طوبى للثائر من أجل مجتمع جاهل!

الرئيسية » بصائر الفكر » طوبى للثائر من أجل مجتمع جاهل!
arabs-spring- reveluotion7

إن العدو الحقيقي للأنظمة المستبدة هو وعي الشعوب لذلك تحرص هذه الأنظمة على إبقاء الجانب التعليمي والمعرفي والثقافي للشعوب في أردأ مستوياته لتمارس هذه الأنظمة وصايتها على الشعوب ولتضمن بقاء الشعوب في "بيت الطاعة".

إن كل إدارة مُستبدة وكل ديكتاتور ظالم وكل عدو لدود، يجعلون تغييب وعي الأفراد والمجتمعات هو شغلهم الشاغل ، فتراهم يقدِّمون لهم نظاماً تعليمياً قاصراً قائماً على الحفظ والاسترجاع وخالياً من التفكير والإبداع، بعيداً كل البعد عن البحث والاستقصاء والتحليل، فتجد المتعلمين أسرى بين سطور ومُغيبين داخل نصوص يتعاملون معها على أنها تابوهات وقوالب جامدة، وغير مسموح لهم تجاوزها ولا تخطيها.

والشغل الشاغل للنظم المستبدة كذلك هو تشويه الحقائق التاريخية التي تستنهض هِمم الشعوب وجعلهم يتعاملون مع المعلومات المشوهة على أنها حقائق ومُسلمات، ليستنزفوا بذلك كرامة الشعوب وليقتلوا بداخلهم النخوة وأي محاولة للخروج من ذل العبودية.

إن كل ما سبق يتم من منظور الفرعون الأكبر حين قال: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ" (غافر: من الآية 29).

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "واستخفاف الطغاة للجماهير أمرٌ لا غرابة فيه؛ فهم يعزِلون الجماهير أولًا عن كل سُبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها ويُلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المُصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مُطمئنين، ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يُمسِّكون بحبل الله، ولا يزِنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح".

نماذج لبعض الادعاءات الكاذبة والرد عليها

الادعاء الأول

يقول الادعاء الأول أنه عندما تم القبض على (جيفارا) في مخبئه بعد ما أبلغ عنه راعي أغنام!
سأل أحدهم الراعي لماذا أبلغت عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟
فأجاب الراعي : كانت حروبه مع العدو تخيف أغنامي!
* جيفارا: ثوري كوبي ماركسي أرجنتيني المولد، وهو طبيب وكاتب وزعيم حرب العصابات وقائد عسكري ورجل دولة عالمي وشخصية رئيسية في الثورة الكوبية.

الرد على هذا الادعاء
إن اتهام الوشاية بـ "جيفارا" قد تم توجيهه للكاتب والفيلسوف الفرنسي (ريجيس دوبريه) أو الرسام الارجنتيني (سيرو بوستوس).

عرض التلفزيون السويدي فيلماً وثائقياً في بداية عام 2001م، وفي هذا الفيلم أكد قائد الكتيبة التي ألقت القبض على (جيفارا) أن الكاتب والفيلسوف الفرنسي (دوبريه) كان متعاوناً جداً مع الجنود البوليفيين. قائلاً: ليس من المهم أن نعرف من الذي تكلم أولاً، فالعسكريون يعرفون أنه (دوبريه).

ومع اعتقال (جيفارا) وإعدامه عام 1967م، حمَّل المؤرخون الرسام (سيرو بوستوس) مسئولية الوشاية به، حيث كتب المؤرخ الفرنسي (بيار كالفون) أن (بوستوس) هو الذي أدلى باعترافات وأنه قام برسم وجوه رفاق سلاح (جيفارا).

الادعاء الثاني

بعد مقاومة (محمد كُريم) في مصر للحملة الفرنسية بقيادة نابليون تم القبض على (محمد كُريم) والحكم عليه بالإعدام إلا أن نابليون أرسل إليه وأحضره وقال له: يؤسفني أن أعدم رجلاً دافع عن بلاده بجرأتك ولا أريد أن يذكرني التاريخ بأنني أعدم أبطالاً يُدافعون عن أوطانهم، لذلك عفوت عنك مقابل عشرة آلاف قطعة من الذهب تعويضاً عن من قتل من جنودي.

فقال له (مُحمد كريم): ليس معي ما يكفي من المال ولكن لي دَين عند التجار بأكثر من مائة ألف قطعة من الذهب.

فقال له نابليون: سأسمح لك بمهلة لتحصيل أموالك!

فما كان من (محمد كريم) إلا أن ذهب الى السوق وهو مُقيَّد في أغلال ومُحاط بجنود المحتل الفرنسي، وكان عنده الأمل فيمن ضحى من أجلهم من أبناء وطنه فلم يستجب تاجر واحد، بل اتهموه أنه كان سبباً في دمار الاسكندرية وسبباً في تدهور الأحوال الاقتصادية.

فعاد إلى نابليون مستغرباً ومخذولاً!

فقال له نابليون: ليس أمامي إلا إعدامك.. ليس لأنك قاومتنا وقتلت جنودنا ولكن لأنك دفعت بحياتك مقابل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم عن حرية الأوطان.

الرد على هذا الادعاء

جاء في السيرة الذاتية للزعيم (محمد كُريم) حسب موقع الموسوعة الحرة ويكيبيدبا، ما نصه:-
"بعد القبض على الزعيم محمد كُريم أرسل نابليون رسالة إلى المُحقق يأمره فيها أن يعرض على محمد كريم أن يدفع فدية قدرها ثلاثون ألف ريال خلال أربع وعشرون ساعة، فرفض محمد كريم دفع الفدية، ولما ألح عليه البعض أن يفدي نفسه بهذه الغرامة رفض وقال: "إذا كان مقدوراً عليَّ أن أموت فلن يعصمني من الموت أن أدفع الفدية، وإذا كان مقدراً لي الحياة فعلام أدفعه". وفي يوم 6 سبتمبر 1798 أصدر نابليون بونابرت الأمر بإعدامه ظهراً في ميدان الرميلة رمياً بالرصاص".

الادعاء الثالث

يقول محمد رشيد رضا: "الثائر لأجل مُجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يُضيء الطريق لشخص ضرير".

الرد على هذا الادعاء

يقول الأديب والكاتب الصحفي المصري رضا نايل: "يكفي أن تقرأ تاريخ صاحب مجلة "المنار" وتلميذ الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني لتعرف أن هذه العبارة لا يمكن أن تنسب لمن قال عنه الشيح محمد الغزالي رحمه في كتابه "الغزو الثقافي صـ 37: "بذلت مدرسة المنار جهوداً مُتصلة لتصحيح المعرفة الدينية، فحاربت التقليد المذهبي الجامد كما حاربت الأحاديث الضعيفة وضبطت داخل الهداية القرآنية الأحاديث الصحيحة، وطاردت قضايا كلامية، وتضليلات سياسية، واستطاع محمد رشيد رضا أن يسوق توجيهات محمد عبده وسط حشد مِن الآثار المحررة. بَيْدَ أن قوى شريرة من الداخل والخارج اعترضت هذا الخير الدافق".

ويقول الباحث والإعلامي السوري منذر الأسعد: أجريتُ بحثًا سريعًا عن الكلام المنسوب إلى الشيخ رضا فلم أظفر بشيء. وهذا الذي كنتُ أتوقعه مُسبقًا.

واستوقفتني كلمة" ثائر" التي أكاد أجزم أنها لم تكن متداولة في زمن الشيخ (الذي وُلد 27 جمادى الأولى 1282 هـ / 23 سبتمبر 1865م وتوفي 23 جمادى الأولى 1354 هـ / 22 أغسطس 1935م).. بل إن مصطلحات الثورة والثائر والثوار حتى في وقتنا الحاضر، لا تنتمي إلى قاموس أهل العلم الشرعي!

فالمصطلح الشرعي المتفق عليه لدى المسلمين سلفًا وخلَفًا هو: الجهاد، وله أحكامه المُستندة إلى الكتاب والسنة وتطبيق الصحابة له بضوابطه المُستقرة.

والجهاد يكون لإعلاء كلمة الله، وليس لإرضاء البشر.

فكيف والنص المُريب المنسوب إلى الشيخ يخلط بين ما يُفترض أنه مُقارعة الغازي الأجنبي، وبين التصدي للفساد الذي يقتضي وجود دولة حرة مُستقلة ومُستقرة!

الادعاء الرابع

يقول هذا الادعاء بأن الذي أوشى بسليمان الحلبي قاتل القائد الفرنسي كليبر هي سيدة مصرية شاهدته من شرفة منزلها وهو يقتل كليبر ثم اختبأ بين الناس.

الرد على هذا الادعاء

الثابت تاريخياً أنه بينما كان كليبر ببستان قصره بالأزبكية، ومعه (بروتان) كبير المهندسين خرج عليهما رجل اقترب من كليبر مُستجدياً شيئاً، فلم يُخالج كليبر ارتياب من نوايا الرجل فمد إليه يده، فطعنه سليمان الحلبي طعنة في قلبه، وأسرع (بروتان) للإمساك به فكان نصيبه ست طعنات سقط بها على الأرض.

وعاد الحلبي إلى كليبر مرة أخرى وطعنه ثلاث طعنات للتأكد من قتله، على الرغم من أن الطعنة الأولى كانت القاضية على حياة الجنرال وفقاً لتقرير كبير أطباء وجراحي الحملة الفرنسية "ديجنيت".

عثر الجنود بعد ساعة واحدة من الاغتيال على الحلبي مُختبئًا خلف جدار في حديقة مجاورة، وأدركه اثنان من حرس مقر القيادة وعثرا على الخنجر الذي طعن به كليبر وبروتان مدفونًا في المكان وعليه أثر دماء، وما زال الفرنسيون يحتفظون بهذا الخنجر في أحد المتاحف الفرنسية إلى يومنا هذا.

أخيراً أقول

إن الثائر قد فرض عليه الواقع واجباً لا يُمكن لحر أبي أن يتنصل منه، فهو يثور من أجل هوية ضاعت، وأرض سُلبت، وخيرات نهبت، وأعراض استبيحت، وكرامة أهدرت.

من هنا يحق لنا أن نقول (إن الثائر من أجل مُجتمع جاهل يُؤجر أجراً مُضاعفاً أضعافاً كثيرة، فطوبى له)، وذلك لعدة أسباب:-

أولاً: لأنه علم أن مقاومة الظلم أمر فطري وواجب إنساني، فالظلم تأباه النفس السَّوية مهما كانت هويتها ومهما كانت عقيدتها، وصاحب النفس السوية يقبل أن يُراق دمه ولا يقبل أن تستباح كرامته.

ثانياً: لأنه قاوم الظلم وصبر على تبعات هذه المقاومة وهو يُوقن أنه مأجور وأن سيرته ستكون أفضل وأنصع من سيرة ظالمه.

ثالثاً: لأنه لم يرضخ للواقع ولم يستسلم بالرغم من قلة الأعوان والأنصار الذين يعينونه على مُقاومة الظلم، فاختار طريق "قول الحق عند سلطان جائر".

رابعاً: لأنه قدم القدوة من نفسه في وقت جبُن فيه من جبُن داهن فيه من داهن.

خامساً: إن الثائر إنما يُضحِّي لاقتلاع جذور الطغاة الذين يُحادون الله ورسوله معذرة إلى الله تعالى الذي سيحاسبنا فرادى، حتى ولو لم يصل لمُبتغاه قبل موته .

سادساً: إن الثائر إنما يُضحِّي لاقتلاع جذور الطغاة قياماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر الذي لم يستثن الله تعالى منه أحد، كل حسب جهده واستطاعته.

سابعاً: إن الثائر إنما يُضحِّي حتى لا يتم توريث الاستسلام والخنوع للأجيال اللاحقة، وليعلم الأبناء أن الآباء والأجداد لم يدَّخروا جُهداً في مقارعة الظلم ودحره.

ثامناً: إن الثائر إنما يُضحِّي حتى لا يستمريء الجميع الظلم والطغيان فتعم الفتنة ويهلك الجميع.

عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ وراءَكم أيَّامَ الصَّبرِ المُتمسِّكُ فيهنَّ يومَئذٍ بمِثْلِ ما أنتم عليه له كأجرِ خَمسينَ منكم قالوا يا نَبيَّ اللهِ أوَمِنْهم؟ قال لا بل منكم قالوا يا نَبيَّ اللهِ أوَمِنْهم؟ قال لا بل منكم ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربع" (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ مِنْ ورائِكُمْ أيامَ الصبرِ الصبرُ فيهِنَّ كَقَبْضٍ علَى الجمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ قالوا يا رسولَ اللهِ أجْرُ خمسينَ منهم أَوْ خمسينَ مِنَّا قال خمسينَ مِنْكُمْ" (أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجاله رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان‏‏).

وأقول
هل كانت دعوة الأنبياء عليهم السلام إلا ثورة على مجتمعات جاهلة تعج بصناديد وأتباع لهم عقائد وثنية وعادات وتقاليد بالية ما أنزل الله بها من سلطان !

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الهجرة إلى الوطن “فريضة شرعية وضرورة بشرية”

كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملاً وعفرًا تستنشقه (الجاحظ) …