“احفَظْ اللهَ يحفظْكَ”.. رسائل نبوية في الدعوة والتربية

الرئيسية » بصائر تربوية » “احفَظْ اللهَ يحفظْكَ”.. رسائل نبوية في الدعوة والتربية
p22_books

عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما)، قال: كنتُ خلف النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا، فقال: "يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف" [أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

وفي رواية الإمام أحمد له، فإن الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك، وما أَصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أَن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسرِ يُسرًا".

في حقيقة الأمر؛ فإن هذا الحديث الشريف، بموجب ما نعلمه من أنَّ رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قد أوتي جوامع الكَلِم؛ فإنه يُلخِّص في كلماته قليلة العدد، عظيمة القيمة، الكثير والكثير من المعاني والمحتوى التي تمثل جزءًا من دستور المسلم في هذه الحياة.

ففي هذا الحديث النبوي نقف أمام عدد من التوجيهات التي ما إن التزم بها الإنسان المسلم في حياته، وفي سعيه فيها؛ فإنه لن يضلَّ ولا يشقى، وسوف يكون –بالفعل– رمزًا للنور والعطاء في حياته.

وقبل البدء في تناول بعض جوانب النور في هذا الكلام النبوي العظيم، نقف أمام شيء شديد الأهمية، وهي لطف اللهِ تعالى وقربُه من الإنسان، بينما هو الجبار ذو القوة المتين، وخالق السماوات والأرض؛ عندما قال الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وهو الذي لا ينطق عن الهوى؛ "احفظ اللهَ يحفظك".

يا إلهي!!.. مَن أنا يا الله، كيف أحفظك، وأنا العبد الضعيف، الحقير المتواضع أمام جلالك وعظمتك!

ذات المنطق الذي جاء في الحديث الشريف الذي قال فيه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم، استسقيتك، فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي" [أخرجه مسلم/ صحيح].

لكن الحديث الثاني، يبدو واضحًا فيه الأمر؛ حيث الدعوة الربانية إلى فعل الخير مع الناس، واضحة، وصريحة، ولكن.. كيف نحفظ اللهَ تعالى، لكي نجده تجاهنا؟!..

في الحقيقة؛ فإن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، ذُكِرَ فيهما الكثير في كيفية ذلك، وأهمها، أن يعبد الإنسان اللهَ حقَّ عبادته، وأن يأتمرَ بأوامره، وأن ينتهي عن معاصيه، وأن يكون ذلك في سرِّه وعلانيته، وألا يكون اللهُ تعالى، هو أهون الناظرين إليه.

هنا، لو فعل المسلم ذلك؛ سوف يجد اللهَ تعالى معه في كلِّ أمره؛ عينُه التي يبصرُ بها، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطشُ بها، وسوف يجد اللهَ تعالى حافظًا له، ولماله وأهله وولده.

وأهم ما يحفظ اللهُ تعالى فيه الإنسان، هو حفظه في دينه، فيُسبِغ عليه حمايته من الفتن، ومن الضلال، ومن الشهوات ، ومن بين ما نجده في القرآن الكريم في هذا الصدد، قصة نبي اللهِ يُوسُف (عليه السلام)، في السُّورَة التي تحمل اسمه.

كذلك هناك الكثير من المعاني النبيلة في التوجيه النبوي: "إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"؛ حيث في ذلك الكثير من الأمور المتعلقة بتمام صحة عقيدة الإنسان؛ حيث إن التوجُّه إلى اللهِ تعالى بالدعاء والسؤال، ووقف العبدِ لذلك عليه سبحانه وتعالى، فيه الكثير من مظاهر إفرادِ اللهِ تعالى بالعبودية، والاعتراف بالافتقار إليه عزَّ وجلَّ.

وهو ما نجده في خُلُق الأنبياء والمرسلين، كما أنبأنا القرآن الكريم في سُورَة "القَصَصِ"، على لسان نبي اللهِ موسى (عليه السلام).. يقول تعالى: "فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)".

نأتي إلى جانب آخر شديد الأهمية في هذا الحديث، وهو الذي جاء في النصف الثاني منه، والذي يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: "واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك".

ففي هذا الجانب، توجيه نبوي واضح، يتسق ويتفق مع ما سَلَف من رسائل عن العبودية لله، والخضوع له، بضرورة رسوخ الإيمان بالقضاءِ والقدر في نفس كل مسلم، مع تأكيد على أنه من تمام إيمان المسلم بالله وسبحانه وتعالى، الثقة فيه، وفي جلال قدرته، وأنه لا يقضي ولا يقدر سوى الخير .

وهذا ينقلنا إلى الموقف الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الكلام لعبد اللهِ بن عباس (رضي اللهُ عنهما)؛ حيث إنه يعكس جانبًا من مدرسة النبوة التربوية، وكيف كان خطاب الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، لأجيال الجديدة من الشباب المسلم، والمسلمين وغير المسلمين بشكل عام.

حيث نجد التربية الربانية له في أدب الخطاب، وفي توجيه الأمور العظيمة في صورة النُّصح التي لا تجعل المُتَلقِّي يجفل أو ينفر من التربوي الذي يخاطبه، وتوجيهاته.

وفي الأخير؛ كان الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بمثابة مدرسةٍ تربوية متكاملة، أخرجت –بنصِّ القرآن الكريم– الناس من الظلمات إلى النور، ومن الواجب على كل تربويينا، النظر فيها، وفي آلياتها، والعمل بها، لعل وعسى يكتب اللهُ تعالى لنا أن نرى جيلاً من المسلمين يحقق ما حققه الجيل الذي تربَّى على يد النبي عليه الصلاة والسلام.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

الحجاب في الأديان فريضة شرعية وضرورة بشرية (1-2)

• لو لم يكن الحجاب فريضة ربانية لأصبح في زماننا ضرورة بشرية!! • الحجاب عبادة …