سلوى المهاجرين من كلام سيد المرسلين ﷺ

الرئيسية » خواطر تربوية » سلوى المهاجرين من كلام سيد المرسلين ﷺ
airplane23

قال تعالى: "وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" (النساء: 100).

- يقول الإمام الرازي في تفسيره: "ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية؛ وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذ استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك...".

- ويقول الإمام الرازي أيضاً: "... وإنما قدَّم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش؛ لأن ابتهاج الإنسان الذي يُهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه".

أولاً: توطئة

إن الظروف التي تمر بها أمتنا الإسلامية والعربية والتي لا تخفى على أحد جعلت كثيرين مع اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم وتخصصاتهم يهاجرون إلى دول كثيرة من العالم، إما هرباً من البطش والتنكيل، أو هرباً من سوء الأوضاع المعيشية والتردي الاقتصادي الذي جعل البلاد تضيق بأهلها.

فر المهاجرون الجدد إلى دول أكثر أمناً واستقراراً، تقدِّر آدميتهم، وتتفهم ظروفهم، وتستوعب طاقتهم، وتستثمر عقولهم.

إن من خرج من بلده مُهاجراً سواء خرج فاراً بدينه، أو خرج طلباً للرزق الحلال، أو سعياً لطلب العلم النافع، أو لأي سبب آخر له شرعيته ووجاهته ومنطقيته فإنه في معية الله حتى يرجع، وإن قبضت روحه في غربته فأجره على الله تعالى!!

إن من خرج من بلده مُهاجراً سواء خرج فاراً بدينه، أو خرج طلباً للرزق الحلال، أو سعياً لطلب العلم النافع، أو لأي سبب آخر له شرعيته ووجاهته ومنطقيته فإنه في معية الله حتى يرجع، وإن قبضت روحه في غربته فأجره على الله تعالى

ثانياً: سلوى المهاجرين

لابد على كل مهاجر أن يفهم أن كل مصيبة لا تبلغ مصيبة الدين هينة يمكن اجتيازها بالإيمان بمن قدَّرها، وباستحضار ثوابها، وباليقين من زوالها، وبمعرفة أن الدنيا ما هي إلا قنطرة للآخرة، وأنها "سِجْنُ المُؤْمِنِ، وجَنَّةُ الكافِرِ"، وأنه "لو كانتِ الدنيا تعدلُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ".

ودون الدخول في تفاصيل سأذكر بعض الوصايا الهامة لكي تكون للمهاجرين تذكرة وسلوى يضعونها نصب أعينهم لتخفف عنهم ما يمرون به من هم وبلوى.

أخي المهاجر ..

1- لا تبتئس، وثق أن الله تعالى جاعل لك من كل هم مخرجاً ومن كل ضيق فرجاً ورازقك من حيث لا تحتسب.

2- حاول أن تتكيف مع ظروف الجديدة وجرِّب البدائل والتوازنات (دون ذوبان ولا تنازلات)، وثق أن هجرتك هي قدر الله تعالى فتلقاه بطيب خاطر وبسعة صدر وبيقين بأن الله تعالى بقدرته ومشيئته سيجبرك ويعوضك ويبدل حالك إلى أفضل حال.

3- ثق أن الله تعالى سيفتح لك من أبواب الخير ما تقر بها عينك وما يرغم بها أنف عدوك فلا تتعجل الموعد ولكن كن على ثقة بتحقق الوعد.

4-عِش مُتفائلاً مرفوع الرأس مُبتسماً ولا تجعل اليأس يعرف إلى روحك سبيلاً "... وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ".

5- خُذ من حطام نفسك لبنات تُقيم بها جدار روحك إذا انقضَّ فلا يراك أحد إلا عزيزاً مرفوع الرأس شامخاً، واجعل شعارك "لن يُضيِّعنا الله".

6- ثِق أن الله تعالى لم يبتليك ليفجعك فحاشاه سبحانه أن يفعل ذلك، بل يبتليك ليهذبك ويأجرك ويقويك ويربيك لما أنت له أهل، وهو أن تكون خليفة لله سبحانه وتعالى في أرضه حاملاً ميراث النبوة، به عاملاً وإليه داعياً.

7- انظر لمن حولك ولما ابتلاهم الله تعالى به، فهذا قد ابتلي في دينه، وذاك قد ابتلي في خلقه أو في عِرضه، وآخر قد ابتلي في صحته أو في زوجته وأولاده، وأنت قد عافاك الله تعالى من كل ذلك بل جعلك بين كل هؤلاء شامة يُشار إليك ببنان الثقة والعفة والطهارة والأمانة.

8- افتخر بكونِك إلى الله داعياً وله مُطيعاً مُلبياً وفي حطام الدنيا زاهداً، وافتخر كذلك بدعوتك وأنت ترى الناس على كل الموائد يأكلون وحول كل ظالم يلتفون وباسمه يهتفون، وأنت لم تدور في فلكهم ولم تنخدع بصنيعهم ولم تغير قبلتك ولم تحيد عن غايتك.

9- توجه إلى ربك بالشكر أن جعلك لم تُداهن ولم تتملق ولم تكن لظالم مُؤيداً ولا مُناصراً بل تصدح بالحق في وجه كل جائر فترتعد فرائسه دون أن تلين لك قناة ولا يخور لك عزم.

10- كن واثقاً بأن ذكرك وذكراك لن ينتهيا بموتك فما ستتركه من أثر طيب وسيرة حميدة سيكون لمن خلفك زاداً يقويهم ومِصباحاً يُضيء دربهم فتصلك الدعوات وتنهال عليك الرحمات.

ثالثاً: بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي في ذكرها سلوى للمهاجرين والمغتربين

1- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "هل تدرُون أولَ مَن يدخلُ الجنةَ من خلْقِ اللهِ عز وجل؟ قالُوا اللهُ ورسولُه أعلمُ قال: الفقراءُ المهاجرون الذين تُسدُّ بهم الثغورُ، وتُتَّقى بهمُ المكارِهُ، ويموت أحدُهم وحاجتُه في صدرِه لا يستطيع لها قضاءً، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لمَن يشاءُ من ملائكتِه ائْتُوهم فحَيُّوهم فتقولُ الملائكةُ ربَّنا نحن سكانُ سمائِكَ، وخِيرَتُك من خلقِك أفَتأْمُرُنا أنْ نأتيَ هؤلاءِ فنُسلِّمُ عليهم؟ قال إنهم كانوا عبادًا يعبدُوني ولا يشرِكون بي شيئًا، وتُسدُّ بهم الثغورُ، وتُتَّقى بهمُ المكارِهُ، ويموت أحدُهم وحاجتُه في صدرِه لا يستطيع لها قضاءً، قال فتأتِيهمُ الملائكةُ عند ذلك فيدخُلون عليهمْ من كلِّ بابٍ سلامٌ عليكم بِما صبرتُم فنِعمَ عُقبَى الدارِ" (أخرجه أحمد، وابن حبان، والطبراني).

2- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: "ماتَ رجلٌ بالمدينةِ مِمَّن وُلِدَ بِها، فصلَّى عليهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ قالَ يا ليتَهُ ماتَ بغيرِ مولدِهِ قالوا ولمَ ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ قالَ إنَّ الرَّجلَ إذا ماتَ بغيرِ مولدِهِ قيسَ لَه من مولدِهِ إلى منقطَعِ أثرِهِ في الجنَّةِ" (صحيح النسائي).

قال السيوطي: قَالَ الطَّيِّبِيّ: المُرَاد أَنه يفسح لَهُ فِي قَبره مِقْدَار مَا بَين قَبره، وَبَين مولده، وَيفتح لَهُ بَاب الْجنَّة. اهــ.

3- عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلتُ: غَرِيبٌ، وفي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عنْه، فَكُنْتُ قدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عليه، إذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ، وَقالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ منه؟! مَرَّتَيْنِ، فَكَفَفْتُ عَنِ البُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ" (صحيح مسلم).

يَحتمِلُ أنْ يكونَ المعنى: أخرَجَ الشَّيطانَ مِن ذلك البيتِ وأبعَدَه مِن إغواءِ أهْلِه مَرَّتَيْنِ، ويُرادُ بالمرَّتينِ: صحَّةُ إسلامِ أبي سَلَمةَ، وحُسنُ هِجرتِه.

وقيل: يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بالمرَّةِ الأُولى هِجرتُه مِن مكَّةَ إلى الحبَشةِ، وبالثَّانيةِ هِجرتُه إلى المدينةِ؛ فإنَّه مِن أصحابِ الهِجرتينِ.

4- عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال‏:‏ ‏"‏موت الغريب شهادة إذا احتضر فرمى ببصره عن يمينه وعن يساره فلم ير إلا غريباً وذكر أهله وولده فتنفس فله بكل نفس يتنفسه يمحو الله عنه ألفي ألف سيئة ويكتب له ألفي ألف حسنة‏"‏‏ (رواه الطبراني في الكبير وفيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك‏).‏

5- عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ما مؤمن يموت في غربة من الأرض فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وبكته أثوابه وبكته أبواب السماء التي كان يصعد بها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به".

6- وعنه رضي الله عنه قال: "الغريب إذا حضره الموت التفت يمنة ويسرة، ولم ير أحداً، رفع رأسه فيقول الله جل جلاله: إلى من تلتفت إلى من هو خير لك مني، وعزّتي وجلالي لئن أطلقتك من عقدتك لأصيرنك إلى طاعتي، وإن قبضتك لأصيرنك إلى كرامتي" (الجواهر السنية).

رابعاً: لنا في المهاجرين الأوائل قدوة

إن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين الذين تربوا في مدرسة النبوة استوعبوا جيداً فضل الهجرة وعرفوا ما أعده الله تعالى لأصحابها فانتشروا بدينهم في الأمصار والثغور لكي يظفروا بهذا الأجر، ولكي يكونوا قدوة لمن بعدهم إلى يوم أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

انتشروا..
• ليموت أنس بن مالك رضي الله عنه بالبصرة.
• ويموت البراء بن عازب وأبو أمامة سهل بن حنيف رضي الله عنهما بالكوفة.
• ويموت عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ رضي الله عنه بالقدس في فلسطين.
• ويموت أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بالأردن.
• ويموت شرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما في طاعون عمواس بالشام.
• ويموت بلال بن رباح وأبو الدرداء الأنصاري رضي الله عنهما بدمشق.
• ويموت ثوبان بن بجدد رضي الله عنه - مولى رسول الله ﷺ - بحمص بالشام.
• ويموت جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في بلدة "قرقيسيا" شرق سوريا.
• ويموت سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما بالمدائن.
• ويموت أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه في القسطنطينية بإسطنبول.
• ويموت بريدة بن الحصيب رضي الله عنه بخرسان.
• ويموت عمرو بن العاص رضي الله عنه في مصر.
• ويموت عقبة بن نافع رضي الله عنه في بلاد المغرب.
ويكفينا أن نعرف أنه لم يُدفن في مكة والمدينة من المئة ألف صحابي الذين شهدوا حجة الوداع مع النبي ﷺ إلا بضع آلاف فقط والباقي قد دفنوا في مشارق الأرض ومغاربها.

أخيراً أقول:
إن كل ما سبق لا يقلل من شأن الوطن ولا من شأن لوعة الحنين للوطن ولكن إذا وجدت العصبية وخِيف على الهوية فإن الشرع في هذه الحالة لا يَعترف بالحدود الجغرافيَّة.

يقول الشاعر "نجيب الكيلاني" في قصيدة (أنا المهاجر):
لا تساْلــوا عن دياري اْين موقعهـــا *** محمد سيد الأكوان عنواني
وحيثما ارتفعت لله ساريــــــــــــة *** اْلقيت رحلي وأمالي وركبـــانـــي
ولست اْبغى سوى الاٍسلام لي وطنا *** الشام فيه ووادي النيل سيّـــــــــان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

قضية الابتلاء وبعض هوامشها

من معاني الابتلاء التي يعرفها الجميع، كون الابتلاء مكفرًا للذنوب ورافعًا للدرجات، وذلك للإنسان المؤمن، …