المنهج والصراط .. في سورة الشورى

الرئيسية » بأقلامكم » المنهج والصراط .. في سورة الشورى
quran251

يؤكّد مطلع سورة الشورى علويّة الوحي الإلهي و ربّانية المنهج القرآني بقوله تعالى: "كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ".

ولعل تذييل الآية بالعزيز الحكيم، إشارة إلى الحكمة التي حواها هذا الوحي الكريم، وإشارة إلى العزة التي لا تغلب والتي تكون لمن تمسّك بهذا الوحي وسار على نهجه.

وهذا القرآن هو المنهج الذي أراده الله لعباده، ولذلك تجد السورة تعيب على من يتخذون من دون الله أولياء وشركاء، فيتّبعون منهجهم ويتركون منهج الله، وقد تكرّر النهي عن اتخاذ الأولياء من دون الله في مواضع كثيرة في السورة، كقوله تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ " وقوله: " أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ".

وكيف يُتّخَذ مثل هؤلاء أندادا وهم ليسوا ندّا لله ولا بمعجزين له: "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ".

وتأمل قوله تعالى: "شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ " ليؤكد على أن حق التشريع هو من خصائص الألوهية التي لا تكون إلا لله، وأن اتخاذ مناهج أخرى غير منهج الله هو مما يوجب غضبه تبارك وتعالى ويُنذر بنزول عذابه و لولا كلمة الفصل والسابق من حكمه - عز وجل - أن يؤخر لهم العذاب في الأخرة لعاجلهم به في الدنيا.

وإذا كان أتباع هؤلاء الأولياء يتعلقون بهم، ويقصدونهم في حوائجهم في الدنيا، فيوم القيامة لن ينفعوهم بل يتبرؤون منهم ويتركونهم بلا شفيع ولا نصير: "وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ" وعندها يجد هؤلاء الأتباع أنفسهم وحدهم لا حيلة لهم، ويعلمون أنهم كانوا مخطئين عندما باعوا دينهم ودنياهم بدنيا غيرهم، وحينها يُعرضون على النار ويوقنون بالخسارة الحقيقية في ذلك اليوم "وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ".

وكيف لا يكون حق الحاكمية والتشريع لله، وهو الخالق الذي له ملك السماوات والأرض، فكيف يكون الحكم وتصريف الأمور في ملكه لغيره عز وجلّ؟ ولذلك وصف تبارك وتعالى نفسه بالتفرّد بالخلق والملك، وأنه لا يشبهه أو يماثله في أوصافه شيء من خلقه: "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ".

كما تصف السورة هذا المنهج الإلهي الذي شرعه الله لعباده بأنه الحق والميزان: "اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ".

ولا شك أن الجمع بين وصفي الحق والميزان هو جمع بين النظرية والتطبيق فهذا المنهج هو حق في ذاته، ولكن لا بد أن يكون هناك أهلٌ لهذا الحق يرفعون رايته ويطبقونه ويحكمون به، ليتحقق الميزان ويسود العدل في الأرض.

ولأن هذا المنهج هو الحق والعدل فإن من يردّونه ويجادلون فيه، سعيهم باطل وحجتهم واهية: "وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ".

وقوله تعالى "من بعد ما استجيب له" بشارة لأهل الحق بانتصار هذا الحق وتمكينه في الأرض حيث يستجيب الناس له يوما بعد يوم، ويعلم أولئك المجادلون بالباطل ممن يكرهون الحق ويحاربونه أنهم إلى هوان وزوال كما قال تعالى: "وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ".

وهذا المنهج هو منهج الأنبياء من قبل، وأن قافلة الدعاة ستبقى تسير على هذا الدرب كما سار الأولون وفي ذلك تسلية للنبي ولكل داعية أن لا يستوحش من طول الطريق أو قلة الرفيق، وحسبه فخراً أن يكون دربه قد سار عليه الأنبياء من قبل، وكما كان النصر للأنبياء من قبل لهم فسيكون لأتباعهم من بعد: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ".

ولذلك يأمر الله نبيّه ومن آمن معه بالاستقامة على هذا المنهج والدعوة إليه حتى يحكم الله بين عباده بعدما اتضحت الحجة وبان الحق: "فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ".

فأولى بالمؤمنين أن يلزموا هذا المنهج، ولا يحيدوا عنه، ويستجيبوا لربهم كما أمرهم: "اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ".

ومن خصائص هذا المنهج الوضوح والبعد في الرؤية، فإن استعراض مشاهد اليوم الآخر في آيات السورة، تجعل المؤمنين يرفعون أبصارهم لدار الخلود والنعيم، وعندها يسترخصون كل ما يبذلونه من غال ونفيس لنصرة هذا المنهج والثبات عليه وتحمّل الويلات و العقبات، فمنذ أول السورة يسمي الله يوم القيامة بيوم الجمع، حيث يجمع الناس وتجمع الأعمال ويوفي كلٌّ حسابه: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" ويتكرر لفظ الجمع نفسه في آخر السورة أيضا: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ".

ولأنّ الكافرين غافلون عن هذا اليوم وما ينتظرهم من المصير فيه، تجدهم في هذه الدنيا يرفضون الحق ويجادلون فيه ويسلكون غيره من المناهج ليحققوا أهواءهم ومصالحهم، بل يبلغ بهم السخف أن يستعجلوا الآخرة غير آبهين بما سيحلّ بهم من الخسران والعذاب، أما الذين آمنوا بالآخرة وما سيكون فيها من الجزاء والحساب فمشفقون منها لأنهم يعلمون أنها حق: "يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ".

وعندما تكون هذه النظرة الواضحة والرؤية العميقة عند أهل الحق، لا تستوي عندهم الدنيا الفانية مع الآخرة الباقية، فهم يعلمون أن هذه الدنيا متاع زائل لا يستحق منهم أن يتعلقوا بها ويعلمون أيضا أن ما عند الله خير لهم وأبقى: "فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" وأما الكافرون فيعملون للدنيا وينسون الآخرة والاستعداد لها، حتى اذا جاءوا يوم القيامة لم يكن لهم فيها نصيب: "مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ".

ومما أمرت السورة به المؤمنين عند تطبيق المنهج الرباني، "الشورى" وهو اسم السورة ليكون هو أسلوب الحكم لتطبيق الحق وتحقيق العدل، وأنّ ضدّه من الاستبداد بالرأي والانفراد بالسلطة ليس من خصائص الحكم الإسلامي، قال تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ".

وتأمل كيف جاء الأمر بالشورى بين ذكر الصلاة والانفاق، وكأن الشورى عبادة لا تقل في شأنها وأهميتها عن الصلاة والزكاة، فكما يُتعبّد إلى الله بالشعائر والصلوات كذلك يُتعبّد إليه بإقامة شريعته في الأرض على أساس ٍ من الشورى والعدل.

ولماذا الشورى؟ لأن السورة تقرّر اختلاف البشر في الأفهام والآراء، وما الشورى إلى وسيلة لتلاقح هذه الأفهام ومناقشتها وتفنيدها للوصول إلى أفضل الأفكار وأصلح الآراء: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "
كما توضح السورة المرجعية عند الاختلاف وهي شرع الله ومنهجه: "وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ".

وأن السبيل إلى المحافظة على هذه المرجعية، هي إقامة الدين والخضوع للحق ونبذ الفرقة والخلاف: "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ".

ومن ثم التحذير من إعجاب المرء بنفسه وبما عنده من العلم وما قد يؤدي به ذلك إلى التعصب للرأي و البغي والعدوان، والتسلّط على الآخرين: "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ".

وبهذه العوامل يُحفظ الحق، ويتعاون أهله فيما بينهم على بيانه ونصرته، ويقدّمون للبشرية النموذج الأمثل لسيادة الأرض بالحق والعدل.

ويأتي ختام السورة ليعود من جديد على وصف المنهج الرباني (الوحي) الذي ذُكر في أوّلها، لينسجم البدء مع الختام، ففي آخر السورة يصف الله مرة أخرى وحيه ومنهجه بأنه ربّاني منزل من عنده، وأنه روح تحيا به القلوب والنفوس، وتحيا به الناس حياة كريمة في الأرض، ثم هو نور يبدّد الظلمات التي تنشرها غيره من المناهج والتشريعات الباطلة، لأنه صراط الله المستقيم: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ".

هذا والله أعلم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

البيان والتفصيل …. في سورة فصلت

لقد وصفت سورة الدخان القرآن في مطلعها بأنه مبين، قال تعالى: “حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ …