الحياء وخطورة غيابه

الرئيسية » خواطر تربوية » الحياء وخطورة غيابه
c33f7a10b4055a1a64fd472271d63f4e

الأخلاق دعائم المجتمع وأركانه الحافظة له من السقوط، كما أنها سياج للفرد والمجتمع من التردي والانحدار إلى هاوية لا يُعلم قاع لها وحصن منيع يحفظنا أفرادًا وجماعات ويحفظ تماسك عائلاتنا وترابط مجتمعاتنا، فلا تكون كالريشة في مهب الريح عرضة لتحلل والتفسخ في كل وقت وحين، فلا عجب أن يأتي خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليه السلام ليقول صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" [سنن البيهقي].

ففي هذا الحديث لفتة طيبة إلى أهمية الخُلق في الإسلام من خلال هذه الإشارة اللطيفة والتركيز على قيم لا قوام للمجتمع بدونها، وإن كانت الأخلاق ليست أهم من العقيدة والعبادات إلا أنها هي الواجهة التي تظهر من المرء أمام الناس ويتعامل معهم بها، فالعقيدة مقرّها القلب والعبادات بين العبد وربه والأخلاق هي الترجمة والسلوك العملي للإنسان والمرآة التي تعكس ما بقلب صاحبها ومدى تشبع القلب وارتوائه من هذه العقيدة ليكون الحياء الثمرة التي تظهر في أخلاقنا.

العبادات بين العبد وربه والأخلاق هي الترجمة والسلوك العملي للإنسان والمرآة التي تعكس ما بقلب صاحبها ومدى تشبع القلب وارتوائه من هذه العقيدة

والإسلام يهتم بأخلاق الفرد اهتماما يليق به كخليفة خلقه الله في هذا الكون فيتعبد الله بأخلاقه كما يتعبده بفروضه، وليس عبثًا أن يأتي على رأس قائمة هذه الأخلاق التي يحرص الإسلام على تزكيتها والاهتمام بها الحياء بل ويجعله شعبة من شعب الإيمان وفرع من فروعه المثمرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" [صحيح البخاري]، وجاء في شرح الحديث: "أي أثر من آثار الإيمان" [فتح الباري].

فالإيمان بلا حياء كشجرة بلا أوراق أو ثمر وكأن الحياة تنبثق من هذا الخلق وفي انعدامه أو تزعزعه تنعدم الحياة فيصبح البشر كما البهائم، وكما أن الإيمان يمنع صاحبه ويقيه من ارتكاب المحظورات الشرعية بأمر من الشارع الحنيف فكذلك الحياء سياج يحفظ البشرية والمجتمعات من الابتذال والامتهان والانحطاط بالإنسانية إلى أدنى دركات البهيمية، وانظر لحال المجتمعات فكلما زاد انتشار هذا الخلق فيها زادت الفضيلة والترابط والحشمة والوقار وحماية الأعراض وإذا قل الحياء انتشرت الرذيلة والجريمة والتفكك.

الحياء سياج يحفظ البشرية والمجتمعات من الابتذال والامتهان والانحطاط بالإنسانية إلى أدنى دركات البهيمية

وتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" [المستدرك على الصحيحين]؛ فالعلاقة طردية ما بين الإيمان والحياء، وهو ميزان صادق يمكن من خلاله أن يستكشف المرء نفسه ويراقبها كما يراقب المريض درجة حرارته، فيستكشف ويتفقد منسوب الإيمان بقلبه بمدى تحقق الإيمان في خلقه وتصرفاته، كما أنّ وجود الحياء في خلق المرء إن دل على شيء إنما يدل على بذرة الخير المغروسة فيه.

ومن أهم عوامل الارتقاء والنهضة في الأمم إنما هي الأخلاق والحياء على رأسها، فإذا أردت انحطاطًا وانهيارًا لأمة صوب سهامك لحياء أبنائها وراقب سقوطها وتهاويها ، ففي الحياء تصان الحرمات وتجتنب المحرمات.

فللحياء صور وأنواع نتناولها على عجالة في هذه السطور: فحياء من الله ومن الملائكة ومن البشر ومن النفس؛ فيكون الحياء من الله تعالى بمعرفة قدره وعلو جاهه وعظمة شأنه باجتناب المعاصي والاستشعار بمراقبته  فتجتنب نواهيه وتُقدم على أوامره، فلا ترتكب معصية استشعارًا لعظمة الله وإلا فالتوبة والإنابة بعد كل تعثر.

والحياء من الملائكة؛ بحرصك على ألا يسجلوا عليك دناءة أو منقصة أو مثلبة وأن تحرص على أن تأتي صفيحتك بيضاء لا نكت سوداء بها كحرصك على ورقة امتحانك في الدنيا خالية من العلامات الدالة على الأخطاء أو تدني الدرجات.

والحياء من الناس بأن لا تجاهر بمعصيتك فتكون بابًا يلج منه الناس لمحاذاتك واتباعك حتى في معاصيك  وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" [صحيح البخاري]، وورد في شرح الحديث: "في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة والذي يجاهر يفوته جميع ذلك" [فتح الباري].

والحياء من نفسك بألا تهينها وتقلل من شأنها بالإقبال على التوافه وسفاسف الأمور وذلك عندما تعرف قدرك عند الله الذي سواك بيده ونفخ فيك من روحه فلا تبخس نفسك ثمنها، ولا تُرخصها وأنت الذي أسجد لك ربك عز وجل الملائكة تكريما.

ومما ابتلينا به هو المحاولات الجادة لاغتيال الحياء على نصب يسمى الحرية الشخصية فحدث ولا حرج عن مشاهد الخلاعة التي باتت معول هدم في قيمنا وبيوتنا وكلمات مجون تحت مسمى الفن ولا أدري أي فن هذا الذي يغتال البراءة في أطفالنا والنخوة والمروءة في شبابنا والحياء من نسائنا، وأين كل هذا من قول الصادق المعصوم: "إن لكلِّ دينٍ خُلُقاً وإن خُلُقُ الإسلام الحياءُ" [سنن ابن ماجه]، فبات البعض يتعامل مع هذا الخُلق وكأنه نقيصة تحط من قدر صاحبها وعليه التبرؤ منها أو مرض عضال يسعى جاهدا للبرء منه، وكأن هذه الأصوات تحارب شرع الله وسنة نبيه وتدعو للخروج عن الحمى التي أقرها شرع الله عز وجل لصيانة وحماية حقوقنا أفرادا وجماعات والحفاظ على فطرتنا التي فطرنا الله عليها من كل شيء من شأنه أن يمس ثوب الحياء الذي نستتر به بستر من الله جل شأنه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

الأخ الأكبر.. صاري السفينة، وشاهد المِسْبَحَة!!

الأخ الأكبر في وجود والديه هو موضع سِرهما، وخلاصة فِكرهما، وعُصَارة حُبهما، يحبونه كما لو …