الطاعة باب السعادة الأسرية

الرئيسية » بصائر تربوية » الطاعة باب السعادة الأسرية
الطاعة باب السعادة الأسرية

من المعلوم سلفًا أن الطاعة والقرب من الله - عبادة وسلوكًا وخلقًا - من مقومات السعادة في الحياة وقد أوضح القرآن جليًا خطورة الأعراض عن طريق الله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 124]، فكان هذا الجزاء لمن أعرض، وأما من لبى واتبع فإن حياته أسعد وأفضل، ومن أصدق من الله قيلا!

ونحن اليوم وانطلاقا من الحرص على المحضن التربوي الأول (وهو البيت الذي يحوي كيانًا اسمه الأسرة المسلمة) فإننا سنوضح كيف تكون الطاعة بابًا للسعادة في الحياة وكيف تجعل الطاعة وتعيد البسمة المفقودة للأسرة وتعلي من شأنها وتنشر ثقافة البسمة والبهجة.

بداية.. إن السعادة الأسرية بشقيها (الزوجية - التربوية) فالأولى بين الزوجين وهي من أسمى الأمور ومعاليها؛ فالشيطان - كما ورد - يلبس التاج لمن يفصل بين زوجين وينشر الحزن والنكد والفراق، والشق الثاني السعادة الشمولية في البيت برمته بين الأب والأم والأبناء، وتلك مهمة صعبة إلا إذا كانت الطاعة عنوانًا والقرب من الله مسارًا.

العشرة الزوجية وفق مراد الله تجعل الزوج مرتاح البال هادئ الطباع غير مفتعل للمشكلات والأمور الحياتية التي تحول البيت لبركان غضب

خطوات السعادة بالطاعة:

الخطوة الأولى/ المعاشرة بالمعروف

الخطوة التي تجعل البيت سعيدًا بالقرب من الله هي الاستسلام للأمر الإلهي: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]

العشرة الزوجية وفق مراد الله تجعل الزوج مرتاح البال هادئ الطباع غير مفتعل للمشكلات والأمور الحياتية التي تحول البيت لبركان غضب، لأنه يدرك أن الحكمة الإلهية هنا هي باب للسعادة القلبية عند الزوجين، وليس الزوج فقط.

وهنا يكمن سر السعادة الأولية في الطاعة الإلهية، ونحن - مع الأسف - نسمع كل ساعة عن مشكلات وخلافات، ومحاكم الأسرة تعج بالآلاف من الأزواج والزوجات، ودموع الأطفال وما ذلك كله إلا بغياب هذا الأمر، وعدم الانصياع لأمر الله بالإحسان للزوجة والعشرة الطيبة، فلو أحسنوا لبعضهم البعض وتغافلوا لزاد الود، لكن لما غاب التبحر في القرآن وجعله حكما دب الخلاف والكره.

الخطوة الثانية/تقوى الله

"اتق الله ولا تطعمنا حرامًا؛ فإنا نصبر على جوع الدنيا، ولا نصبر على عذاب النار!"

الكثير من الأجداد والآباء توارثوا هذا المعنى القيم، فيقولون إن المراة المسلمة وهي تودع زوجها الساعي نحو عفاف أهله من السؤال الذاهب نحو عمله يكون هذا كلامه وهي توصيه، أي يا زوجي اتق الله في مطلبك وسعيك ولا تمد يدك للحرام، ولا تأتي إلينا بكثير الأموال من الحرام، فلن نسعد بالحرام؛ فهو باب شر في الدنيا والآخرة، وتؤيد النصح بأنها وأولادها يستطيعون الصبر على ضيق المأكل وقلة اليد والجوع إن لزم الأمر، لكن لا يدخل الجوف لقمة حرام، فإن الآخرة آتية والعقاب هناك نار لا نقوى عليها.

إن التقوى من أهم العبادات التي تؤمن للفرد مستقبله في الدنيا والآخرة، وهناك الكثير من الدلائل: فالتقوى باب النجاة والله أمر عباده: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 19]

التقوى من أهم العبادات التي تؤمن للفرد مستقبله في الدنيا والآخرة، وهناك الكثير من الدلائل: فالتقوى باب النجاة

بل إن الله - عز وجل - أمر كل من يخاف على ذريته ومشغول عنهم أن يتقي الله لو أراد لهم الحياة الكريمة من بعده فقال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]

بل ورد أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال له أحد الحاضرين ألا تترك لأولادك ما لا يعيشون به من بعدك، فقال: "معاذ الله أترك لهم مالًا كثيرًا يكون عونًا للمعصية وليس الطاعة، ولكن إن يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين"، وبعد وفاته رأى الناس أبناء عمر يوزعون الصدقات، وأبناء غيرهم يتسول، وهنا تكمن حقيقة التقوى ومآلاتها، وكم هي كافية لسعادة المرء في دنياه وآخرته.

