدٍ ذهبًا أو مثلُ جبلِ أحدٍ ذهبًا تنفقُهُ في سبيلِ اللَّهِ ما قَبِلَهُ منكَ حتَّى تؤمِنَ بالقدرِ كلِّهِ فتعلمَ أنَّ ما أصابكَ لم يكن ليخطئَكَ وما أخطأكَ لم يكن ليصيبَكَ وأنَّكَ إن متَّ على غيرِ هذا دخلتَ النَّارَ" (صحيح ابن ماجه).

أهلنا وأحبتنا
إنكم بتحملكم للأذى وبانتظاركم للفرج في رباط فلا تفسدوا ثواب رباطكم بسخط ولا جزع ولا تشكِّي بألفاظ تحجب الثواب أو تنقصه.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ تعالَى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضا، ومن سخطَ فله السُّخْطُ " (صحيح الترغيب).

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "رباطُ يومٍ في سبيلِ اللَّهِ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواهُ منَ المَنازلِ" (صحيح النسائي).

أهلنا وأحبتنا
إن أي صاحب مصيبة أو بلوى يظن أن مصيبته هي أم المصائب ولكنه لو اطلع على مصيبة غيره لهانت مصيبته بل ورضي بها، فالأم التي تزور ابنها في محبسه من خلف الأسلاك، هناك غيرها من الأمهات من تزور ابنها في العناية المُركزة من خلف الزجاج.

أهلنا وأحبتنا
إن من يسمع كلمة المصالحة مع النظام قد يتصور أن السجناء والمعتقلين سيخرجون دفعة واحدة، وأن السجون والمعتقلات ستكون خاوية على عروشها بين عشية أو ضحاها!

إن النظام لا يفكر في ذلك البتَّة، فالمعتقلون بالنسبة للنظام هم الدرع الوحيد الذي يحتمي خلفه، والمعتقلون بالنسبة للنظام هم النشطاء وبعض الصحفيين فقط، والدليل على ذلك أن النظام الأمريكي عندما لوَّح بورقة المعتقلين كورقة ضغط ضد النظام المصري لم يركز إلا على 16 اسماً فقط!! والنظام الذي يلمِّح بالمصالحة لم يتوقف عن الاعتقالات ولا عن بناء السجون! وصدق من قال: "مُخطيء من ظن يوماً أن للثعلب ديناً".

أهلنا وأحبتنا
هل جربتم على هذا النظام صدقاً قط!! إنه يتنفس الكذب ويتغذى على الخيانة فلا تنخدعوا بكلامه فإنه يتلون تلون الحرباء، وصدق الفاروث عمر رضي الله عنه حين قال: "لست بالخب -المخادع الغادر- ولا الخب يخدعني".

أهلنا وأحبتنا
إن الأمور تجري بمقادير، وقدر الله غالب لا محالة فعلينا أن نؤمن بقضاء الله ونرضى بقدره، ولا ننسى أن الوجوه الكالحة التي حكمت دول الربيع العربي سقطت معظمها في عام واحد، ولا ننسى كذلك أنه لو خرج علينا أكبر المتفائلين وقال بسقوطهم بهذه السرعة لوُصِف بالجنون! "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {200}" (آل عمران: 200).‏

ختاماً أقول
إن قول النبي ﷺ: "صبرًا آل ياسرٍ ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ" موصول إلى أمثال آل ياسر إلى يوم القيامة.

ومشهد بلال رضي الله عنه وهو يُعذب على الرمال المُحرقة في بطحاء مكة، موصول ومتكرر مع أمثال بلال إلى يوم القيامة.

وقول النبي ﷺ للخباب رضي الله عنه : "كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ" (صحيح البخاري)، كل ذلك موصول لأهل الحق القابضين على الجمر إلى يوم القيامة.

وقول النبي ﷺ لصُهَيْبِ بنِ سنانٍ الرُّوميِّ رضي الله عنه " ربحَ البيعُ صُهَيْبُ ربحَ البيعُ صُهَيْبُ"، موصول لكل من ضحى بماله وخاطر بحياته من أجل دين الله، إلى يوم القيامة.

إن تكرار هذه المشاهد إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يزيد الإسلام إلا قوة، ولا يزيد أصحابه إلا عزة، ولا يزيد الأجيال إلا تماسكاً وتمسكاً بالحق والتضحية من أجله فتظل سلسلة التضحية من أجل الدين قوية صلبة عصيَّة على كل أعداء الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأقول
أقولها من باب التحدث بنعمة الله تعالى أن كاتب هذه السطور يعيش معاناتكم من أول لحظة وليس ممن حِيزت لهم الدنيا بحذافيرها ولا معشار ذلك، وإنما أذكر ذلك حتى لا يدور بذهن أحدكم أن كاتب هذه السطور يتحدث من فراغ أو أنه لم يجرِّب ألم الفقد والحرمان أو أنه لم يتجرع مرارة المعاناة بكل ما تحمله كل هذه الكلمة من معنى.

اللهم بصِّرنا بعواقب الأمور حتى لا يطمع فينا عدو ولا يُساء بنا صديق

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟

قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " …