لماذا يبتلينا الله بالمصائب الكبرى؟!

الرئيسية » حصاد الفكر » لماذا يبتلينا الله بالمصائب الكبرى؟!
لماذا يبتلينا الله بالمصائب الكبرى

من توابع المصائب الكبيرة في حياة الإنسان والأمم، سؤال يخرج من فئتين، فئة مؤمنة من باب التساؤل، لتجد إجابة تريحها، وتعينها على تحمل البلاء، وأخرى ملحدة، تطرحه من باب التشكيك في وجود الخالق.

أما سؤال المؤمنين، فهو: لماذا يبتلينا الله بالمصائب الكبرى، ونحن عبيده، وخلقه، وما حكمته في ذلك، وهو العليم الخبير؟ وأما سؤال الملحدين، فيكون: لماذا خلق الله الشر؟ وكيف يعاقب خالق رحيم -كما تصفونه- الناس بكل هذا الكم من الشر والمصائب في الكون؟

سؤال مشروع

أما سؤال المؤمنين عن المصائب والابتلاءات، ولماذا يبتلينا الله عز وجل بها، فهو سؤال مشروع، بل مطلوب أحيانا ليزداد المؤمن إيمانا، وليعلم كيف يواجه المحن في حياته، فبعد كل محنة كبرى تعيشها أمة، أو فرد، يأتي السؤال طبيعيا، وليس هذا السؤال علامة على أنه رافض لقضاء الله تعالى، بل هو مسلّم به، لكنه يحتاج إلى من يدله ويبصره: أين الخلل؟ أين الخطأ؟ وهو ما حدث للصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعد غزوة أحد، وقد هزموا، وهم مؤمنون، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا جاء سؤالهم طبيعيا، فقال تعالى: {أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم ‌مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} [آل عمران: 165]

كل إنسان يعتقد أن مصيبته هي كبرى المصائب في الحياة، فكل إنسان يدور حول نفسه، ومشاكله

معيار المصائب الكبيرة

لا شك في أن كل إنسان يعتقد أن مصيبته هي كبرى المصائب في الحياة، فكل إنسان يدور حول نفسه، ومشاكله، وهو أمر طبيعي، فمن يبحث عن عمل يرى أن أكبر المصائب أن يجلس في بيته بلا عمل، وإذا كان رب منزل وعنده أولاد، وبنات، منهم من يحتاج إلى التعليم، ومنهن من تحتاج إلى تكاليف الزواج، فسيجد أنه في بلاء كبير.

ومشكلة المواطن العادي، تختلف عن مشكلة المسؤول، وصاحب المصنع، يختلف في ابتلائه عن العامل، فمعيار البلاء كبيرا كان أو صغيرا نسبي، حتى في المصائب الكبرى العامة، ولا يمكن أن نقلل من شعور فرد أو جماعة من الناس بكبر أو صغر أي مصيبة أو ابتلاء، وليس من الصواب أن نضع معيارا بحسب قدراتنا نحن، بل كل مبتلى، وكل يشعر بتقدير ابتلائه.

يبتلي الله البشر، المؤمن والكافر، لأنه تبارك وتعالى خلق خلقا لا يعصي ولا يبتلى، وهم الملائكة، وأراد أن يخلق خلقا آخر لديه إمكانية الخطأ والصواب، والطاعة والمعصية، فخلق البشر، وخلق حياتهم وقوانينها، وبنى هذه الحياة على الاختبار والابتلاء

الحياة مبنية على الابتلاء

يبتلي الله البشر، المؤمن والكافر، لأنه تبارك وتعالى خلق خلقا لا يعصي ولا يبتلى، وهم الملائكة، وأراد أن يخلق خلقا آخر لديه إمكانية الخطأ والصواب، والطاعة والمعصية، فخلق البشر، وخلق حياتهم وقوانينها، وبنى هذه الحياة على الاختبار والابتلاء، فقال تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ‌ٱلۡمَوۡتَ ‌وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ} (الملك: 2)، وقال: {كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ ‌وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، فهذا قانون إلهي لا يحابي أحدا، كل خلق الله يبتلى، يستوي في ذلك الجميع بلا استثناء.

لماذا الابتلاءات الصعبة؟

أما لماذا يبتلينا الله بالابتلاءات الصعبة والكبرى؟ فالله عز وجل هو الخالق، وهو من يقرر اختبار كل إنسان، في أي جانب يكون، وكيفية هذا الاختبار، ولكنه تبارك وتعالى يبتلي المرء على قدر دينه، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال “الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي ‌على ‌قدر ‌دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة”، فليس معنى شدة البلاء أنه سخط من الله عليك، أو انتقامه منك، فكلما كنت متفوقا كانت الأسئلة صعبة، وتتناسب مع مستوى استعدادك للامتحان.

من عدل الله ورحمته، أنه لا يبتلي الإنسان إلا بما يستطيع، ولا يكلفه إلا ما يطيق، فلا يحمله فوق طاقته، ولا يحاسبه على ما هو مكره عليه

لا يبتليك الله إلا بما تستطيع

كما أن من عدل الله ورحمته، أنه لا يبتلي الإنسان إلا بما يستطيع، ولا يكلفه إلا ما يطيق، فلا يحمله فوق طاقته، ولا يحاسبه على ما هو مكره عليه، فقد قال تعالى عن الإنسان الذي يكره على الكفر {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ ‌وَقَلۡبُهُۥ ‌مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (النحل: 106)، وهنا تعذيب البشر للبشر، أو امتحان البشر للبشر.

لكن امتحان الله وابتلاءه، ليس فوق طاقة الإنسان، بل بما يتحمله، وبما يطيقه، ولذا كان من دعاء المؤمنين ألا يحملهم ما لا طاقة لهم به، وقد ناقش علماء الأصول مسألة: هل يكلف الله الناس بما لا يطيقون، وانتهوا إلى عدم وجود ذلك. ولذا كان أحد السلف يقول: لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن سله أن يقوي ظهرك.

إذا عم البلاء هان

ومن النقاط المهمة في الابتلاء أنه إذا كان واقعا على فرد وحده، عظم وكبر، وكان شاقا عليه، فلو أن إنسانا سقط عليه بيته، وكان في العراء وحده، فسيجد مشقة في ذلك، ووحدة في الأمر، وكذلك المرض وبقية الابتلاءات الفردية، لكن عندما يأتي البلاء جملة، ولعدد من الناس، يبدأ الناس النظر إلى غيرهم، فمن مات له واحد هان عليه مصابه حين يرى أهل بيت كلهم ماتوا، ومن مات له ابن يهون عليه أن يرى أبًا فقد كل أبنائه وزوجه، وهكذا، فالبلاء عندما يأتي لعدد من الناس، نعم يكون فاجعة كبرى للبلدة التي ابتلاها الله، لكنه يكون أيضا من ألطاف الله، لأن الناس تنظر إلى من صبر فتستلهم منه الصبر والثبات.

وأذكر أنه حين أصيبت ابنتي رحمها الله في حادث، وكانت في العناية المركزة، كنت أشعر أنا وزوجتي أننا في بلاء كبير لم يصب به غيرنا، ولم أجد ما أواسي به زوجتي، ولما دخلت لترى ابنتي لأول مرة بعد الحادث، وجدتها خرجت وهي مطمئنة وساكنة، ولم أفهم السر، فسألتها فأجابتني بأنها دخلت فوجدت سريرا لطفلة سودانية بجوار ابنتي، وتجلس بجواره أمها، سألتها: ما بها؟ قالت: عندي أربع بنات، يعشن، ثم عند سن معين يصبن بمرض فلا يمر سوى أيام حتى يمتن، فسألتها: وابنتك هذه رقم كم في بناتك؟ فقالت: هي الرابعة والأخيرة، ووجدت المرأة صابرة، فهان عليها بلاؤها في ابنتها.

من حكمة الله في الابتلاءات، أنها لا تأتي إلا مصحوبة بلطف الله تعالى، ولا يدرك ذلك إلا من تأمل جيدا في أي بلاء يصيبه، سواء كان كبيرا أو صغيرا

لا ابتلاء بغير لطف من الله

من حكمة الله في الابتلاءات، أنها لا تأتي إلا مصحوبة بلطف الله تعالى، ولا يدرك ذلك إلا من تأمل جيدا في أي بلاء يصيبه، سواء كان كبيرا أو صغيرا، وقد فطن لهذا المعنى الإمام الصوفي الكبير الحكيم ابن عطاء الله السكندي، فكتب حكما سميت باسمه “الحكم العطائية”، صاغها في عبارات دقيقة، ملخصة من فهمه للدين والحياة، يقول فيها “من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان، سيق إليه بسلاسل الامتحان”، ويقول “من ظن انفكاك لطف الله عن قدره، فذلك لقصور نظره”، {إِنَّ رَبِّي ‌لَطِيفٞ ‌لِّمَا يَشَآءُ} (يوسف: 100)، ويقول “ليخفف ألمَ البلاء عنك علمُك بأنه سبحانه هو المبتلي لك”. ولذا اشتهر من أقوال عوام المصريين قولهم “قدر ولطف”، أي أن الله يقدر الأمر، ولكنه قدر بلطف.

أجزل الأجر على الصبر

ومن أكبر ألطاف الله تعالى بالناس عندما يبتليهم عظمُ المثوبة والأجر الذي يعد به من صبر على بلائه، يقول تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى ‌ٱلصَّٰبِرُونَ ‌أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ} (الزمر: 10)، ويقول صلى الله عليه وسلم في من فقد ابنا أو بنتا، وصبر “إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه ‌بيت ‌الحمد”. كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في من فقد بصره، وهو ما ينطبق على فقد أعضاء أخرى “يقول الله: من أذهبت حبيبتيه، فصبر واحتسب، لم أرض له بثواب دون الجنة”، والحبيبتان هنا هما العينان. فحينما ينظر الإنسان إلى فلسفة الابتلاء في الإسلام، نظرة كاملة من جميع جوانبها، يتضح له لماذا يبتلينا الله في الحياة الدنيا.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • الجزيرة مباشر
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الصهيونية.. البناء الذاتي وحبل الاستعمار

جانب كبير من كراهية المسلمين للدول الغربية عمومًا يعود إلى تبنِّيها للكيان الصهيوني، والدفاعِ عنه …