مآخذ في مناهج المجموعـات العلاجـية

الرئيسية » بصائر تربوية » مآخذ في مناهج المجموعـات العلاجـية
terapia-de-grupo-historia

المجموعة العلاجية أو العلاج الجماعي Group Therapy يجتمع فيه عدد من الأفراد يعانون من نفس المشكلة أو يواجهون إشكالات في نفس المجال، ليتشاركوا خبراتهم الوجدانية والعملية من باب التنفيس من جهة، ومن باب التوصل لمقترحات حلول من جهة أخرى، وبدأ هذا النهج فرعًا عن وسائل العلاج النفسي، ثم توسع ليعقد في مختلف المجالات بمختلف الدوافع، ولا يعتمد في ترتيبه سوى على اتفاق مجموعة الأفراد المعنيين.

وقد ذكرنا في مقالة سابقة خطر الجمع بين الجنسين في مثل تلك المجالس، خاصة وأنّ الجمع بين الجنسين في أيّ سياق عامّة كفيل بإحداث نوع من توزيع الانتباه اللاواعي والتلقائي بالضرورة، فإذا زادت مؤثرات شخصنة السياق ومهيّئات الإحساس بالأُلفة والحميميّة فيه Intimacy، زاد احتمال التباس المشاعر الشخصية واستقبال رسائل خاطئة بين الجنسين بنسبة 90% على الأقل أكثر مما بين أفراد الجنس الواحد، فلا يمكن أن تخطئ امرأة – مثلًا - شعور التعاطف من امرأة أخرى، لكنها يمكن بسهولة أن تخطئه على أنه نوع انجذاب خاص حين يكون من رجل، وبالمثل، لا يثير ثناء رجل على رجل أو نظرة تفاهم معه ما يثيره فيه ثناء امرأة ونظرة منها، من مشاعر وأحاسيس ورسائل ضمنية لا تتصل بالسياق ولا تحتملها أهدافه.

وفيما يلي نعرض لمأخذين آخرين في المناهج التطبيقية التي تتبعها مثل تلك المجالس غالبًا، وجدير بالتنويه بداية أن الكلام في هذا المقام لا يُعنى بحُسن أو سوء نيّة المجتمعين، فذلك أمره إلى الله تعالى؛ وإنما الكلام على شناعة المنهج وبؤس التطبيق اللذَيْن لا تشفع لهما ولا تُقوِّمهما مجرّد النية الحسنة.

أولًا/ مآخذ على الإشراف التوجيهي:

لا بد لمثل هذه الاجتماعات من مُشرف أو موجّه، مختصّ بالمجال أو على الأقل عالِم فيه بقَدرٍ يفوق من حوله، ويكون قدر علمه ذاك راسخًا وحقيقيًا، ومتكاملًا مع تصور شرعي واضح عنده للمسألة، ومثال ذلك تناول مشكلة نفسيّة ذات صلة بالشهوة الجنسية، بما يتطلب بالإضافة للجانب العلمي (الفيزيائي النفسي) المعرفة الراسخة بالأحكام الشرعية والفكر التزكوي وما يتعلق بالتصوّر الشرعي إجمالًا للجنس والشهوة، ولا بدّ مع التمكّن العلمي للمُوجِّه من قدرٍ من التجربة العملية، ليكون أعون على تفهمه لمناطات الإشكال، وبالتالي حسن تخصيص التوجيه لكلٍّ حال بحسب ما يصلحه.

لا بد لمثل هذه الاجتماعات من مُشرف أو موجّه، مختصّ بالمجال أو على الأقل عالِم فيه بقَدرٍ يفوق من حوله، ويكون قدر علمه ذاك راسخًا وحقيقيًا، ومتكاملًا مع تصور شرعي واضح عنده للمسألة

بدون هذا النوع وتلك الجودة من الإشراف، لن يعدو المجلس كونه حلقة تَسَامر اجتماعي، وربما إفتاءً بغير علم وتناصحًا على عمَاية، إذ الغالب على أفراد تلك المجموعات الجهل بمجال الاختصاص للإشكال المَعنيّ، بالإضافة للجهل بالشرع الأساسي ناهيك عن المتعلق بالمجال! فأيّة فائدة "حقيقية" أو "حَقّة" يمكن أن تُرتجى من تلك التجمعات الارتجالية! اللهم إلا إزجاء الوقت في نوع سَمَر، وحتى هذا قد لا يكون محمود العواقب كمجالس السمر العادية!

ثانيًا/ عـدم تعيين المنطلقات والمنتهيات بوضوح وصراحة لا تحتمل اللبس:

فتجد المجتمعين مسلمين، يعانون من إشكال على إسلامهم، ويبتغون حلًّا من إسلامهم، ثم يكون مُنطلَق تصوّراتهم وأفهامهم المُستوردات المَعجُونة والأعراف الموروثة والثقافات الهجينة، ويُرَقَّع كل ذلك بفهم هزيل للديانة، وتأويلات خاطئة وإسقاطات عرجاء لآيات وأحاديث منزوعة السياق مَبتورة المَتْن!

من ذلك – مثلًا – التلاعب بالمصطلحات ومضامينها: صحيح أن كثيرًا من المصطلحات حمّالة أوجه، لذلك العبرة بالمضامين والمقاصد، ومن هنا كانت القاعدة الفقهية "لا مُشاحّة في الاصطلاح"، لكن ذلك لا ينافي أهمية الاصطلاح ولا يقلل من خطره، وأنه ليس في كل حين تصدق القاعدة، خاصة إذا كان المراد هو تبديل المسميات الأصيلة من ديننا بأخرى مُغرِضة، فالألفاظ ليست حروفًا مجردة طائرة في الهواء بريئة من الخلفيات الحضارية والمذهبية   ، ولا استعمالها بالأمر الهين في أمور الثقافات والعلوم عمومًا، وفي أمور الدين بصفة خاصة، فتجد – مثلًا - "المِثليّة الجنسية" أو "الجندر الحر" في مقابل الاصطلاح الأصلي "الشذوذ"، والهُلامية في المعايير الحاكمة يسمونها "نسبية الرؤية"، وحجاب المرأة المسلمة الذي يعبر عن سَمْتٍ متكامل للروح أخلاقًا والجسد سترًا اختزل في قماشة غطاء للرأس أو "كاب" للمحجبات أو "إيشارب"، ثم لا فارق بعدها ما ترتدي صاحبته أو لا ترتدي!، و"التقاليد الشرقية" أو "المبادئ الإنسانية" في مقابل الأصول العقدية والأحكام الشرعية... وهكذا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …