منهج الإغواء عند الشيطان…. سورة الأعراف

الرئيسية » بأقلامكم » منهج الإغواء عند الشيطان…. سورة الأعراف
quran-muslim53

لقد وردت قصة إبليس اللعين مع أبينا آدم عليه السلام في مواضع عديدة من سور القرآن، إلا أنها في سورة الأعراف تميزت بشيء من التفصيل والاستطراد، لتوضح ملامح منهج الشيطان في الإغواء.

ففي مستهل السورة تبدأ قصة العداء بين إبليس و وآدم عليه السلام، فتعلن بدايةً رفض إبليس لعنه الله السجود لآدم تكريما له ولجنس البشر الذين سيأتون من بعده، قال تعالى :"وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ".

ثم تذكر السورة سبب معصية إبليس حين رفض أمر الله بالسجود، وهو تكبّره وظنّه بالأفضلية على آدم، فكيف لمن خُلق من نار أن يسجد لمن خُلق من طين "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ".

ولعل هذا الاستكبار هو الذي يجعل السادة والكبراء على مرّ الزمان يرفضون دعوة الحق، وهو الذي جعلهم لا يقبلون دعوة الأنبياء في الأقوام السابقة، إذ إن ذلك سيُسوّي بينهم وبين العامّة من المؤمنين كما قال قوم نوح له : "أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ" (الشعراء:111).

إنهم يريدون ديناً يكون لهم غير دين هؤلاء، قال السعدي في تفسير هذه الآية (أي: كيف نتبعك ونحن لا نرى أتباعك إلا أسافل الناس، وأراذلهم، وسَقَطهم).

ولا ينبغي أن تمر المعصية ورفض أوامر الله بلا عقاب، فكان العقاب لإبليس الطرد من الجنة العلية والهبوط إلى الأرض الدنيّة، والجزاء من جنس العمل فلما أراد إبليس التعالي والترفع كان عقابه الهبوط والصغار: "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين"، ولعل في هذا إشارة إلى ذلّ المعصية وكيف تردي صاحبها فتُنزله من مقامات الرفعة والشرف إلى أسفل سافلين.

ولما كان ذلك، كَـبُـر الحقد في نفس إبليس على آدم وذريّته، وعزم على الانتقام، فطلب من الله تعالى أن يمهله ولا يعجّل بنهايته كي ينتهز كل فرصة لإغواء بني آدم فيشاركونه مصيره المشؤوم : "قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ".

وما طلبه هذا للإمهال والإنظار إلا لحرصه أن يُمدّ في عمره فيغوي أكثر ما يستطيع من بني آدم.

ولتتحقق سنة الله في الابتلاء على هذه الأرض في هذه الدنيا، يجيب الله إبليس إلى طلبه، فيمهله إلى أجل معلوم: "قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِين".

وهنا تبدأ الحكاية والتي ستستمر فصولها على امتداد حياة البشر إلى أن تقوم الساعة، وترسم السورة ملامح منهج الإغواء الذي سيمارسه إبليس مع بني آدم، معلنا أنه لن يدخّر وسعا في بذل كل جهد، وسلوك كل طريق ليحقق غايته: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".

وانظر إلى سوء أدب إبليس مع ربه، وهذا حال العصاة مع الله في كل حين، فهو ينسب سبب غوايته لله وليس لنفسه: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي".

وليس هذا شأن المؤمن إذا سقط في وحل المعصية فإنه سرعان ما يقوم فيعترف بخطئه ويسأل ربه العفو والمغفرة، كما ذكر الله تعالى ذلك عن ما فعل آدم وزوجه بعد أن أكلا من الشجرة في هذه السورة: "قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ".

ثم هو -أي إبليس- يعقد العزم على القعود في طريق المؤمنين والذي يعترف بأنه الطريق المستقيم وكأن يصرّح بأنّ مهمته هو أن يدفع بني آدم إلى الاعوجاج والانحراف عن هذا الطريق المستقيم وفي ذلك اعتراف ضمني بأن أساليب وطرق الشياطين من الإنس والجن هي معوجة منحرفة في طبيعتها ومآلاتها، وأما قعوده على طريق المؤمنين وليس على جنباته فذلك يشير إلى همته العالية وحرصه الشديد على إغوائهم وأنه يترصّد لهم ولن يبتعد عنهم طرفة عين.

ثم يؤكد إبليس اللعين حرصه على إحاطته الكاملة ببني آدم فهو سيأتيهم من كل الجهات وبكل الأسباب من أجل تحقيق هدفه في غوايتهم، وإن ذكرت الآية الجهات الأربعة على الحقيقة إلا أن ابن عباس يقول في تفسير هذه الآية :(﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾، يقول: أشككهم في آخرتهم ﴿ومن خلفهم﴾، أرغبهم في دنياهم ﴿وعن أيمانهم﴾، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم ﴿وعن شمائلهم﴾، أشَهِّي لهم المعاصي. (تفسير الطبري).

ولابن عباس قول جميل في أن الله لم يقل: (مِنْ فَوْقِهِمْ؛) لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

وقد عرف إبليس مقام الشكر، وأنّ كثيرا من الناس يغفلون عنه ولا يحقّـقونه فقال: "وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".

