كيف تعرض الفتاة نفسها على من تعجب به؟

الرئيسية » بصائر تربوية » كيف تعرض الفتاة نفسها على من تعجب به؟
global-love-day-1091x520-c

من آثار الاقتداء بنهج أمنا السيدة خديجة الطاهرة المطهرة -رضي الله عنها- أن تسعى الفتاة لمفاتحة رجل مال قلبها إليه ورغبت في الزواج منه، وهذه بادرة لا مانع منها شرعًا لكن ثمة اعتبارات وأساليب حتى لا تفضي لمآخذ شرعية أو عرفية، ومن المهم كذلك أن نستحضر أنها –عليها الرضوان– أقدمت على المفاتحة وعرض نفسها بعدما توثّقت ممن تَخطِب لنفسها وسألت عنه من يخبر حاله ويصدق في شهادته، وكانت هي نفسها –عليها الرضوان– ذات أهلية وحكمة وحسن نظر.

أما نهج التربية في عصر اليوم فهو يثمر شخصيات غير مؤهلة للنظر في شأن نفسها بنفسها، ولا قادرة على حسن موازنة عواقب الأمور، وتعميها عين الهوى –غير الناضج غالبًا– عن رؤية الحقائق على وجهها، لذلك يُستحسن سؤال واستشارة من يُرتضى حكمهم ومشورتهم في أخلاق وأهلية الرجل المعنيّ، قبل الإقدام على مفاتحته.

نهج التربية في عصر اليوم يثمر شخصيات غير مؤهلة للنظر في شأن نفسها بنفسها، ولا قادرة على حسن موازنة عواقب الأمور، وتعميها عين الهوى – غير الناضج غالبًا – عن رؤية الحقائق على وجهها

ثم إذا اطمأنت صاحبتنا لأهلية من مالت إليه ودلائل كفاءته، لم يعد من حقيقي وواقعي لمعضلة التعلق عندها سوى بمقاربة الطَّرف المُتَعَلَّق به، وبناء على عدد من التجارب لا يسع المقــــام بيانها، فأفضل وسائل المفاتحة مأمونة العواقب لحد كبير هو اتخاذ وسيط مؤتمن ثقة ذو حكمة وكِياسة (أي دبلوماسي الأسلوب)، يُفَضَّل أن يكون على صلة شخصيّة بالطرفين (ويمكن ألا يكون)، يَسأل المرغوبَ عن رأيه في الزواج عامة ومدى استعداده له، ثم يسأله عن ميله لواحدة معيّنة في باله، فإذا وُجِدَت كان بها ويُغلَق النقاش، وإن لم توجد يُرشِّح له اسم من يتوسّط لها كأنه يقترحه عليه من تلقاء نفسه باعتبارها أَبدَتْ استحسانًا لشخصه، وعلى الوسيط ألا يُبيّن أنه مدفوع من طرف الشابة أبدًا ولو أظهـر الآخر قَبولًا، فإذا تمّ تأكيد القبول من طرفه يمكن عندها وصله بوليّها أو شخص مختار من أهلها ليمهّد ويُشرِف على التعارف بينهما، وهدف تلك المقاربة ليس بالضرورة تحصيل موافقة من الطرف المرغوب، بل ببساطة تخليص المتعلّقة من علائق الوهم وتلاعب التعلق بها، لذلك ينبغي الوضع في الحُسبان أن كلا الردّين وارد ومحتمل (القبول أو عدمه).

أما إذا كان من مال قلبك إليه ممن لا يسعك الطمع في تيسّر زواجك منه، لسبب متعلق بك أو به، فوقتها يكون مبدأ الخلاص من علقته بقطع التواصل المباشر وغير المباشر فورًا، دون أي تحجج بكونه قريبًا أو معلّمًا أو طيّبًا أو "مفيدًا" لك من أي وجه، ويدخل في ذلك متابعة حساباته وتدويناته وأخباره وبرامجه... إلخ، ثمّ راجعي ما سبق بيانه في مقالة "التعلق القلبي"، والتفتي لسبل إشغال نفسك بما يصلحها وتصلح له، ورأس كل أمر دوام دعاء الله تعالى واستخارته، فلعلّه يهيئ لك الأسباب من حيث لم تكوني تحتسبين، أو يصرف قلبك عمّن كنت تظنين أنك لا تنفكّين عنه! وإن فضل الله واسع فلا معنى لتحجيره، والقلوب بيد خالقها وهو الأعلم من يصلح لمن، ولا أحد يستحوذ على نصيب غيره.

ومهما لبّست الفتاة على نفسها أسباب تعلقها بشاب لم يصارحها برغبة ارتباط واضحة، كأن تقول إنها تحبّه لتدينه وتطمع فيه زوجًا يعينها على أمر الله وغير ذلك من حجج ظاهرها الحق ومنتهاها لباطل، فليس ذلك من أمر الله في شيء، وإنما الله يأمر بالعدل والإحسان والصراط المستقيم وإتيان البيوت من أبوابها والبعد عن تعليق القلب تعاليق عبثيّة، فكم من قلب ألهته صورة وأسره صوت، فهو عن صلاته في شغل وعن ربه في سهو، وما يزال بصاحبه يذله ويؤلمه ويخدعه أنه مكابد في سبيل الله! والأجنبي الوحيد الذي يَحِقُّ للمرأة أن تفكر فيه بوصفه زوجًا محتملًا هو المتقدم علانية، ومهما بدا لها من خيرية شخص ما وإعجاب منه بكِ، فإن هذا لا يقدح في كونه حقًّا على خير، ولا يقدح كذلك في كونها مستحقة للإعجاب وذات أهلية للزواج، لكن طالما الطرف الآخر لم يتقدم صراحة، فإما أنه غير قاصد للزواج ولا ساعٍ إليه، بغض النظر عن أسبابه وموانعه التي ليس من اختصاصك تأويلها، فإما أن تكوني البادئة بالمفاتحة على النهج السابق توضيحه، وإما أن تصوني قلبها عن الإغراق في هذا البحر المظلم.

طالما الطرف الآخر لم يتقدم صراحة، فإما أنه غير قاصد للزواج ولا ساعٍ إليه، بغض النظر عن أسبابه وموانعه التي ليس من اختصاصك تأويلها

وإن كل مؤمن مُكَرَّم بهذا الدين العظيم وفهمه القويم، يعلم أنه لا سبيل في ديننا لمعايشة ممارسات الحب والشهوة بالحلال بين أجنبيين سوى الزواج، وأنّ ما عدا ذلك من سبل لا تؤدي إليه صراحة ومباشرة فهي سبل نبتها شيطاني ما لها من قرار، مهما تلبَّست ظاهريًا بلباس الملائكية ونبل المشاعر وصفاء المودة، وقد ثبتَ بالتجارب والخبرات المنقولة والمسموعة يوميًّا أن الغارق في بحور التعلق القلبي على بصره غشاوة وفي أُذُنه وَقْر، فهو يتهيّأ من عند نفسِه لنفسِه ويتوهّم مما يتراءى له صدق محبة الطرف الآخر ورسائله الخفية، فيعيش على وهم انتظار المفاتحة بينهما أو يكتفي بعيش "حالة حب" ضمنيّة، وإنما من شاء وصالًا كريمًا بقلب كريم فلن يذلّ كرامته بل سيصونها ويأتيه على نور الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك من سُنَن وسُبُل فمهما أُلْبِس ألف حلة من الجمال والخيال والأماني فهو عارٍ من كل خير على الحقيقة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …