حتى لا تتحول حواراتنا إلى “مَكْلَمَة” واختلافاتنا إلى “مُلاكَمَة” (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » حتى لا تتحول حواراتنا إلى “مَكْلَمَة” واختلافاتنا إلى “مُلاكَمَة” (1-2)
حتى لا تتحول حواراتنا إلى مَكْلَمَة واختلافاتنا إلى مُلاكَمَة 1-2 2

المَكْلَمَة أقرب ما تكون إلى تصيد الأخطاء، وتتبع العثرات، وتضخيم الهفوات والزلات، والتراشق بالألفاظ، والتشدق باللسان، والتقعر في الكلام، وادِّعاء المعرفة، ويمكن أن نسميها نزال بلا سيف، وطحن بلا طحين، وصراع مع الطواحين!

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ؟ قالَ: المتَكَبِّرونَ" [صحيح الترمذي]

وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي الله ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان (أي من علمه مُقتصر على لسانه، ليس لقلبه منه حظ)" [رواه ابن حبان]، وعن الفاروق عمر - رضي الله عنه - قال: "إن شقاشق الكلام (وشَقْشَقَةُ اللِّسَانِ: تعي الكَلاَمٌ الذي لاَ طَائِلَ تَحْتَهُ) من شقاشق الشيطان" [مسند أحمد]

قاعدة: علينا أن نفرِّق بين من يحاور ليُمحص الآراء ليصل إلى الحقيقة؛ فهذا الصنف من الناس يستحق منا أن نهش له ونبش ونفتح عقولنا وقلوبنا لكلامه إلى أن يصل إلى مُبتغاه، بخلاف من يُجادل من أجل الجدال فهذا الصنف من الناس لا ينصاع لحق ولا ينزجر لموعظه ويراوغ روغان الثعلب ومن الصعب إقناعه بشيء! قال تعالى: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]، والكيِّس الفطِن من يُفرِّق بين هذا وذاك.

أولًا/ بين يدي الموضوع

إن الله تعالى قد ميَّز الإنسان عن غيره من سائر المخلوقات بالقدرة على التحاور وتجاذب أطراف الحديث بما يضمن تلاقح الأفكار، وتبادل الخبرات، وإثراء الفكر، والخروج بما فيه الخير للجميع دون منِّ ولا أذى، ودون بغي ولا قطيعة.

علَّمنا الله تعالى كيف تكون مُناظرة أهل الباطل لتفنيد آرائهم ولدحض حُججهم لإقصائهم عن غيِّهم ولإزالة الشبهات التي قد تنطلي على عقول البسطاء من الناس

ولغة الحوار لا يفهمها إلا العُقلاء النجباء ولا يعزف عنها إلا السذج البُلهاء، ولأهمية الحوار بين بني البشر فقد علَّمنا الله تعالى كيف يكون الحوار من خلال حواره - سبحانه وتعالى - مع الملائكة بشأن خلق آدم، ومن خلال حواره - سبحانه وتعالى - مع نبيِّه إبراهيم - عليه السلام - بشأن إحياء الموتى... وغير ذلك من الحوارات الموضوعية والبناءة التي وردت في القرآن الكريم.

وقد علَّمنا الله تعالى كيف تكون مُناظرة أهل الباطل لتفنيد آرائهم ولدحض حُججهم لإقصائهم عن غيِّهم ولإزالة الشبهات التي قد تنطلي على عقول البسطاء من الناس، ومن المناظرات التي وردت في هذا الشأن: مناظرة نبي الله إبراهيم - عليه السلام - للنمرود، ومناظرته لقومه، ومناظرة نبي الله موسى - عليه السلام - لفرعون، وغير ذلك من المناظرات الدامغة التي وردت في القرآن الكريم.

