“إنّ لله نفحات”

الرئيسية » خواطر تربوية » “إنّ لله نفحات”
India-muslim-community

هبّت رياحُ رمضانَ عَطِرة، وجاشت نفوس العابدين مَطِرة، وإذا هبّت رياحك فاغتنمها -كما قالت العُرب-؛ فإنّها غُنمٌ بلا غُرم!

وأزكى الرّياحِ وأطيبُها؛ تلكم المترعةُ بالنّفحات، واللّفحات، والبركات، والخيرات؛ الّتي يأتي بها شهرُ رمضان محمّلةً مزمّلة، قبل أن يُقبِل، وحين بالأرواح يُستقبَل، وحين نحن عنه نرحَل -خفيفًا لطيفًا شفيفًا-، يستحيلُ -لمن عرفَ ما فيه، وتذوّقَ معاليه- أن يُستثقَل؛ بل يبكيه العابدون، بدعاءٍ مخبتٍ منيبٍ أن يعودَ علينا عديدًا، ويطولَ العمر من أجل شهوده مديدًا..

هبّت نسائمُ رمضانَ عليلةً بليلة، كما ريح يوسفَ وجدَها يعقوبُ الفاقدُ الواجدُ الممتلئُ حبًّا وشوقًا لابنه: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ..}..!

يا لهذا الوجْدِ الإنسانيّ المفطورِ على حبِّ فلذةِ كبدِه، المنفطرِ قلبُه لغيابِه عن مُقلةِ عينِه، المشتاقِ إليه شوقَ الأرضِ العطشةِ لوابلٍ من الغيث تحيا به، وشوقَ المجاهدِ للشّهادة في سبيل القويمِ دينِه، ونهضةِ أمّته..

هبّت، وهبّت فيها روائح الجنّة الجميلة الجليلة؛ «واهًا لريح الجنّة.. أجِدُه دونَ أحد»، وواهًا لأنس بن النّضر -رضي الله عنه- يقولها متأوّهًا متشوّفًا، وهو يتنسّم عبيرَها، والرّوحُ تتردّدُ في صدرِه لموعودِ ربِّه؛ مُقبلًا إليه، غيرَ مَدبرٍ عنه، ولا متردّد!

وواهًا للمؤمنِ العابدِ، يَستروحُ روائحَ الجنّةِ مع هُبوبِ هذه النّسائمِ -نسائمِ رمضانَ- العَبِقَةِ الغَدِقَةِ..

هذه الرّوائحُ والنّسائمُ والنّفحاتُ؛ الّتي أمرنا حبيبنا الأعظم -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم- أن نعرّض أنفسَنا لها؛ نعايشَ خيراتِها، ونعاينَ بركاتِها، فقال صلواتُ ربّي وسلامه عليه: "افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من عبادِهِ، وسَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، وأنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكُمْ" [السّلسلة الصّحيحة].

ومن نفحاتها الّتي لا يحصرُها عادٌّ، ولا يحيط بها عابد جادٌّ؛ تربيةُ الرّقابة الذّاتيّة، والعيشُ في مرتبةِ الإحسانِ العُلويّةِ، في هذا الشّهرِ المباركِ الكريمِ؛ إذ هو من الجوادِ الكريمِ أجودُ عَطيّة.

فكلّ الأطعمةِ والأشربةِ المتنوّعةِ الّتي تمتلئُ بها بيوتُ الصّائمين؛ لا عين للصّائمِ تنظر، ولا يد تمتدّ، ولا خاطر بها يمرّ، وكلُّ مغرياتِ الحياةِ وفِتَنِها -مهما كانت حلوة خضرة نضرة- لا تُبعده عن صيامِه أو خدشه، وطيب عيشه فيه ونفسه؛ بل يعيش نهارَه بالإمساكِ عنها جميعِها، وليلَه بالإمساك عن مُغريات النّوم باستثناءِ قليلِها، والإقبالَ على الطّاعات؛ بأنواعِها، وتعدّدِها، وكثرتِها، والتّفيّؤَ في ظلال القرآنِ؛ أعلاها وأغلاها؛ أعظمِ نعمةٍ امتنّ اللهُ تعالى بها على هذه الأمّةِ المسلمةِ المباركة؛ الّتي ما استمسكت به يومًا إلا علا شأنُها، وبعُد شأوُها، وارتفع أمرُها، وقادت البشريّةَ التّائهةَ إلى الهدى، والمنحرفةَ إلى الاستقامةِ، والظّلمَ إلى العدالةِ، والظّلماتِ إلى النّورِ المبين، وما انحرفَتْ عنه يومًا إلا ذاقَتْ ما تراهُ العين، ولا يخطِئُه النّظر؛ من ذلّةٍ ومهانةٍ وتِيه، واستلابٍ حضاريّ مُشين، من أراذلِ الأمم، أو جهَلَتِها، أو ضَالّيها!

نعم.. ينتظر الصّائم الفِطْر فَرِحًا في وقته؛ لا الطّعامَ قبل وقتِه، مهما كان مدُّه وعدُّه، وفرِحًا عند لقاء ربّه لنيل عطائِه.. {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}[هود: 108]؛ فلا الماءُ، ولا الخضراءُ، ولا الوجهُ الحسن؛ يفتنُه أو يفتلُه، ولا ما أعدّته شياطينُ الإنسِ والجنِّ على القنواتِ والمواقع، في محاولاتٍ مستميتةٍ -يائسةٍ بائسةٍ- في تفريغِ عبادةِ الصّومِ من مضمونِها وتجلّياتِها؛ ولكنْ هيهاتَ عند العابدين الخاشعين الـمُخْبِتين!

