اعلموا، وعلِّموا أهليكم وذويكم عشراً

الرئيسية » خواطر تربوية » اعلموا، وعلِّموا أهليكم وذويكم عشراً
dawah-to-children-muslim-family-deenspiration-SMALL-1280x640

إن المسلم الموصول بربه تراه دائماً حريصاً على أن يكون سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، نافعاً لغيره، مُجاهداً لنفسه، كما تراه حريصاً على حسن تربية من يعول ليقينه أنه سيُسأل عنهم بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

إننا نعلم يقيناً أن أمر التربية ليس بالسهل ولا بالهيِّن لكوننا نتعامل مع كائن بشري له مشاعر ومُيول ورغبات ونزعات ونزوات وشهوات وتطلعات، وتنازعه نفس تميل إلى الراحة والدَّعة وتنفر من التكاليف، وتحتاج إلى ترويض لتنقاد للأمر وتنفذه.

إن كل ما سبق يجعل الآباء أكثر حاجة إلى الاطلاع على تجارب الآخرين للاستفادة من خبراتهم، كما يجعلهم يتوقون إلى نصائح المختصين التي توفر عليهم جهد التجربة، وقبل ذلك كله فإن رأس الأمر وعموده في هذا الجانب هو كثرة اللجوء إلى الله تعالى والإلحاح عليه سبحانه وطلب التوفيق منه سبحانه في تربية من نعول.

من هنا، آثرت أن أضع رؤوس أقلام وأسس يضعها الآباء نصب أعينهم ولا يخطؤونها، ثم يقوموا بالبناء عليها والنسج على منوالها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

1- علموا أهليكم وذويكم أن الخلاص كل الخلاص يكون في اتباع ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ دون إفراط ولا تفريط ولا ابتداع.

- أعينوهم على ذلك بتحقيق القدوة العملية من أنفسكم، وبغرس الإخلاص والمراقبة في قلوبهم، وبحسن اختيار الصحبة الصَّالحة التي تعينهم على ذلك.

- حدِّثوهم عن أن الإسلام هو دين الفطرة، وأن شريعة الإسلام هي الشريعة الوسط، وأنها ليس فيها تفريط اليهود ولا إفراط النصارى، وأنها تهدف إلى إيجاد شخصية متوازنة في كل جوانب العبادة وفي كل مجالات الحياة.

2- علموهم أن لله تعالى عليهم حقوق، ولأنفسهم عليهم حقوق، وللعباد عليهم حقوق، وأن الله تعالى افترض على عباده أن يؤدوا لكل ذي حق حقه.

- علِّموهم مبادئ العقيدة، ومبادئ التوحيد.

- اغرسوا فيهم أخلاق المؤمنين وصفات المتقين.

- علِّموهم كيف يرتقوا بأنفسهم إيمانياً وأخلاقياً وسلوكياً.

- ربوهم على احترام حقوق الغير وعدم التعدي عليهم ولا اقتحام خصوصياتهم.

3- حدثوهم عن عظمة الإسلام وتاريخ الإسلام وعن عظمة الصحابة والتابعين والقادة على مر الزمان.

- أعينوهم على ذلك بحب الاقتداء بالنبي ﷺ في كل الأحوال قولاً وعملاً، وبمعرفة سيرته ﷺ وسيرة صحابته الكرام رضوان الله عليهم.

- حدِّثوهم عن أمجاد المسلمين في مجالات الحياة المختلفة ليحبوا التشبه بهم، وأخبروهم بأنهم أمناء على كل جهد بُذِل من أجل الإسلام، وأن المطلوب منهم هو أن يكونوا حلقة قوية متينة في سلسلة العظماء.

4- علموهم أن الأخذ بالأسباب في كل صغيرة وكبيرة سُنة من سُنن ديننا الحنيف، وأنه حين يستنفذ العِباد الأخذ بأسباب الأرض تتدخل أسباب السماء.

- عرِّفوهم بأن النبي ﷺ بالرغم من كونه نبياً مًرسلاً لم يُقصِّر في الأخذ بالأسباب يوماً ما، وأن صحابته الكرام والتابعين ساروا على نهجه واقتفوا أثره فدانت لهم الدنيا وكانوا لها سادة في كل ميادين ومجالات الحياة.

- وأخبروهم أن المطلوب منَّا هو أن يجتهد كل منَّا في مجاله، مُخلصاً نيَّته وتوجهه لله تعالى وحده، وألا يترك سبباً شرعياً إلا أخذ به.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد -أي إلى الأسباب وحدها دون التوجه والإنابة إلى رب الأسباب-، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله سبحانه وتعالى، والله يقدِّر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء" اهـ.

5- علموهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس نافلة ولا تفضلاً من أحد، بل أمر من الله تعالى واجب اتباعه.

- أخبروهم أن الله تعالى جعل خيرية أمة الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- وأخبروهم أن هناك من العلماء من قالوا "لو كان للإسلام ركناً سادساً لكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وذلك لأهميته ومكانته وعظيم أجره.

- وأخبروهم أن الله تعالى ما ترك فئة إلا وخاطبها آمراً إياها أن تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا تتنصل فئة من المسئولية، وحتى لا تظن فئة أنها غير مَعنية بالأمر.

- وأكِّدوا عليهم ألا يدلوا العباد على الله ثم ينسوا أنفسهم فيضلوا ضلالاً بعيداً.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن لم يكن في قلبه بُغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرّمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مُبغضاً لشيء من المُحرَّمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً" اهـ.

6- علموهم أن لله جنود لا يعلمها إلا هو، ينزلها على من يشاء متى شاء وكيف شاء.

- حدِّثوهم عن نداء إبراهيم للناس بالحج، ونار قوم إبراهيم، وفداء إسماعيل.

- وحدِّثوهم عن سفينة نوح، وقصة يوسف، ونجاة يونس، وغرق فرعون.

- وحدِّثوهم عن الطير الأبابيل.

- وحدِّثوهم عن الأسد الذي رآه عدو الله أبو جهل فاغراً فاه يريد أن يلتهمه عندما أراد أبو جهل أن يطأ رأس النبي ﷺ بقدمه وهو يصلي عند الكعبة.

جاء في التفسير الكبير: "ما روي أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يُصلِّي لأطأن عنقه، فأنزل الله هذه السورة، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر لله ساجداً في آخرها ففعل، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعاً، فقيل له ما لك؟ قال: إن بيني وبينه فحلاً فاغراً فاه لو مشيت إليه لالتقمني، وقيل: كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد" اهـ.

- وحدِّثوهم عن فرس سُراقة بن مالك وما حدث له عندما أراد سُراقة أن يلحق بالنبي ﷺ ليسلمه لقريش وينال الجائزة التي تم رصدها لذلك.

- وحدِّثوهم عن نداء الفاروق عمر رضي الله عنه وهو يخطب على المنبر، حيث نادى على قائد جيش المسلمين ببلاد فارس "سارية بن زنيم الدؤلي" قائلاً "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم"، مما أثار دهشة الحضور من الصحابة رضي الله عنهم.

وعندما قدم سارية إلى المدينة قال: "يا أمير المؤمنين، تكاثر العدو على جنود المسلمين وأصبحنا في خطر عظيم، فسمعت صوتاً ينادي: "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم". عندئذ التجأت بأصحابي إلى سفح جبل واتخذت ذروته درءاً لنا يحمي مؤخرة الجيش، وواجهنا الفرس من جهة واحدة، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا وانتصرنا عليهم".

7- علموهم أن قدر الله تعالى غالب لا محالة وأنه سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه وأزال عواقبه وأتمَّه.

- حدِّثوهم عن طغيان وجبروت الأمم السابقة وأن قوتهم لم تغني عنهم من الله شيئاً.

قال تعالى: "فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {40}" (العنكبوت: 40).

- وحدِّثوهم عن فرعون وهامان وقارون، وعن صناديد قريش الذين ألقوا في القليب يوم بدر، وعن القياصرة والأكاسرة والأباطرة والجبابرة والملوك والرؤساء .. الخ.

8- علموهم أن الله تعالى لا يخذل من وقف ببابه، ولا من أحسن الظن به، وأنه سبحانه يستحيي أن يرد يداً امتدت له بالسؤال صفراً.

- علِّموهم أنه عندما تحيط بالعبد الكروب والخطوب، وتُوصَد في وجهه جميع الأبواب والدروب، وتنقطع به كل السُّبل والأسباب، يبقى باب واحد لا يُغلق، وسبب واحد لا يخذل صاحبه، وحبلٌ واحد لا ينقطع، وهو باب السماء وحبل الالتجاء إلى الله بالدعاء.

- أخبروهم عن حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم، وعرِّفوهم أنه لولا إخلاص عملهم وصدق لجوئهم إلى ربهم ما نجوا مما كانوا فيه من كرب عظيم!

9- علِّموهم أن يُحسِنوا الغرس في الدنيا ليطيب لهم الحصاد بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

- ربُّوهم على الخشية والمراقبة، وأخبروهم أن الله تعالى يقول: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)، لكي يحرصوا على أن يغرسوا معروفاً ويتركوا أثراً طيباً في كل مكان يذهبون إليه.

- وربُّوهم على قوله تعالى "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8}" (الزلزلة: 7-8).‏

- وأخبروهم أن من يُحسِن الغرس يستبشر بلقاء ربه، وتكون نفسه مُطمئنة لوعد الله، ويستبشر خيراً بما ينتظره من النعيم في الجنة إن شاء الله تعالى.

10- علموهم أن الدنيا ليست دار مُستقر وأن الآخرة خير وأبقى.

- وربُّوهم على أن الدنيا ما هي إلا قنظرة للآخرة، وأن المسلم يجعل ما يمتلكه من الدنيا في يده وليس في قلبه، حتى إذا طلب منه أو ابتلي بفقدانه لا يغتم ولا يجذع، ليقينه أن عوض الله يجبر كل كسر ويعوِّض كل فقد، وأن ما عند الله خير وأبقى.

اللهم ألهمنا رشدنا وتقبل سعينا وخذ بنواصينا إليك أخذ الكرام عليك نحن وأهلينا وذوينا وكل من لهم فضل علينا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

لماذا لا يعطيني الله ما أتمنى؟ (1-2)

كم من مسلم يتمنى على الله تعالى أمنيات، ويترقب متى تتحقق بعينها، فإذا طال عليه …