وتستطرد السورة فتذكر عواقب المعصية، فيقول تعالى: "قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ"
و "مَذْءُومًا" أي ممقوتا و "مَدْحُورًا" أي منفيّا مطرودا غير أن الدحر يجمع بين الطرد مع الذلة والصغار، وما أجمل قول أبي الحسن البصري حين قال (أبى اللهُ إلا أن يُذِلَّ من عصاه).

وقال أيضا عن العصاة (هانوا عليه فعصَوه، ولو عزّوا عليه لَعَصَمهم) وتؤكد الآية هذا المعنى وكيف يهون العصاة على الله فلا يبالي بهم ويكبهم مع إبليس في النار: "لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِين".

ومن ملامح منهج الإغواء عند إبليس كما توضحه السورة، الدعوة إلى تعرية الجسد وكشف العورات وإبداء محاسن ومفاتن النساء: "فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا" وما أشد انتشار هذا التعري في زماننا هذا في وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت التي دخلت كل بيت فساعدت على انتشار الرذيلة وإفساد القيم والأخلاق.

ومن ملامح هذا المنهج أيضا، ترغيب الشيطان في المعصية حتى يجعلها سببا لتحقيق الأماني الكاذبة أوما يطمح له العاصي من الرغبات العاجلة، كما رغّب إبليس لآدم وزوجه الأكل من الشجرة ليتمّ لهما الملك أو يتحقق لهما الخلد: "وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ".

ومن ملامحه أيضا قوله تعالى: "وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ" وقوله: "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ. وَكَانَ يَظُنُّ آدَمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فغررهما بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمِهِ لَهُمَا) –تفسير القرطبي–

وقوله "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ" بمعنى: ما زال يخدعه بغرور، ويكلّمه بزخرف من القول باطل –تفسير الطبري-

وهكذا تفعل شياطين الإنس والجن تزيّن المعصية لتخفي قبحها، وتصدّ من يرتكبها عن أن يفكر في عواقبها، وتقلب الحقائق فتسمي المعاصي بأسماء جذّابة غير أسمائها لتبرّر للناس ارتكباها، أو تغرّرهم بذكر ما تحقق لهم من منفعة مزعومة أو لذة مرغوبة، غافلين عما سيكون بعدها من الخسارة والعواقب، حتى إذا وقعوا في أسرها لم ينفكّوا عنها.

وتأمّل قوله تعالى: "فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ" والوسوسة هو الصوت الخفي المتكرر وكأنه حديث النفس، كي لا ينزعج أو ينفر منه ابن آدم.

ومن ملامح هذا المنهج أيضا، التمسك بالموروث السيء من الآباء والأجداد والتعصب له دون نقد سليم أو تفكير قويم ونسبته إلى الله جهلا وكذبا: "وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا" فيرد الله عليهم وعلى كل من يغوي الناس فيدلّس عليهم ويوهمهم بأن ما يدعو إليه من الضلالات والانحرافات في الأفكار والأفعال هو من دين الله وشرعه، فلا يمكن لدعوة إلى فاحشة أو إثم أو بغي أن تكون من عند الله، أو أن يأمر الله بها، يقول تعالى: "قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

ويقول كذلك في نفس السورة: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

ثم يأتي النداء لبني آدم في الآيات ليذكّرهم بعداوة إبليس الدائمة لأبيهم آدم ولهم من بعده، وأنه السبب في إخراجهم من عزّ الطاعة والنعيم إلى ذل المعصية والجحيم، فأولى لكل عاقل أن يكون مستعدا لخوض هذه المعركة معه في هذه الدنيا،، فيتسلّح بالإيمان الذي يُدخله في ولاية الله وحفظه، ويكون على حذر من إبليس وطرقه في الضلالة والإغواء، كي لا يكون مصيره في نهاية المطاف معه في الهالكين. قال تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ".

وأما خواتم السورة فجاءت بالأوامر والوصايا التي تعين المؤمن على أن ينتصر في معركته مع الشيطان، وأولها الاستعاذة بالله واللجوء إليه في أن يحفظه من كيد الشيطان ومكره: "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".

ثم تذكُّر مخافة الله وخشيته: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" قال الطبري (أي تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصروا الحق فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطان).

وفي قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا.." إشارة إلى التحلي بالتقوي والتي من معانيها أن تجعل بينك وبين المعاصي وقاية، فلا تتجنّبها فقط بل تتجنّب أسبابها وأماكنها وما قد يقرّبك منها ولعلك تلمح هذا المعني في نفس السورة في قوله تعالى: "ولا تقربا هذه الشجرة" فنهاهما عن مجرّد القرب منها ناهيك عن الأكل منها.

وأخيرا المداومة على ذكر الله التي تطرد الشيطان وتمنع المؤمن عن الغفلة لا سيّما قراءة القرآن والاستماع إليه: "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ".

اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين..... ولا تجعلنا من الغافلين... اللهم آمين

هذا والله أعلم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

زواج موسى عليه السلام

يجد المتأمّل في هذه القصة القرآنية أنها قد سُبقت بالدعاء. فهو -عليه السلام- قد دعا …