حفظ القرآن من أًبَرّ البِرّ في الآخرة

الرئيسية » خواطر تربوية » حفظ القرآن من أًبَرّ البِرّ في الآخرة
??????

إن ما يميز فضل القرآن؛ أنه لا يرتبط بمصلحة دنيوية زائلة ومنفعة مادية عاجلة، وإنما هو عملية بر دائمة مستمرة، تمتد من الحياة الدنيوية إلى النفع في الحياة الأخروية، بحيث تكون الأسرة المسلمة ممتدة ليس عائليا وعشائريا واجتماعيا ودنيويا فحسب، وإنما أسرة تتسابق إلى جنات النعيم، ويشفع بعضها لبعض فيها، ويرقى بعضها ببعض، ويُكَرَّم بعضها بأعمال بعضها، وذلك في دار النعيم المقيم والكرامة الأبدية، دار لَمِّ الشَّمل واجتماع الأهل، وهذا خاص بالصالحين المستحقين للجنة من البالغين وبجميع الأطفال، وأدلة ذلك كثيرة، ومنها الآيات التالية:

1. "وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ 21" الطور.

2. "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ 33" الرعد.

3. "ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ 70" الزخرف.

4. "رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ... 80" غافر، وهو دعاء الملائكة للمؤمنين.

ومنها ما ثبت في الأحاديث النبوية الصحيحة من كون الأبناء من كسب الآباء والأمهات، ومن كون معظم أعمال الإنسان التي كان يمارسها بنفسه وهو حي يرزق تنقطع عند موته، باستثناء بعضها فتبقى دائمة بلا انقطاع، وهو ما كان متسببا فيه، فيكون كسبا له حيا وميتا، كالصدقة الجارية، وبناء المساجد، والذرية الصالحة التي تدعو له وتستغفر، والعلم النافع المعمول به، والمصاحف وكتب العلم التي ورثها.

وإنني أرى بأن المحافظة على كتاب الله تعالى ونصرته وخدمته في كل المجالات يمكن أن يدخل فيها كل ذلك الثلاثة، فمن تبرع وساهم في بناء مراكز تعليمه أو إدامتها كان ذلك بمثابة صدقة جارية مستمرة، ما دامت تلك المراكز مستمرة في أداء رسالتها، وكأنها بيت من بيوت الله تعالى ووقفا من وقفيات الدعوة إلى الله تعالى، وفي الوقت نفسه كان ذلك خير علم ينتفع به، لأن خيرنا من علم القرآن وعلمه، إما بذاته أو بماله أو بكلامه أو بقلمه، بل وبكل وسيلة تساهم في ذلك.

أما الذرية الصالحة فهي الألصق بالأعمال الباقية، فالمسلم يمكنه تربية ذريته حتى قبل زواجه، وذلك إذا أحسن كل من الزوجين اختيار صاحبه، وخاصة اختيار الزوج للزوجة، بناء على معيارين رئيسين هما: "الخُلق والدين"، فظفرا بالنصر الأول "فاظفر بذات الدين"، ثم أحسنا التربية فظفرا بالنصر الثاني، وهو أن عيونهما تمتعت بالقرار "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين"، فكانا قرة عين لبعضهما، وكانت ذريتهما قرة عين لهما، ومعنى قرة العين هو أنهم سبب استقرار وسرور وسعادة دنيوية لبعضهم، وسبب تنعم الزوجين ببر وطاعة أبنائهما الصالحين لهما في حياتهما، ثم بعد وفاتهما، فيمتد عملهما الصالح من خلال أبنائهما، لأن طاعات الأبناء يضاف مثلها لرصيد الآباء والأمهات.

ولأن الأبوين أيضا ينتفعان بدعاء الأبناء وباستغفارهم لهما، وبصدقاتهم عنهما، وهل هناك من دعاء أعلى من أدعية الكتاب والسنة، حين تصدر من أبناء من أهل القرآن الذين يتلونه حق تلاوته، ويحفظونه حق حفظه، ويعلمونه حق تعليمه، وهذا ظفر بالنصر الثالث الأبدي.

أما الانتصار الرابع وهو الأعظم فحين يتم تكريم الأبوين في بعض مراحل انتقال أهل القرآن من القبر إلى الجنة، لأن أحد أبنائهما أو أكثر حفظ القرآن الكريم، وهنا تأتي قمة الرقي وقمة التكريم، وذلك ضمن عدة معارج، وكل ذلك ورد بأحاديث صحيحة وحسنة، ألخص محتواها بالتالي:

1. انشقاق القبر عن حافظ القرآن وحامله بحق ليؤنسه، ثم سير القرآن أمامه ليدله على الطريق، وليفسح له فيها، ويدافع عنه، ويشفع له، وذلك في مراحل البعث والحشر.

2. دخوله الجنة ورفع درجاته فيها بمقدار حفظه والتزامه، حين يقال له: "اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، وارتق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"، "اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ، مَا دَامَ يَقْرَأُ ..."، ثم "يزاد بكل آية حسنة"، واستنتج البعض من ذلك بأن عدد درجات الجنة بعدد آيات القرآن الكريم.

3. إلباسه تيجان أهل القرآن وكسوتهم وحليهم "الوقار والكرامة والنور والإستبرق"، والياقوتة من تاج الوقار "خير من الدنيا وما فيها"، وضوؤه كالشمس، وهو بذلك يشترك مع الشهيد في منحه تاج الوقار، والوقار إجلال وإعزاز، ويتم ذلك بطلب من القرآن موجه للرحمن.

4. منحه "الملك والخلد والنعيم والرضا والرضوان"، وهذه وما سبقها من معارج لم يرد أنها تشمل الأبوين.

5. إثابة وإكرام أبويه بـحلتين "كساء مكون من إزار ورداء"، لا تعدلهما الدنيا بأسرها، وإكرامهما بتاج النور، "ضوؤه مثل ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم"، وربما يكون المقصود بذلك تاج الكرامة أو الوقار، لكن لم يرد في ذلك أي حديث صحيح أو حسن أن الوالدين سيتم منحهما تاج الوقار أو تاج الكرامة، وورد فقط تاج النور ضمن حديث لم يتفق على تحسينه.

وقد نالا هذا الشرف لأنهما اللذان حرصا على تعليمه وتحفيظه القرآن، ولأنهما شجعاه على ذلك بالقول والفعل والمال، ولأنهما بذلا الجهد والوقت العظيمين على مدى سنوات، حيث سيقال لهما "بأخذ ولدكما القرآن" وفي رواية "بتعليم" وأخرى "من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به "، ورواية بتعليم لها معنيان هما تعليمهما هما القرآن له، ثم تعليمه هو القرآن لغيره، وفي رواية "يا رب حملته إياي، فحفظ حدودي وعمل بفرائضي واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي".

وجمهور شراح الأحاديث على أن هذا الإكرام خاص بالوالدين دون سواهما عملا بظاهر الأحاديث، أما الباقون كالذين دلوا الناس على القرآن وعلموهم إياه فلهم فضائل متعددة وردت بأحاديث صحيحة لا يتسع المقام لذكرها، جعلنا الله وإياكم من حفظة القرآن وحملته وأصحابه ومتعلميه ومعلميه وعاملين بما فيه.

______________________

رئيس مجلس إدارة جميعة المحافظة على القرآن الكريم الأردنية

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مسؤولية التعلم ولو في غياب “شخص” معلم

ربما من أوائل ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة بين المعلم والمتعلم، قصيدة …