ومن يُقلِّب في أحداث السيرة النبوية المطهرة يجد أنها لا تخلو من الحوارات البناءة المُثمرة، وكذلك لا تخلو من المناظرات الدامغة مثل حوار النبي ﷺ مع قومه بعدما صعد ﷺ على جبل الصفا ليجهر بالدعوة، ومثل مناظرته ﷺ لقومه عندما عرضوا عليه لعاعة الدنيا وحطامها الزائل لكي يثنوه عن دعوته، ونجد أن التابعين وتابعيهم ساروا على هذا الهدي إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن مواقف السيرة تعلمنا أن النبي ﷺ هو أفضل مَنِ استخدم أسلوب الحوار، وقد مارسه ﷺ على أحسن ما يكون مع المسلم والكافر، ومع الرجل والمرأة، ومع الشيخ والطفل سواءً بسواء.

علمتنا السيرة النبوية كيف تعامل النبي ﷺ مع الشاب الذي جاء يستأذنه ﷺ في الزنا، وكيف تعامل مع اليهودي الذي اتهمه دون وجه حق قائلًا: "إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطل"، وكيف تعامل النبي ﷺ مع الرجل الذي أخذته الريبة في شأن زوجته التي ولدت غلامًا أسود، فلم يتركه النبي ﷺ حتى أقنعه بأن "عِرقًا نزعه"... إلخ.

إننا لو اتبعنا كل ما سبق من آداب لبلغنا كل غاية شريفة بكل يُسر وبأبسط جهد ولكسبنا العقول، ولفزنا بالود، ولوفرنا جهودًا وأوقاتًا نبذلها في تراشق ممقوت ونِزال لا طائل منه؛ فالهدف من الحوار البنَّاء هو تصحيح المفهوم، وإظهار الحُجَّةٍ، وإثبات الحقٍ، ودفع الشبهة، وردُّ الأقوال والآراء الفاسدة.

الاختلاف هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ليكون الناس بعضهم لبعض سخريًا، ولتتضافر الجهود وتتلاقح الأفكار بهدف الوصول إلى الصورة المُثلى التي يستفيد منها الجميع

ثانيًا/ خلاف لا اختلاف

إن الاختلاف هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ليكون الناس بعضهم لبعض سخريًا، ولتتضافر الجهود وتتلاقح الأفكار بهدف الوصول إلى الصورة المُثلى التي يستفيد منها الجميع، قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]

وقد جعل الله تعالى الاختلاف بين الخلائق آية من آيات عظمته سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22]

1. الفرق بين الاختلاف والخلاف:

الاختلاف سنة كونية وضرورة حتمية؛ فالليل لا بد أن يُقابله النهار، والشمس لا بد أن يُقابلها القمر، والشدَّة لا بد أن يُقابلها اللين، والقسوة لا بد أن تقابلها الرحمة، حتى الشحنات المُوجبة تقابلها شحنات سالبة، وكل ما سبق يجب أن نفهمه ونقبله ونتعايش معه وإلا ما استقامت الحياة.
لما سُئِل معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - كيف حكمت الشام أربعين سنة برغم القلاقل والأحداث السياسية المضطربة؟ قال: "إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها"

أما بالنسبة للخلاف، فإن الخلاف هو الجانب المُعتم للاختلاف، يلفظ كل طرف الطرف الآخر لفظ النواة ولا يقبله ولا يتقبل رأيه ولا يشكر سعيه ولا يعترف بدوره، حينها تنتكس الفطرة وتضطرب العلاقات ويسود التشاحن والتشرذم والتنابز، وقد يتطور الأمر إلى أن يفكر كل طرف في القضاء على الطرف الآخر.

إن الخلاف يأتي ببنيان الأخوة من قواعده، ويجعل سقف الأسر والعائلات والجماعات يخر على كل من هم تحته، ويُدمِّر سقف بنيان الإنسانية.
وبسبب الخلاف تتأجج الصراعات في الأقطار والأمصار، وتنحى العقول والقوانين والأعراف جانبًا، ولا نسمع إلا صوت التراشق، والقدح، والتنابز بالألقاب، والهجاء، إلى أن يصل الأمر إلى المدافع والطائرات.

إن الخلاف لا يترك قويًا إلا أضعفه، ولا عزيزًا إلا أذله، ولا عرشًا إلا أزاله، ولا غنيًا إلا جعله ممن يسألون الناس إلحافًا.

