التوحيد أولا ….. سورة الأنعام

الرئيسية » بأقلامكم » التوحيد أولا ….. سورة الأنعام
quran-fact

اسم السورة هو "الأنعام" وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة "الأنعام" في مواضع قليلة من السورة إلا أنها جاءت في دلالتها على أنّ هذا الصنف من الدّواب والذي خلقه الله لعباده، هو من نعم الله التي ينبغي أن يشكروه عليها، فيدينون بالعبادة له وحده ولا يشركون معه أحداً غيره.

غير أن السورة تعيب على صنف من الناس أشركوا بالله ونسبوا هذه النعمة لغيره، فجعلوا نصيبا منها لآلهتهم وأوثانهم التي يعبدونها، يذبحونها قربانا لهم، ولا يذكرون اسم الله عليها، ويحكمون فيها بغير حكم الله فيحلّلون منها ما يشاءون ويحرّمون منها ما يشاؤون.

فجاءت السورة لتؤسس للعقيدة الصحيحة بتوحيد الله وعدم الشرك به، وتطبيق حكمه فيما شرع -في الأنعام وغيرها-، فتكون له العبودية والحاكميّة وحده دون سواه.

ومن تأمّل السورة وجد في سياقها التركيز على عقيدة التوحيد وأنها الأصل الذي تنبني عليها سائر دعائم الدين.

فمنذ بداية السورة، تعلن الحمد والثناء لله دون سواه، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}.

وتأمّل قوله "الظلمات والنور" في سياق الآية فإنه وإن يشمل المعنى الحسي في الدلالة فإنه يشمل المعنوي منها أيضا، أي أنّ من عبد الله وحده وحمده فهو على نور ومن أشرك به فهو في الظلمات، ويتأكّد هذا المعنى في موضع آخر من السورة نفسها في قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

يقول الطبري في تفسير قوله تعالى {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، أي: (يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ، وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره).

وتقيم السورة -على امتدادها- الأدلة والشواهد على ألوهيته سبحانه وتعالى، وأنه المستحق للعبادة.

فتقرّر ابتداءً أنه الخالق: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} وأنه المالك لكل ما في السموات والأرض: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} وأنه العليم بالظاهر والباطن والسر والعلن: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}.

والعالم أيضا بكل صغيرة وكبيرة تحدث في هذا الكون: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون}.

وأنه القادر القاهر لا معقب لحكمه ولا رادّ لأمره: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.
وقوله أيضا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}.

وترسم السورة معالم هذه العقيدة الصحيحة ( عقيدة التوحيد ) وتوضّحها الأيات كما يلي:

• تنزيه الله عن الشريك واتخاذ الصاحبة والولد: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}.

• تنزيه الله عن الشبيه والنظير: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

• اتخاذ الله وليّا والتوكل عليه وطلب العون والنصرة منه: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين}.

• إعلان التوحيد والبراءة من كل أنواع الشرك: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}.

• الاتباع لا الابتداع: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}.

• عبادة الله وحده والكفر بعبادة سواه: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ " وقوله " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا " وقوله " قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.

• الإعراض عمن يتخذون آيات الله هزوا -بعد إقامة الحجة عليهم- وتذكيرهم بسوء المصير: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}.

• الإخلاص لله وتوجيه المقاصد له وحده في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الدنيا والدين: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.

وأمّا ذِكْر الأنعام في هذه السورة فقد جاء مثالا تطبيقيّا على هذه العقيدة الصحيحة، فبيّن الله تبارك وتعالى أنه الذي خلق هذه الأنعام وسخّرها لعباده فمنها يأكلون ومنها يركبون، فأولى أن يشكروه على ما رزقهم ولا يتّبعوا خطوات الشيطان فيشركوا به ويكفروا نعمه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }.

ثم ينكر الله على الذين أشركوا به، وجعلوا لغيره نصيبا فيما رزقهم من الأنعام: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا}.

ثم يتبعون أهواءهم فيشّرعون كما شاؤوا، ويحّللون ويحرّمون بغير ما أنزل الله: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

وينكر الله عليهم ما شرعوا من عند أنفسهم، ليقرّر أن حق التشريع والتحليل والتحريم هو له سبحانه وحده، فيحرّم تبارك وتعالى الأكل مما لم يُذكر اسم الله عليه: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}.

ثم يأتي بيان المحرمات من المطعومات في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

كل ذلك لتكون الحاكمية له وحده، فلا ينازعه أحد في ألوهيته كما لا ينازعه أحد في ربوبيّته، فإنّ من الناس من يعترف بالله ربّا وخالقا ورازقاً ولكنه يرفض أن يعترف به حاكما ومشّرعا فلا ينقاد لحكمه أو يطبق شريعته في الأرض بين الناس، ولذلك جاء في السورة وبذات الألفاظ الإقرار بربوبيته وحاكميته معا: فأما الإقرار بربوبيته فقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}.

وأما الإقرار بحاكميته فقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}.

هذا والله أعلم

اسم السورة هو " الأنعام " وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة " الأنعام " في مواضع قليلة من السورة إلا أنها جاءت في دلالتها على أنّ هذا الصنف من الدّواب والذي خلقه الله لعباده، هو من نعم الله التي ينبغي أن يشكروه عليها، فيدينون بالعبادة له وحده ولا يشركون معه أحداً غيره.
غير أن السورة تعيب على صنف من الناس أشركوا بالله ونسبوا هذه النعمة لغيره، فجعلوا نصيبا منها لآلهتهم وأوثانهم التي يعبدونها، يذبحونها قربانا لهم، ولا يذكرون اسم الله عليها، ويحكمون فيها بغير حكم الله فيحلّلون منها ما يشاءون ويحرّمون منها ما يشاءون.
فجاءت السورة لتؤسس للعقيدة الصحيحة بتوحيد الله وعدم الشرك به، وتطبيق حكمه فيما شرع - في الأنعام وغيرها -، فتكون له العبودية والحاكميّة وحده دون سواه.
ومن تأمّل السورة وجد في سياقها التركيز على عقيدة التوحيد وأنها الأصل الذي تنبني عليها سائر دعائم الدين.
فمنذ بداية السورة، تعلن الحمد والثناء لله دون سواه، على ما خلق ورزق، قال تعالى:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ "
وتأمّل قوله " الظلمات والنور " في سياق الآية فإنه وإن يشمل المعنى الحسي في الدلالة فإنه يشمل المعنوي منها أيضا، أي أنّ من عبد الله وحده وحمده فهو على نور ومن أشرك به فهو في الظلمات، ويتأكّد هذا المعنى في موضع آخر من السورة نفسها في قوله تعالى:" أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"
يقول الطبري في تفسير قوله تعالى " ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ "، أي: (يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبد

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

البيان والتفصيل …. في سورة فصلت

لقد وصفت سورة الدخان القرآن في مطلعها بأنه مبين، قال تعالى: “حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ …