حق النفس على صاحبها بين: الحب والكراهة والتقدير (1-2)

الرئيسية » خواطر تربوية » حق النفس على صاحبها بين: الحب والكراهة والتقدير (1-2)
man

عندما يكون الكلام على حق النفس على صاحبها، تتنوع الحقوق المسرودة، لكنها ترتكز حول مفهوم يتكرر كثيرًا، وهو حب الذات. ومن جهة أخرى يرى كثيرون أنهم غير مستحقين لحب الذات لما هي عليه من تفريط وذنوب وسوءات، فيعاقبونها بكراهة الذات ومقتها وجلدها. والحق أن كلا التصورين طرفا نقيض لا يصبان في مصلحة الذات بحال، والوسط بينهما هو التصور الصحيح لمفهوم تقدير الذات. وفيما يلي نقف ببعض التفصيل على المفاهيم الثلاثة، ومكامن الخطأ أو الصواب فيها.

طرف النقيض الأول ما يسمى بحب الذات: هذا المفهوم قد يصيب أو يخطئ بحسب تعريفه وحدوده المرسومة له، لكن تصوره الغالب في الأذهان خاطئ لأنه مبني على ما صدرته لنا مستوردات التنمية البشرية وترجماتها، ومفاده أن تبدأ بحب ذاتك لتحب ربك ثم ما ومن حولك، وأن تحب ذاتك يعني أن تقبلها بكل ما هي عليه من صفات وأخلاق وعادات ومسلكيات وأوجه حسن وقصور قبولًا حسنًا راضيًا بها كلها لا يفكر في تقويم أو تهذيب ولا يقبل نصيحة ولا ينتفع بنقد ولا يسمع لغير صوت نفسه ولا يرى أنه بحاجة لأي من ذلك ولا لأحد عليه في نفسه حقًّا، وهذا التصور لحب الذات هو تصور ظاهره ألفاظ حسنة وهي الحب والتقبل والرضا والثقة بالنفس لكن باطنه وبذرته كِبْرٌ واستعلاء بدرجات.

وأول الخطأ أن تبدأ من حب ذاتك لتحب ربك  أنا لا أتفق مع هذا المنهج في التفكير ولا التطبيق والانتكاس متوقع معه. ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يحب نفسه إلا إذا فهمها، ولا يستطيع الإنسان أن يفهم نفسه على الوجه المراد -أي الموافق لخلقتها- حتى يبدأ بالتعرف إلى خالقه جل علا فيفهم أسماءه وصفاته ومقتضياتها وفارق مرتبة الرب ومرتبة العبد وسلطان الأولى وحدود الثانية ويفهم عنه شرعه ومراده فيما ومن خلق الفهم الصحيح، فيكون حبه لذاته متفرعا عن حبه لخالقه جل وعلا وفهمه لذاته تابعا ومتفقا مع مراد الله جل وعلا والفطرة التي فطره عليها ويمتحنه على أساسها.

ولو تم ذلك التسلسل ووصل العبد للوجه الصحيح لن يقع في تضارب المفاهيم وتشوّه تصوارتها وعدم القدرة على تمييز حدود الأخلاق: الكبر والثقة بالنفس، التواضع والمهانة، الصراحة والوقاحة، التفاني والفناء، الإغداق والإغراق عند العطاء.

الإنسان لا يستطيع أن يحب نفسه إلا إذا فهمها، ولا يستطيع الإنسان أن يفهم نفسه على الوجه المراد حتى يبدأ بالتعرف إلى خالقه جل علا فيفهم أسماءه وصفاته ومقتضياتها وفارق مرتبة الرب ومرتبة العبد وسلطان الأولى وحدود الثانية ويفهم عنه شرعه ومراده فيما ومن خلق الفهم الصحيح

طرف النقيض الثاني كره الذات: فمن الناس من طلَّق نفسه طلاقًا بائًنا! فهجرها وهجرتها!

لكن لأنها نفسه مقيمة معه لا مفر، فهو يهجرها في داخله، فيعيش المرء منفصمًا كأنه يحمل روحين متناحرتين في ذات البدن!

والسؤال المطروح لمن يعيشون هذه الحالة النفسية، ويستمرون فيها على شقائهم بها -لعجزهم أو خوفهم أو تخاذلهم-: كيف تحيا معدومًا سبيل الحياة؟ إن نفسك التي تناحرها هي معبرك ومطيتك في هذه الدنيا، فإذا قتلتها وأنت راكبها فمن يحملك؟  ثم هل الحياة إلا لتشتغل بنفسك؟ لو أنك تعيش حياتك هاربا من نفسك أو مشتغلا عنها أو لا وقت عندك لتربيتها وحوارها ومعالجتها وتزكيتها،. فعجبًا ما الذي تفعله إذن في الحياة؟ ماذا تفعل في حياة تَمتَحِن نفسَك وأنت لا وقت عندك لنفسك ولا متابعةَ لأجوبتها؟

أي نوع من الأشغال إذن له معنى أو قيمة إن لم يكن يصب في أجوبتك أو ينبع منها أو يخدمها؟ لمن تعيش؟ ولماذا تعيش؟ بمن أنت مشغول إذن؟! بماذا أنت مشغول إذن؟!

ثم إن الله تعالى لم يتعبدنا بالسخط والتعاسة والشقاء، ولا حتى بالحزن الدائم المثبط المهمد للروح عن كل خير، ولو كانت هذه المشاعر باسم الشعور بالذنب لتفريط أو تقصير. فالخطأ وارد من كل بني آدم مهما اجتهدوا، وارتكاب الخطأ بحد ذاته ليس نهاية الخطأ، فميدان الامتحان الأصعب هو تعاملك مع ما بعد ارتكاب الخطأ،، فإذا توقفت عند مجرد التشنج والعصبية والغضب والإحباط واليأس والوحشة هذا ليس خيارًا مقبولًا ويجب ألا يكون خيارًا مطروحًا عند المؤمن أصلًا، فالله تعالى بيّن للعباد ما يرضيه منهم ومنهجه لهم، فمن صدق في طلب الله أخذ بما بيّن الله على ما بيّن، وربّى نفسه على أدب الامتثال لربّه في كل أطواره، فلا يطيل أمد التشاحن والتحارب الداخلي، بل يصرف ذلته وكسرته أولا لربه تعالى استغفار واستعفاء، ثم يمسك بزمام نفسه ويفكر في كيفية التصحيح والتقويم ابتغاء مرضاة الله وتصديقا لتوبته، وفق ما بيّنه ربه في مختلف أحوال الخطأ وأطراف علاقته، ومن كان هذا نهجه تتربى نفسه ويشتد عود نفسيّته ومتانتها، فيتجاوز الأخطاء تجاوزًا محمودًا بناء، بغير عقد نفسية وحروب كونية وانفعالات جنونية،

الخطأ وارد من كل بني آدم مهما اجتهدوا، وارتكاب الخطأ بحد ذاته ليس نهاية الخطأ، فميدان الامتحان الأصعب هو تعاملك مع ما بعد ارتكاب الخطأ

أما من يتبع مزاج هواه وتقلبات نفسه وظنون فكره،. فهِجرته إلى ما هاجر إليه، على شرط أن ينسب مأساة حاله لنفسه ونكد عيشته لمنهجه في المعيشة، لذلك كان خير الخطائين التوابين،. لا الساخطون ولا الصائحون ولا الغاضبون ولا النائحون ولا الدراميّون ولا الجالدون للذات،.. إلى آخر صور التفريغ الخاطئة في التعامل مع الخطأ، والتي لا تخلو جميعًا من بذرة استكبار. وما من ذنب إلا وجعل الله منه مخرجًا ما دامت حياة، فمن الخطائين من يطلب المخرج من الذنب، ومن الخطائين من يذنب بالخروج من الطلب ، والعاقبة للتوابين.

ومكمن الإشكال في الوجود أن نتخذ الوجود مشكلة، ثم نتخذ وجودنا في الوجود المشكل مشكلة ثانية، فنصير بذواتنا مشكلين داخل مشكلة، وتتعقد في نظرنا كل أنواع الإجابات وكل سبل الحلول، ونتخذ الإمعان في الاستشكال شغلًا بدل محاولة الفهم، ونحتقر ذوى الرؤى الواضحة والعقول البسيطة التي لا تحسن التفلسف ولا يفتنها التعقيد والألغاز،. ويضيع امتحان الحياة في معضلة ميّتة،

وإن دوامة التوهان على جهل ورحلة المكابدة على بصيرة كلاهما يأكلان من العمر، لكن الأولى تنقصه من أطرافه والثانية تزيد من ثرائه، والمكابد في التوهان كالمكابد في المجاهدة، كلاهما أي نعم في كبد لكن العبرة بالكبد الذي تحتسبه وترجوه عند الله تعالى .

في الجزء الثاني نقف على المفهوم الوسط بين ذينك النقيضين، وهو: تقدير الذات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

القرضاوي…شيخ الصحوة وسلطان علماء العصر الحديث

بعد ستة وتسعين عاما، قضاها الشيخ الإمام الدكتور يوسف القرضاوي في رحاب الله ودعوته، انتقل …