إن كل ما سبق يُحتِّم علينا أن نعمل على رأب الصدع، وتضييق هوة الخلاف، وتقبل الآخر، دون تنازل عن مبدأ صحيح، ولا عن أصل من أصول الدين والعقيدة.

وما يضمن لنا تحقيق ذلك هو الاستسلام لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24]، والتأسي بهدي النبي ﷺ في قوله: "الجماعةُ رحمةٌ والفُرقةُ عذابٌ" [رواه أحمد]

وما يضمن لنا تحقيق ذلك أيضًا هو علمنا بأن الآراء ما هي إلا وجهات نظر، والنصوص قد تخضع للتأويل، وما أجمع عليه السابقون قد يختلف عليه المعاصرون، وباب الاجتهاد مفتوح، وكل مجتهد اجتهادًا شرعيًا مأجور حتى ولو رأى من يخالفه الرأي عكس رأيه.

والاختلاف إذا أدى إلى خلاف فاعلم أن الطرفين أو أحدهما معلول النية، خبيث النفس، مطموس الفطرة، أعمى البصيرة، يقوده هواه إلى ما لا تُحمد عُقباه.

حدثت نماذج عديدة للاختلاف في الرأي وفي وجهات النظر على مستويات مختلفة وأوساط مختلفة ولكن لوجود النية الحسنة والتجرد التام مرَّت هذه المواقف بسلام وبدون أن تنال من نفوس أطرافها ولا من قلوبهم شيئًا

2. نماذج للاختلاف

إن الاختلاف هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والاختلاف يؤدي إلى تضافر الجهود وتلاقح الأفكار بهدف الوصول إلى الصورة المُثلى التي يستفيد منها الجميع.

يذكرنا الشرع بأنه قد حدثت نماذج عديدة للاختلاف في الرأي وفي وجهات النظر على مستويات مختلفة وأوساط مختلفة ولكن لوجود النية الحسنة والتجرد التام مرَّت هذه المواقف بسلام وبدون أن تنال من نفوس أطرافها ولا من قلوبهم شيئًا.

- أخبرنا القرآن الكريم أن الملائكة قد اختصموا فيما بينهم في شأن آدم عليه السلام وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه.

- وأخبرنا أن ملائكة الرحمة وملائكة العذاب اختصموا فيما بينهم في شأن الرجل الذي قتل مائة نفس.

- ونبأنا أيضًا أن نبي الله موسى - عليه السلام - اختلف مع أخيه هارون، عليهما السلام، بعد عبادة بني إسرائيل لعجل السامري.

- ونبَّأنا القرآن الكريم كذلك عن اختلاف نبي الله داوود وابنه سليمان عليهما السلام في حُكم الغنم إذ نفشت في حرث القوم.

- وعلَّمنا عن اختلاف وجهات نظر الصحابة في أسرى بدر بين قتل الأسرى وبين العفو عنهم مقابل الفِداء، حتى نزل حكم الله تعالى فيهم.

- وأخبرتنا السيرة النبوية المُطهرة عما حدث من الصحابة يوم الأحزاب عندما قال لهم النبي ﷺ: "لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"

- كما أخبرتنا السيرة النبوية المُطهرة أيضًا عن اختلاف المسلمين بعد صُلح الحُديبية وعدم رغبتهم في العودة فأشارت السيدة أم سلمة هند بنت أمية - رضي الله عنها - على النبي ﷺ أن يحلق رأسه أمامهم كي يقتدوا به وينتهي الأمر، وهذا ما حدث بالفعل.

والنماذج في هذا الجانب كثيرة والعامل المشترك بينها جميعًا هو أنه كان اختلاف مصلحة وليس للنفس فيه نصيب.
وللحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع إن شاء الله تعالى

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

“بروباجندا” الشذوذ الجنسي في أفلام الأطفال، إلى أين؟!

كثيرًا ما نسمع مصطلح "بروباجاندا" بدون أن نمعن التفكير في معناه، أو كيف نتعرض له …