التحريش بين المؤمنين .. لا تكن عوناً للشيطان!

الرئيسية » خواطر تربوية » التحريش بين المؤمنين .. لا تكن عوناً للشيطان!
friendship-jealous

المتأمل في زماننا يرى أن أحوالنا يندى لها الجبين، نزاعات وخلافات يتنكر فيها الأخ لأخيه بل الابن لأبيه لم تراع حرمة الجار ولا صلة الرحم ولا مودة كانت تضرب جذورها بالأرض ولا أخوّة كانت كما الشجرة فروعها في السماء تقاسم أصحابها اللقمة والبسمة ووخز الإبرة.

الكثير -مع الأسف- لم يراعوا الله في صلات وعلاقات ممتدة امتداد الأنفاس ومصاحبة للآلام والآمال، وقد ورد عن الإمام الشافعي: (الحر من راعى وِدَاد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة)، و الكثير فرط بما هو أكثر وأعمق، لم يراع العشرة التي بينه وبين غيره، وسمح للخلافات بتمزيق الوحدة وتفريق الشمل، وبدلا من التضييق عليها حتى لا تتسع، وُسّع شقها وزيد في صدعها، مع أنّ قليلاً من الحكمة وكثيرا من التريث كان بالإمكان نزع فتيل الخلاف بل اجتثاثه من الجذور.

ولو وقفت على أسباب أي خلاف في أي صلة كانت لوجدته تافها لا يكاد يذكر، غير أنّ هناك مثل يقال (الشر شرارة)، نعم شرارة واحدة ينفث عليها شياطين الإنس والجن فما أن تلبث لتصبح نيراناً تأكل الأخضر واليابس وتجتث حدائق الود بيننا لتحيلها لسنين عجاف وأرض جدباء لا ينبت فيها زرع ولا يستقيم عليه عيش.

ولو فقه المسلم دينه حق الفقه والفهم لأدرك أنها خطوات مدروسة من عدو طالما حذرنا الشرع الحنيف من سبله ووسائله وألاعيبه بل صرّح مرارا وتكرارا بأنه العدو لقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [سورة فاطر:6].

والآيات الكريمة واضحة وصريحة في التحذير من الوقوع في شرك الشيطان الذي يصب اهتمامه في التفريق والإفساد بين المؤمنين، في قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [سورة الإسراء:53]، وقد ورد في تفسير الطبري لقوله تعالى: { إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنـزغُ بَيْنَهُمْ} "يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر".

وتأمل الحديث الشريف الذي يرويه جابر -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قد أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ". رواه مسلم.

ثم تأمل ورود الأحاديث التي تحذرك من أعمال الشيطان وأهدافه في زرع بذور الشقاق والخلاف بين الناس، فعن عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت" رواه مسلم.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "يبعث الشيطان سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة" رواه مسلم.

وهذه حقيقة بتنا نلمس صورا لها لا تعد ولا تحصى، فالشيطان يُلقي البذرة ليقوم بإتمام المهمة بعده أتباعه من شياطين الإنس؛ فقد يأتي التحريش على عدة صور منها:

أولا: أن تنظر لنفسك أنك على صواب وغيرك على خطأ، فتأخذك العزة بالإثم ولا تعطي نفسك فرصة لتراجع بها تصرفاتك، وكأنك معصوم عن الخطأ، وكثير منا يرى نفسه في الخلافات مع غيره بأنه مظلوم وغيره ظالم، ولو اتهم كل منا نفسه لكان ذلك أولى خطوات حصر الخلاف أي كان.

ثانياً: التحريض من بعض ممن هم حولك فتجده ينطق بكلمة تؤجج نار غضبك وتوغل صدرك على أخيك المسلم، وكل من يخاف الله عليه أن يراعي حرمة العلاقة، أي علاقة كانت سواء زوجية أو علاقة رحم ونسب أو علاقة أخوية، فمهما بدت شقة الخلاف فربّ كلمة خير ترأب صدعا كبيرا، فلا تستشيروا في الخلافات أي عابر.

ثالثا: وسائل التواصل اليوم ولا سيما (الفيس بوك) فتجد منشورا في صفحة لا تتتابعها ولا حتى تصفحتها أو سمعت عنها بعمرك، وإذا بهذا المنشور كأنه على اطلاع بخلافك مع صديقك أو قريبك، فيحرش بألفاظ منشوره ويوغل صدرك، والأدهى أنه يقنعك بأنك ضحية والطرف الآخر جلاد، فتجد الكثير منا يبدأ يستخدم هذه الوسائل في التلميح والتعريض مما يزيد في اتساع شقة الخلاف.

الطريق الأمثل للخروج من هذه الخلافات أو الحد منها وعدم تعظيمها والسيطرة عليها، يتمثل بأن تخرس الشيطان وتدر ظهرك لوساوسه ولهذه المنشورات ولا تظن بأخيك إلا ما تظنه في نفسك من خير، وتذكر يده الحانية في مصابك وأفضاله ومعروفه معك مهما بدا شق الخلاف واسعا، فو الله من أشد الأمور على الشيطان أن يجد صلة نشأت في ظل الله ولن يهدأ حتى يجتثها، فلا تمكنه من نفسك ومن غايته وفوّت عليه فرصته، والله في عون العبد ما دام الله في قلبه وما دام في عون أخيه.

الطريق الأمثل للخروج من هذه الخلافات أو الحد منها وعدم تعظيمها والسيطرة عليها، يتمثل بأن تخرس الشيطان وتدر ظهرك لوساوسه ولهذه المنشورات ولا تظن بأخيك إلا ما تظنه في نفسك من خير

ولنحرص أن نكون عونا لبعضنا على شيطان يحزنه تآلفنا، ولا تقطع شعرة كانت في ود أخيك فما بالك بما هو أكبر وأكثر، ولا تسمع ولا تبصر في فورة غضبك إلا مواقف أخيك وصوته في وقت السعة ووقت أن كان جوادا كما الريح المرسلة ولا تحتفظ له بأقل كلمة أو موقف في وقت ضيقه وغضبه فربما في قلبه وظروفه ما يعلم الله ولا نعلم نحن.

ثم لا تُطلع على خلافك مع أخيك إلا من تعرف به الحِكمة والصلاح، فربما أفسد البعض بكلمة طائشة ما حرصت أنت على بنائه طوال عمرك ، وتذكر أنّ من يطعن بأخيك اليوم سيكون غداً من أول الطاعنين فيك، فاتق الله واحفظ الودّ والمعروف ولا تتنكر يوما لمن كان لك الكتف والصاحب والسند وأحسِن إليه في الخصام كما أحسن إليك في سابق الأيام، ولا تتذكر له إلا كل جميل واعف عن الزلة وأقِل العثرة لعل الله يعفو عن زلتك ويُقِل عثرتك، وأحسن الظنّ بأخيك، وتأمل موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجته -رضي الله عنهما- في حادثة الإفك تجد فيها من التربية على حسن الظن ما يفيدك في قابل أيامك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

لماذا لا يعطيني الله ما أتمنى؟ (1-2)

كم من مسلم يتمنى على الله تعالى أمنيات، ويترقب متى تتحقق بعينها، فإذا طال عليه …