ينتظره صابرًا محتسبًا؛ فـالصّوم "شهرُ الصّبرِ" -كما صحّ عن حبيبنا -صلّى الله عليه وسلّم- [أحمد والنّسائيّ]، وأجرُ الصّابرين من رَبِّهِم بلا حساب؛ كما قال ربُّ الأرباب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزّمر: 10].

كلُّ فعلٍ له أجرٌ مُقدّرٌ محسوبٌ، يَضَعُهُ الموكّلُ بالأجورِ، ويُضاعفُه الله، كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِمائةِ ضِعفٍ بفضله؛ إلا الصّبرَ، والصّيامُ شهرُه؛ فيُترك جزاؤه لله وحده؛ وانظر جودَه، وانظر كرَمَه، من يحصيه.. من يعدّه.. من يقدّره؟! وحسْبك ما أعدّه تبارك وتعالى لعباده الصّالحين في قوله: "ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر"![صحيحا البخاريّ ومسلم]، وهو عينُ قولِه سبحانه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السّجدة: 17].

"عينٌ وأذنٌ"، نكرتان في سياق النّفي؛ تفيدان الشّمول والعموم؛ ولذلك نَسب سبحانه الصّومَ إليه، في واحد من معانيه، ودلالة مبانيه؛ في الحديث القدسيّ المرويّ عنه تبارك وتعالى: "يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له؛ إلا الصّيامَ، فهو لِي، وأنا أجزِي بِهِ؛ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي، فصيامُهُ لَه، وأنا أجزِي بِه، كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ؛ إلا الصّيامَ، فهو لِي، وأنا أجزِي بِهِ"[صحيحا البخاريّ ومسلم].. جزاءً لا يحيطُ به إلا اللهُ وحده؛ لعِظَمِه!

وحين يتربّى العبدُ الصّالحُ على تلكمُ التّربية الفريدة.. الرّقابة الذّاتيّة؛ ويعيش حياتَه كلَّها من خلالِها؛ لا في رمضانَ وحدَه؛ فلن تجدَ من يقطعُ إشارةَ مرورٍ حمراء؛ بغيابِ شرطيِّ المرور، ولن تجدَ سارقًا تمتدُّ يدُه إلى حقِّ غيرِه مهما علت رتبتُه؛ بغياب صاحبِه أو حارسِه، ولا يغشُّ طالبٌ في امتحان؛ بغيابِ عينِ المعلّمِ عنه، ولا تعقِدُ شخصيّاتٌ -اعت نفسَها للشّيطانِ- عقودًا لغيرِ صالحِ أمّتِها؛ بغياب عينِ الرّقيب عنها، ولا تستقوي يدٌ ظالمةٌ على مُستضعَفٍ؛ بغيابِ النّصيرِ له، ولا يدلّسُ مُشرّعٌ يُخفي بين طيّاتِ كلماتِه ما يغرُّ ويخدع، ولا يغدرُ بعدوٍّ مُسالم؛ بَلْهَ أن يغدرَ بأخيه؛ مسلمٍ أو غير مسلم؛ ولا تُضيّعُ جهةٌ، أو جهازٌ، أو مؤسّسةٌ أمانةً تحملُ مسؤوليَّتَها، ولا تخونُ عينٌ تنظرُ إلى حرام، أو تغمِزُ، أو تلمِزُ، ولا أذنٌ تسمع حرامًا، وتحرّض عليه، ولا يُخفي صدرٌ ما يعتملُ فيها من أمراض القلوب، من حِقْد، وجَحَد، وحَسَد؛ بل قلوبٌ نظيفةٌ من الحرام، عفيفةٌ عن الحرام، راقيةٌ في الخصامِ والوئام..

ولنقسْ على ذلك كلَّ حياتِنا؛ فلن يكونَ مجتمعُنا بعدَها إلا المدينةَ الفاضلةَ، الّتي حَلُمَ بها الفلاسفةُ، وعاشتْها ثلّةٌ مؤمنةٌ مباركةٌ، ربّاها الحبيب -صلّى الله عليه وسلّم- على عينِه، وندعو برجاءٍ أن نكونَ -في رمضانَ وما بعدَه؛ بهذه الرّقابةِ الذّاتيّةِ- الثّلّةَ المؤمنةَ الآخرةَ، الّتي قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيها: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39-40].

ولنخرُجْ ممّا جرّبناه من مناهجِ أهلِ الأرضِ كلِّهِم، وقوانينِهم، وتشريعاتِهم البشريّةِ الظّالمةِ، الّتي ما أتت لنا وللبشريّةِ إلا بكلِّ شرّ، وأغرقتْها في مجتمعِ الكراهيةِ؛ جنسًا، وجنسيّة، وأرضًا، وقوميّة، ولونًا، وطائفة، ومذهبًا، ودينًا، واتّجاهًا فكريًّا، وآن لنا أن نعودَ إلى حياضِ قُرآنِنا، حافظِ أمّتِنا وخيريّتِها، وناشرِ العدلِ في الأرضِ كلِّها، ولا نَبقى حبيسي من قال إنّنا منذ انفراطِ عقدِ الأمّةِ إلى اليوم:
كالعيسِ في البيداءِ يقتُلُها الظّمَا * والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ
سائلين الله تعالى الهدايةَ لهذهِ الأمّةِ المباركِةِ، بعودتِها إلى دينِها، وخيريّتِها، وقياديّتِها الأمم بالحقِّ والعدلِ؛ لتنعمَ وتسعدَ، كما أرادها لها خالقُها ومنعمُها.. يا ربّ..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الإعلام والقيم.. مهمات عاجلة

لاشك أن العالم أمسى منذ سنوات قرية صغيرة يعرف القاصي والداني ما يدور في أقصاها …