القرآن ومسؤولية الإنسان.. سورة الإسراء

الرئيسية » بأقلامكم » القرآن ومسؤولية الإنسان.. سورة الإسراء
information-about-surat-al-isra_1200x750-2

إن المتأمل في سورة الإسراء يجد أن لفظة القرآن قد تكررت في هذه السورة إحدى عشرة مرة، وفي ذلك تأكيد على عظمة هذا القرآن ومكانته في حياة الأمة، وأنه المعجزة الخالدة التي لا تعادلها معجزة، كما أنك تلحظ في السورة نفسها عدم استجابة الله لدعاوي المشركين للنبي محمد –صلى الله عليه وسلم– أن ينزّل عليهم معجزات أخرى ماديّة كتفجير الأنهار وإخراج الجنات وبناء القصور والرقيّ في السماء كما جاء في قوله تعالى: "وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ".

كل ذلك ليدل على أن المعاني الخالدة والقيم العالية في هذا القرآن هي أثمن من كل ما يريدون، وأرقى مما يطلبون.

وعلى هذا فإن على المسلم أن يستشعر مسئوليته تجاه هذا القرآن العظيم، وتحكيم شرعه في الأرض، ليحقق الخلافة التي أرادها الله له منذ أن خلق أباه آدم عليه السلام، وأنه إن لم يفعل فسيكون مصيره كمصير بني إسرائيل الذين جاء خبرهم في هذه السورة، لمّا فرّطوا في كتابهم وحرّفوه، ولم يحملوا الأمانة التي كلّفهم الله بها، فاستبدل الله بهم قوماً غيرهم، وكذلك سيكون حال هذه الأمة إذا فرّطت في قرآنها، فإن سنن الله لا تحابي أحدا، قال تعالى: "إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا " ويقول أيضا: " عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا".

ولعل سياق السورة يشعرك أيها المسلم بتحمل هذه المسئولية، فأوّل ما تبدأ به مسئولية حماية المقدسات وصون الحرمات حين تذكر خبر الإسراء إلى المسجد الأقصى، وإذا ربطنا ذلك بذكر القرآن مرارا في السورة، فذلك إشارة إلى أن هذا القرآن والتمسك به شرعةً ومنهاجاً هو السبيل لاستعادة المقدسات وأنّ جيل القرآن هو الذي سيحرر العباد والبلاد.

كما توضح السورة المسئولية الفردية لكل إنسان يوم القيامة، حيث تُحصى أعماله ويُحاسب عليها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر: "وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ". وقوله أيضا: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا".

ثم تحمّل المسئولية في عمارة الأرض بإصلاحها وعدم الإفساد فيها: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا".

ثم تحمّل المسئولية تجاه من له حق علينا من الوالدين والأقربين وذوي الحاجات من المساكين: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " وقوله: " وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ".

ثم المسئولية الاجتماعية في صون الأنفس والأعراض والنهي عن الاعتداء على النفس بالقتل وعلى الأعراض بالزنا، ومن ثم الوفاء بالعهود والمواثيق: "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ".

كما تقرأ في السورة أيضا تكريم الله للإنسان وأنه الكائن المؤهل لعمارة الأرض، بما سخّر الله له من خيراتها في البر والبحر، وبما وهبه من الملكات والصفات التي تميّزه عن غيره من الكائنات: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ".

كل ذلك ليقوم بوظيفته التي خلقه الله من أجلها وهي عبادة الله وعمارة الأرض، وكي ينجح في ذلك فإن عليه أن يلتزم بمنهج القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في كل الأمور: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" ولا عجب فهو الكتاب الجامع لكل معنى والمُصرّف لكل مثل: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا".

وأن الأمر ليس عبثا، وأن الإنسان لن يُترك هملا، ولذلك ذُكر في السياق بعدها الحساب يوم القيامة: "يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ".

ثم توضح السورة أن المسلم في خلافته على هذه الأرض سيدخل في صراع مع أهل الباطل، فتذكّره أن القرآن الذي معه هو الحق فأولى أن يثبت عليه: "وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا".

وأنه سيكون الفرقان بينه وبين أهل الباطل: "وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا".

وتذكّره أيضا أن أهل الباطل سيسلكون كل وسيلة لحرب هذا الدين وأهله: "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا" وقوله أيضا: "وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا".

وفي مواجهة هذا الصراع تبيّن السورة الزاد الإيماني الذي يعين المسلم على الثبات على الحق، والصمود أمام الباطل وأهله، فتدعوه إلى التمسك بالقرآن ابتداء فهو الشفاء والهدى لسالك الطريق: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا "
ثم التحلّي بالأخلاق الفاضلة ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن، كي يفتح الناس قلوبهم وعقولهم لدعوة الحق: " وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ".

ثم الإخلاص لله، وابتغاء ما عنده، فلا يُخشى غيره ولا يُرجى سواه: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ".

ثم إقامة الصلاة والتهجد بالليل وترتيل قرآن الفجر، بما يملأ النفس سكينة وطمأنينة: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا".

ثم اليقين بنصر الله والثبات على الحق حتى النهاية وأن الغلبة ستكون له: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ".

ثم التوكل على الله والاعتصام به والالتجاء إليه، وبهذا كان ختام السورة ليوقن المسلم دوما أنه يأوي إلى ركن شديد، وأنّ الملك والأمر له وحده ابتداء وانتهاء: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا".

هذا والله أعلم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

البيان والتفصيل …. في سورة فصلت

لقد وصفت سورة الدخان القرآن في مطلعها بأنه مبين، قال تعالى: “حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ …