الجزائر وفلسطين.. علاقة تاريخية وطيدة وليست مشاعر وليدة

الرئيسية » بصائر من واقعنا » الجزائر وفلسطين.. علاقة تاريخية وطيدة وليست مشاعر وليدة
267100216_452547956539121_8567954954069155402_n

إن العلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست قاصرة على رفع علم فلسطين في مباراة أو الهتاف باسم فلسطين في المدرجات، ولكنها علاقة تاريخية لها علامات عتيقة ممتدة ولها جذور في سويداء قلب التاريخ.

لقد ارتبط الجزائريون بأرض فلسطين ارتباطاً روحيًا باعتبار أرض فلسطين أرضاً مُقدسة مُباركة، ومن عادة الجزائريين ألا يُميزوا بين القدس ومكة والمدينة.

ولقد كان من عادة الجزائريين خاصة وبلاد المغرب العربي عامة (موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا) أن من حجَّ بيت الله الحرام ولم يُصلِّ في المسجد الأقصى فإنه لم يتم مناسك الحج، ولحب الجزائريين الشديد لفلسطين وللمسجد الأقصى استوطن عدد كبير من هؤلاء الحجيج في فلسطين.

ومما يؤكد حب الجزائريين الشديد لفلسطين أن إمام الجزائر الإمام "عبد الحميد بن باديس" قد اعتبر أن حُرمة القدس مثل حُرمة مكة والمدينة وأن الدفاع عن القدس فرض على كل مسلم.

أولاً: بعض المحطات التاريخية التي تؤكد عُمق العلاقة بين الجزائر وفلسطين

خلال عهد الفاطميين شهدت مدينة القدس زيادة في أعداد المُهاجرين المغاربة واستوطنوا في مدينة القدس، وتشهد على ذلك "حارة المغاربة"، في الجهة الجنوبية للقدس بجوار الحرم القدسي الشريف والتي تبلغ مساحتها 5% من مساحة القدس القديمة.

وقد ساهم المغاربة في الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، وكان لهم دور بارز في هزيمة الصليبيين وفتح بيت المقدس، وكان من أبرز قادتهم "عبد العزيز بن باديس" من العائلة الباديسية التي أنجبت إمام النهضة الجزائرية "عبد الحميد بن باديس"، كما شارك في الحروب الصليبية أيضاً الشيخ العلامة الجزائري "أبو مدين الغوث" الذي كان لوجوده في القدس دور في استقدام أعداد غفيرة من المغاربة إلى القدس، وله ضريح في القدس إلى يومنا هذا.

بعد أن انتهت الحرب وتم تحرير المسجد الأقصى، قرَّر المغاربة العودة لبلادهم، لكن صلاح الدين الأيوبي تمسَّك بهم وألحَّ عليهم أن يستوطنوا القدس وتعجَّب الجميع من هَذا الطلب في حين أنَّه سمحَ للشاميين والعراقيين والمصريّين بالرُّجوع لأوطانِهم، وهنا قال صلاح الدين مقولته الشَّهيرة: "أسكنت هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة".

ثانياً: محطات من دعم الشعب الجزائري للقضية الفلسطينية في العصر الحديث

لقد كان هناك علاقة دعم ومؤازرة من الشعب الجزائري للشعب الفلسطيني في العصر الحديث تمثلت في:-

1- التواصل بين "مصالي الحاج" أحد قادة الحركة الوطنية الجزائرية في ثلاثينيات القرن الماضي وبين قادة العمل النضالي الفلسطيني وعلى رأسهم الشيخ أمين الحسيني، من أجل تقديم الدعم والإمداد بالمجاهدين.

2- شارك الجزائريون في المؤتمر الإسلامي الأول في القدس عام 1931م من أجل دعم القضية الفلسطينية.

3- وفي الفترة من (1936-1939) تم تشكيل "الهيئة الجزائرية لمساعدة فلسطين" بغرض جمع الأموال لدعم المجاهدين الفلسطينيين، كما نظمت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" حملات تعبئة ومساندة لجمع الأموال لنفس الغرض.

4- وفي نفس الحقبة الزمنية قام المهاجرون الجزائريون بدور بارز في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي تمثل هذا الدور في القيام بمهام عسكرية ونقل السلاح للمجاهدين، كما قام المهاجرون الجزائريون بتكوين (فصيل طبرية) الذي كانت مهمته نسف أنابيب البترول الخاصة بالمحتل الإسرائيلي وتزويد المجاهدين بالمعلومات، ونتيجة لقيام المهاجرين الجزائريين بكل هذه المهام قامت بريطانيا بالانتقام من الجزائريين المقيمين في فلسطين بحرق منازلهم واعتقال أبناءهم.

5- مع اندلاع حرب 1948، تضافر العلماء والزعماء الوطنيون الجزائريون فيما بينهم لتشكيل "الهيئة العليا لإعانة فلسطين" التي تمكنت من تجهيز 100 مجاهد جزائري وإرسالهم إلى ميدان الجهاد بفلسطين، هذا بالإضافة إلى مئات المجاهدين الذين تطوعوا للجهاد وتكفلوا بأنفسهم، وسقط من كل هؤلاء عشرات الشهداء الجزائريين على أرض فلسطين المباركة. وكان أبرز زعماء الحركة الوطنية الجزائرية "الشيخ الشاذلي المكي" الذي كان يقوم بتدريب عشرات الجزائريين وإرسالهم إلى أرض فلسطين.

6- من بين عشرات المعارك التي شارك فيها الجزائريون ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب 1948م، معركة قرية "هوشة" (قاعدة المجاهدين العرب في معارك 1948م)، حيث استمرت المواجهة بين المقاومين الجزائريين وجنود الاحتلال من السادسة صباحاً من يوم 15 إبريل 1948م، إلى منتصف الليل من هذا اليوم وقتل في هذه المعركة عدد كبير من أفراد الوحدات الصهيونية، واستشهد 35 عربياً.

7- بعد استقلال الجزائر في يوليو عام 1962م قامت الجزائر بافتتاح (مكتب لحركة فتح) على أراضيها عام 1963م، ليكون هذا المكتب نافذة على العالم للتعريف بالقضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

8- وفي القمة العربية الأولى عام 1964م طالب الرئيس الجزائري "أحمد بن بلة" بضرورة قيام كيان فلسطيني مُستقل واقترح إنشاء "جبهة تحرير فلسطينية"، وهذا ما تم بالفعل.

9- ومن بين ما قدمته الجزائر للشعب الفلسطيني استقبال العديد من الشباب الفلسطيني للتدريب عسكريًا، وكذلك استقبال آلاف الطلبة الفلسطينيين في الجامعات والمعاهد الجزائرية. وفي عام 1964 تخرجت أول دفعة من الضباط الفلسطينيين من "أكاديمية شرشال العسكرية" بالجزائر، وحضر حفل التخرج الرئيس الراحل "هواري بومدين"، الذي كان حينها وزيراً للدفاع الوطني.

10- بعد احتلال القدس عام 1967م، قامت قوات الاحتلال بتدمير حارة المغاربة بكاملها، وترتب على ذلك تشريد سكانها الفلسطينيين من أصول مغربية وكان يبلغ عددهم 135 عائلة، وكان من أبرز هذه العائلات "العلمي" و"المصلوحي" و"الريفي" و"حبوش"... وغيرهم كثيرين، وحسب التقديرات فإن عدد المغاربة الذين يقيمون في قطاع غزة والقدس يقدر بحوالي 20 ألف شخص عرف عنهم إخلاصهم الوطني والنضالي، وكذلك إخلاصهم لقضية شعبهم الفلسطيني، علاوة على ما تميزوا به من شهامة وحُسن جوار، وهذا ما جعلهم موضع احترام أهل القدس خاصة وعموم الشعب الفلسطيني عامة.

11- وفي القمة العربية السادسة عام 1973م التي استضافتها الجزائر وترأس أعمالها الرئيس "هواري بومدين"، تم إصدار قرار يعتبر "منظمة التحرير الفلسطينية" الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وقد أكد "عبد الله حوراني" رئيس الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية، قائلاً: "إن الجزائر كانت أقوى الأصوات في قمة الجزائر السادسة لصالح منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني".

12- وكان للجزائر دورًا بارزًا في تمكين "ياسر عرفات" رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك من الوصول إلى منبر الأمم المتحدة، وكان ذلك خلال الدورة الـ 29 للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974م، وهذا ما شهد به الرئيس ياسر عرفات، قائلاً "لولا الجزائر ما كنت قد تمكنت من إلقاء خطابي في الأمم المتحدة"، وفي هذا الخطاب قال عبارته المشهورة: "لقد جئت حاملاً غصن زيتون وبندقية الثائر، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي".

13- وقد شاركت الجزائر بدور فعال في حرب 1967م وحرب 1973م جنباً إلى جنب مع الجيش المصري ضد الاحتلال الصهيوني، وكان لهذه المشاركة أكبر الأثر عربياً ودولياً.

14- في 15 نوفمبر 1988م أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن قيام الدولة الفلسطينية وكان ذلك الإعلان من العاصمة الجزائرية. وكانت الجزائر أول دولة في العالم تعترف بالدولة الفلسطينية إذ أقامت علاقات دبلوماسية رسمية كاملة مع فلسطين في 18 ديسمبر 1988م.

15- وبفضل الجهود والمساعي التي قامت بها الجزائر انضمت فلسطين إلى اليونيسكو عام 2011م بناء على طلب تقدمت به الجزائر للأمم المتحدة.

16- كذلك تقدمت الجزائر بطلب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس 2014م من أجل وقف الاعتداء الإسرائيلي على غزة.

