السبيل القويم لدفع وساوس الشيطان الرجيم (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » السبيل القويم لدفع وساوس الشيطان الرجيم (2-2)
Rosary and sunset.

تحدثنا -بفضل الله تعالى- في الجزء الأول من هذا الموضوع عن عدة نقاط، وهي:-

تعريف الوسوسة، وأنواعها، وسببها، كما تحدثنا عن بعض الوصايا النبوية لدفع الوسوسة.

وفي هذا الجزء سنتحدث بإذن الله تعالى عن:-

خامساً: طرق علاج وساوس الشيطان

كما قلنا أن الوسوسة من مداخل الشيطان التي تُحزِن المُبتلى، وتلبس عليه عبادته، وتفسد عليه خشوعه، وتفعل به الأفاعيل، ولكن أمام الإيمان القوي بالله تعالى والعزم الأكيد على التخلص من الوسوسة يتعافى المرء بإذن الله تعالى، وهناك طرق كثيرة لعلاج هذا البلاء، نذكر منها:-

1- أن يسلك المُبتلى كل ما يستطيع من سُبل تقوية الإيمان، وأن يعزم عزماً أكيداً على دفع ما بنفسه من وساوس، وأن يلجأ إلى الله تعالى لجوء المُضطر أن يصرف عنه ما يجد ويُحاذر، كل ذلك وهو يستشعر قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء).

2- أن يعلم المُبتلى أن ما يُعانيه إنما هو ابتلاء من الله تعالى وأن ما يُعانيه قد أصاب بعض الأخيار من قبله ومن بينهم بعض الصحابة رضي الله عنهم، كما ورد في الأحاديث التي سبق ذكرها، وعِلم المبتلى بذلك يزيده إصراراً على مدافعة ما بجد، ويزيده تمسكاً بإيمانه وعدم الشك فيه.

3- أن يعلم المُبتلى أن بُغضه وكُراهته لما يُعانيه من وساوس، وإصراره على مدافعتها إنما ذلك صريح الإيمان وأنه مأجور على مُجاهدته لتلك الوساوس حتى تزول عنه، وأنه كلما زاد إصراره على دفعها كلما زاد أجره.

يقول العز بن عبدالسلام رحمه الله: "دواء الوسوسة أن يَعتَقِد أن ذلك خاطرٌ شيطاني، وأن إبليس هو الذي أورده عليه، وأن يقاتله، فإن له ثواب المجاهد؛ لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فرَّ منه" اهـ.

ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "للوسواس دواء نافع هو الإعراض عنه جملة، وإن كان في النفس من التردُّد ما كان، فإنه متى لم يلتفتْ لذلك، لم يثبت، بل يَذهَب بعد زمن قليل، كما جرَّب ذلك المُوفَّقون، وأما مَن أصغى إليها، فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم، كما شاهدناه في كثير ممن ابتلوا بها، وأصغوا إليها وإلى شيطانها" اهـ.

4- أن يعلم المُبتلى أنه ليس وحده الذي يعاني هذا الأمر، فالوسواس يعرض لكثير من الناس في العبادات حتى يشك المُبتلى هل كبَّر تكبيرة الإحرام أم لم يُكبِّر؟ وهل قرأ الفاتحة أم لا؟ وهل نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة أو لم يغسله... الخ، وكل ذلك يزول بالاستعاذة وعدم الاسترسال في التفكير، كما يزول بمخالفة ما يجده الإنسان من وساوس والعمل بعكسها، وأن يبني الإنسان عبادته وتصرفاته كلها على اليقين وليس على الشك فالقاعدة الفقهية تقول بأن "اليقين لا يزول بالشك".

إن على المُبتلى بالوسوسة أن يبني تصرفاته وأفعاله وعبادته على اليقين والكمال إلى أن يتمكن من دحر شيطانه والتغلب عليه.

إن الشيطان إذا وجد من الإنسان قوة وثباتاً في هذا الأمر خنس وولى مهزوماً مدحوراً، وإذا وجد الشيطان عكس ذلك والعياذ بالله زاد في وسوسته وساق الإنسان إلى دوامة آخرها فقدان لذة العبادة وهذه هي التهلكة والعياذ بالله.

يقول الإمام ابن القيم في (الفوائد): "واعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، فردها من مبادئها، أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها" اهـ.

5- أن يصبر المُبتلى على ذلك ويحتسب، ويعلم أن في هذا البلاء وما يصحبه من بُغض وغضاضة في النفس تكفير لسيئاته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ" (صحيح البخاري).

6- أن يُكثِر المُبتلى من ترديد ما ورد من آيات الاستعاذة، وما ورد من هدي نبوي في دفع الوساوس، فالشيطان يخنس عند الذكر ويتلاشى عند دوام الذكر.

7- أن يُوقن الإنسان تمام اليقين في قوله تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، وأن سهام المسلم وأسلحته أمام هذا االكيد الضعيف إنما يكون بكثرة الذكر، والمحافظة على تلاوة القرآن والأوراد والسنن الراتبة، والرقية الشرعية وقراءة آيات السكينة، وقد ذكرت آيات السكينة في ستة مواضع من القرآن الكريم، وهي:- (البقرة: 248 - التوبة:26 - التوبة:40 - الفتح:4 - الفتح: 18 - الفتح: 26 ).

8- أن يُوقن المُبتلى أن مقصود الشيطان من الوسوسة هو أن يُلبس عليه عبادته، وأن يُصيبه بالهم والحزن، وأن يُحمِّله ما لا يطيق حتى يستثقل العبادة ويفتر عنها أو يهجرها فيصبح الإنسان والشيطان في هذا الجانب سواء والعياذ بالله.

9- أن يوقن المُبتلى أن الله تعالى لا يُحاسب عباده على تقصيرهم الناشئ عن الجهل والخطأ أو النسيان، وأن إعادة العبادة أو تكرارها ابتداع في الدين وضلال عن الحق.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ تعالى وضع عن أُمَّتي الخطأَ، و النسيانَ، و ما اسْتُكرِهوا عليه" (صحيح الجامع).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا، ما لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بهِ" (صحيح مسلم).

10- أن يعرف المبتلى أن الدين يُسر وأن الله تعالى لا يُكلِّف عباده ما لا يطيقون، وأن يتعرف على السنن والرخص التي امتن الله تعالى بها على عباده كغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء أو عدم وجوده، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وأن اليقين لا يزول بالشك، وغير ذلك الكثير والكثير لمن يريد أن يعلم وأن يتعلم.
11- أن يشغل المُبتلى وقته بما هو نافع ومفيد، وأن يتجنب الوحدة والعزلة، وكذلك عليه أن يتجنب جلساء السوء.

12- أن يُوقن المُبتلى أن الله تعالى سيعافيه وأنه سيخرج من هذا الابتلاء أقوى إيماناً وأرسخ يقيناً وأكثر قدرة على مواجهة الشيطان وإبطال كيده الضعيف، إن شاء الله تعالى.

أخيراً أقول:

أخي المؤمن الذي ابتليت بالوسوسة: خذ عني هذه النصائح واعمل بها وستجد كل خير إن شاء الله تعالى.

1- هوِّن عليك همَّك وحُزنك، ولا تشك في إيمانك لحظة ولا تفرِّط فيه نتيجة لما تجد من هواجس ووساوس من عدوك الأول إبليس لعنه الله.

2- ضع في يقينك أن الشيطان الرجيم حين يوسوس لك فإنه يفعل ذلك ليس حرصاً على صِحَّة عبادتك بل حرصاً على إفسادها وأن سبيلك الوحيد لمواجهته هو عصيانه وعدم اتباع أمره.

3- الصلاة مُفتاحها التكبير (مرة واحدة) وختامها التسليم، والوسوسة ليست من قواطع الصلاة، والمُغالاة تفسد الخشوع.

4- استشعر حال من عرف عنهم الخشوع في الصلاة..

- فهذا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان يُصلي بجوار الكعبة وأحجار المنجنيق التي يرمي بها الحَجَّاج تمر من عن يمينه وشماله.
- وهذا عروة بن الزبير رضي الله عنه أصاب رجله خبث فقرَّر الأطباء قطع رجله، فقال اقطعوها وأنا في الصلاة فقطعوها وهو يُصلي.

- وهذا عبَّاد بن بشر رضي الله عنه رُمي بثلاثة أسهم وهو يُصلي فلم يقطع صلاته.

5- الوسوسة ابتلاء ومرض، والمريض من أصحاب الأعذار حتى يُشفى فهوِّن عليك ولا تحمِّل نفسك ما لا تطيق.

6- ضع في ذهنك أن الله تعالى لو حاسبك كما تبالغ أنت في حساب نفسك ما تقبل منك عبادة.

7- ضع في يقينك أن الوساوس تقف حائلاً بينك وبين ربك، وتحرمك لذة مُناجاته.. فماذا أنت فاعل!!

8- استعن بالله ولا تعجز واجعل نيتك هي أن تجتاز هذه العثرة في أقل وقت وستجد الله تعالى خير المُوفق لك وخير المُعين، وأكثر من ذكر قوله تعالى: "وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ {97} وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ {98}" (المؤمنون: 97 - 98 ).

عافانا الله وعافاكم وجنبنا وإياكم وساوس الشيطان وهمزاته ورزقنا الله وإياكم لذة مناجاته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

“تربيتي… مسؤوليتي” – المفهوم والآليات

مقدمة تسعى الحركة الإسلامية منذ نشأتها على يد الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله …