الشائعات وأثرها المدمر

الرئيسية » خواطر تربوية » الشائعات وأثرها المدمر
rumors

الشائعات من عوامل الهدم القديمة والتي استخدمت لتحقيق مآرب شخصية أو طائفية أو حزبية من قِبل نفوس مريضة استفحل بها المرض وغطت الغشاوة بصرها وأسكتت صوت الضمير فيها، وهي من أخطر عوامل الهدم في المجتمع والتي من شأنها أن تثير الفتن بين أفراده فتجعلهم متناحرين، بل ربما أزهقت بسببها نفوس ودُمرت أُسر، وما حادثة الإفك التي تناولها القرآن الكريم إلا مثال جليّ يُعيد ذاكرتنا إلى الصراع بين شريعتين شريعة الغاب وشريعة الله والتي تستحل بها شريعة الغاب كل وسيلة من شأنها أن تحقق لها غاياتها وأهدافها ولو كان ذلك على حساب ضمير الإنسانية وتشويه وجه الحق، وحادثة الإفك من الشائعات التي يجب على المسلم أن يقف عندها مطولا ويتدبر كل حرف فيها ليعلم كيف يتعامل بمثل هذا المرض الذي أخذ في التفشي أركان المجتمع.

وقد تجد من يخوض في الشائعات ويتولى نشرها في البلاد وبين العباد على قسمين:

الأول: جاهل بعقوبتها وما يترتب عليها من آثار وأضرار.

الثاني: حاقد ينشرها عن خبث ومكر ليبث الفتنة ويزرع بذور الشقاق بين الناس، بل قل ساقط المروءة لا يهدأ له بال حتى يشيع الفاحشة بين الناس وتجريح ذوي الهيئات، فعادة ما تستهدف الشائعة شخصية لها أثرها ومكانتها في المجتمع فتستهدفه للإساءة له وتشويه صورته.

وفي حاضرنا اليوم ليس هناك أسرع من عبور الكلمة بل الإشاعة دون تثبت من صحة الخبر عبر القارات لتشترك كل وسائل التواصل بشبهة بل بتهمة ألقاها وبثها مُغرض لا يرقب في مؤمن لا حقوق رحم ولا جار ولا حتى أدنى حق للمسلم على أخيه المسلم وهو حفظ عرضه والذود عن حماه.

فتجد كلمة ربما أطلقها خبيث تتطاير في الآفاق وتصبح هذه الكلمة حديث الساعة فيتناولها الناس ويتناقلوها بل ويزيدون عليها ويشترك بذلك خبيث النوايا وسليمها، لذا كان لزاما أن نرجع لسورة النور التي تناولت حادثة الإفك، حتى يدرك المسلم كيفية التعامل في مثل هذه المواقف ولربما كانت عامل زجر وردع لكل من حدثته نفسه لترويج ما من شأنه أن يصدع بنيان المجتمع.

تأمل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النور:آية19]، فتأمل تفسير هذه الآية الكريمة: وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ) أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا، أي بالحد، وفي الآخرة بالعذاب" (ابن كثير، عمدة التفسير).

وتأمل قول نبيك المعصوم وما يترتب على كلمة دون تثبت، فعن أبي هريرة _رضي الله عنه_ سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق" (رواه البخاري).

نعم، يخبرنا القرآن الكريم عن الفئة التي تحب أن تشيع الفاحشة في المجتمع المؤمن، والذين يضربون بعرض الحائط كل النصوص التي تدعو الى الستر، ويهددهم الله عز وجل بعقوبة من يفعل ذلك دون تثبت أو أدلة، فمن يتهم لا بد له من دليل على صدق دعواه، بل بعض الدعاوي لا بد من عدد معين بشهود خصوص يشهدون بنفس الزمان والمكان.

وتأمل في قصة عندما جاء واعترف على نفسه بارتكاب الفاحشة، تدبر توجيه النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهو يحث على الستر ويرغب به بل ويفضّله على ما دون سواه، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "يا هزَّالُ لو سترتَه بثوبِك كان خيرًا لك ممَّا صنعتَ" (سنن أبي داود).

ولو تأمل القارئ العزيز ترغيب ديننا الحنيف بالستر وحثه عليه لوجد ففيه فوائد تعود على الفرد والمجتمع ولا ينكرها عاقل أو متدبر، ومنها:

1. عدم الجرأة على ارتكاب المحرمات والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

2. ترك المجال للمخطئ أن يتوب ويندم على خطئه من غير تجريح أو معايرة.

3. الحفاظ على البيوت من الدمار وعلى الأسرة من التفكك.

4. حفظ كرامة وماء وجه المخطئ وأفراد عائلته وأسرته فلا يعاقبون لا باللمز ولا بالهمز والتعيير والتجريح بوزر لا علاقة لهم بها، بل ربما تاب الله على المخطئ ووقع بالإثم الخائضون بسيرته دون تثبت أو أدلة.

كيف نتعامل مع الإشاعة:

1. إحسان الظن، فالأصل هو ألا يظن المسلم بأخيه المسلم غير الخير، فيقيس المسلم الكلام على نفسه فإذا كان لا يليق به فهو كذلك لا يليق بأي مسلم آخر ما لم يقم دليل يثبت غير ذلك، لقوله تعالى: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [سورة النور: آية 12].

2. التثبت وطلب الدليل، لقوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سورة النور: آية 13].

3. أن لا تُحدث بكل ما سمعت، لقوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور: آية 16]. فإذا بقي في نفسك شيء مما سمعت فالأصل ألا تتكلم به لأنه إذا تكلمت من غير دليل فأنت آثم وتعتبر قاذف للمحصنين والمحصنات.

4. رفع الأمر لجهات الاختصاص، فقد قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ} [سورة النساء: آية83]، وقد جاء في تفسيرها: "إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة" (ابن كثير) ويقول صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سمع" (رواه مسلم).

فليتقِ الله كل منا في كل همسة وكلمة تصدر منه بل وبكل تلميح وغمزة عين، ولنقف قليلا عند هذا الحوار: قال معاذ: يا رسول الله مرني بعمل يدخلني الجنة، قال: "آمن بالله وقل خيرا يكتب لك ولا تقل شرا فيكتب عليك، قال: وإنا لنؤاخذ بما نتكلم به؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟! (المعجم الأوسط للطبراني).
وتدبر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [سورة الحجرات: آية6].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

القرضاوي…شيخ الصحوة وسلطان علماء العصر الحديث

بعد ستة وتسعين عاما، قضاها الشيخ الإمام الدكتور يوسف القرضاوي في رحاب الله ودعوته، انتقل …