17- كما أعلن الرئيس الجزائري "عبد المجيد تبون" في 21 سبتمبر 2020م أن "القضية الفلسطينية قضية مُقدسة بالنسبة للشعب الجزائري معرباً عن أسفه للهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهـيوني".

18- وفي عام 2021م قامت الجزائر بتكوين "جبهة رفض" ضد عضوية إسرائيل كمراقب في الاتحاد الأفريقي وذلك للحفاط على مبادئ الاتحاد ودعماً للقضية الفلسطينية.

19- ومن بين الجهود التي تبذلها الجزائر من أجل نصرة القضية الفلسطينية قيامها بتخصص عشرات الملايين من الدولارات سنوياً للمشاريع المتعلقة بترميم أوقاف القدس المحتل ومشاريع أخرى، بجانب المساعدات التي توجه لدعم الشعب الفلسطيني.

20- إن رؤساء الجزائر قد عبَّروا عن موقفهم الثابت من دعم نضال الشعب الفلسطيني فلقد قال الرئيس الجزائري الراحل "هوراي بومدين" قولته الشهيرة: "مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، كما قال الرئيس الراحل "أحمد بن بلة": "إن استقلال الجزائر سيبقى ناقصاً ما لم تتحرر فلسطين"، وعبر الرئيس الجزائري الحالي "عبد المجيد تبون" عن أسفه واستيائه من هرولة الدول العربية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني.

ثالثاً: الحق ما شهد به الأعداء

إن المشاركة الجزائرية الفعالة والقوية في الحروب العربية المتعلقة بنصرة الشعب الفلسطيني ودورها الداعم للقضية الفلسطينة جعلت الخبير الإستراتيجي الإسرائيلي والمحلل العسكري والدفاعي لصحيفة هآرتس الإسرائيلية "عاموس هرئيل" يقول: "يأتي الحديث عن أهم وأخطر دولة في الشمال الإفريقي وهي الجزائر، وعندما نتحدث عن هذا البلد علينا أن نتوقف كثيراً أمام دروس تاريخية تسبب تجاهلها في الماضي في تكبدنا خسائر فادحة".

وأضاف قائلاً: "من الخطأ الفادح ارتكان "إسرائيل" وراء البُعد الجغرافي الذي يفصلها عن الجزائر، ومن العبث تجاهل هذا البلد غير المُرَوَّض باعتبار أنه ليس على خط المواجهة المباشرة".

واستطرد قائلاً: "الجزائريون من أكثر الشعوب العربية كُرها لدولة "إسرائيل"، وهم لديهم الاستعداد للتحالف مع الشيطان في وجهنا، إنها كراهية عجزنا عن إزالتها طيلة العقود الماضية، كما أننا فشلنا في القضاء على هؤلاء الأعداء الذين لم ندخر جهداً من أجل دحرهم أو القضاء عليهم".

وفسَّر "عاموس هرئيل" سبب الكراهية الشديدة من الشعب الجزائري تجاه "إسرائيل" بقوله: "إن التركيبة النفسية والعقائدية التي تهيمن على هذا الشعب، الذي يسيطر عليه التطرف الديني إلى أبعد حد، فهم من أشد الشعوب الإسلامية اتباعاً لتعاليم القرآن وأقاويل محمد والتي في مُجملها تغذي التطرف والكراهية في النفوس تجاه اليهود!".

وقام "عاموس هرئيل" بالتحريض ضد الشعب الجزائري بقوله: "لقد انتصرنا على الإسلام في كل مكان، لكن الإسلام هزم "إسرائيل" في الجزائر".

واختتم "عاموس هرئيل" الحديث بقوله: "إن استهداف الجزائر من خلال الحروب الباطنية لم يجدِ نفعاً، وأن هذا البلد قد نجد أنفسنا يوماً في مواجهة مباشرة معه، بل إنني أجزم بأن ضربة غير متوقعة ستوجه لنا من جديد من هناك، لكن هذه الضربة ستكون أشد قسوة من ضربة (حرب الغفران) / حرب أكتوبر 1973م".

أخيراً أقول

على الرغم من التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة في الآونة الأخيرة، إلا أن الجزائر لم تترك أي مناسبة إلا وتؤكد فيها على موقفها الثابت والداعم لنضال الشعب الفلسطيني للحد الذي جعل رموز رياضية في مختلف الألعاب يرفضون المشاركة في بطولات يشترك فيها لاعبوا المحتل الإسرائيلي، وجعل رموز رياضية في مختلف الألعاب يحرصون على رفع العلم الفلسطيني عقب فوزهم بأي بطولة فردية كانت أو جماعية، وما حدث في "بطولة العرب لكرة القدم بقطر" ليس ببعيد ولا بخفي عن أحد!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

بيوت المعتقلين بين مرارة الفقد وحلاوة الصبر (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن:- أولاً: بيوت المعتقلين بين الرحا والسندان. ثانياً: …