وقناعتي أن هذه النصيحة وهذه الحياة وتلك العبادة العالية في تحري الحلال والحرام من أعظم مقومات السعادة الأسرية، وكم تكون الأسرة سعيدة مسرورة، كيف لا ورب الأسرة يتقي الله، والتقوى هي لبُّ السعادة في الدنيا والآخرة، وبها كل شيء يقوى، والزوج الواعي هو الذي يقبّل جبين زوجته الناصحة له، المذكرة إياه أن يا عبد الله اتق الله، وعليه فإننا ندعو كل زوج إلى أن يتقي الله في مأكله وملبسه، ويقدم رضا الله عن أي ثراء من باب حرام، فأيّما شيء نَبَتَ من سُحْت فالنار أولى به.

الخطوة الثالثة/ صلاة الفجر

رحم الله رجلًا قام من ليله وأيقظ زوجته فإن أبت نضحَ في وجهها الماء، وكذلك الزوجة الصالحة القوامة.

والمعنى هنا للقيام والصلاة المفروضة، وفي كلٍ خير، فتخيل زوجتك توقظك للصلاة أو العكس، أليست تلك سعادة فوق السعادة، بل ماذا تتوقع من هذا الجو إن لم يكن أصلًا سعيدًا، ويطلبون المزيد وهو هنا شيء عظيم، فالطاعة التي يغيب عنها الكثير (الفجر) تكون عنوانًا لمزيد من الاستقامة الأسرية سعادة وتنفيذًا لمراد الله وتحقيقًا لوصية رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

الخطوة الرابعة/ الصيام

ولعل من توفيق الله أن يكتب هذا المقال مع بداية الشهر الكريم، والأمر هنا لا يحتاج لكثير من التفاصيل، بقدر ما يحتاج لإيقاظ الوازع الديني في النفوس والعقول والقلوب، وعلى الكل أن يشمِّر عن ساعديه، والأب أولًا؛ فهو القائد لهذا الكيان وربان سفينة البيت، وهو المسؤول فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

رمضان من أعظم الفرص التي يجب على الجميع اقتناصها فهو باب للمصالحة الشمولية مع الله، مع النفس، مع الأحباب، مع الجيران، مع الأهل؛ فالكل مدعو لاعلان النقاء والتقوى ونبذ الخلافات بشمولها

وكأني به وهو عائد من عمله في رمضان بعد يوم طويل ليجد الأسرة متعددة الأدوار، فإذا به يذهب ليتوضأ ويستعد لقراءة أوراده من الأذكار والقرآن، فينادي أبناءه ليجلسوا حوله وتبدأ الحلقة القرآنية، ثم تأتي الزوجة لتسعد بالجلوس في هذا المناخ الرباني، والجو الإيماني، والأمر يتحول لخواطر وإنصات واستماع وذكر واستغفار وقرآن ورضا وقبول، ونظرة سعيدة على وجوه الجميع، وراحة بال وكل هذه ثمرات الطاعة بل يتجاوز الأمر كل ذلك في مزيد من الألفة والبشريات والضحكات عند تناول الإفطار والدعاء عند الأذان ثم الذهاب للتراويح جميعا بعد ذلك.

وقناعتي أن رمضان من أعظم الفرص التي يجب على الجميع اقتناصها فهو باب للمصالحة الشمولية مع الله، مع النفس، مع الأحباب، مع الجيران، مع الأهل؛ فالكل مدعو لاعلان النقاء والتقوى ونبذ الخلافات بشمولها، فتلك سعادة مجتمعية منبتها الطاعة، فما أعظم هذه الخطوة وما أعظم رمضان وما أفضل أيامه.

ختامًا..

الإنسان هو سيد قراره، فإن أراد السعادة في الدارين إجمالا فالطريق معلوم: "اسجد واقترب" وإن رغب في الشقاء فالضنك في الحياة مصيره.
فالسعادة الأسرية هي عنوان لراحة البال والاستقرار، وكل هذا لا يحدث إلا من خلال اللجوء والإقبال على الله بقلب خاشع لسان حاله يقول: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف: 88]

فكلما كان الاعتراف لله بقلة الحيلة والضعف، كان العطاء أضعافًا، المهم إن تحسن مقصدك وتُصلِح نيّتك وتقبل بصدق الجوارح قبل اللسان.

نسأل الله أن يجعل بيوتنا آمنة مطمئنة سمتُها السعادة وعنوانها التقوى، وشعارها: "وعجلت إليك ربِّ لترضى"

كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

آثار مشاهدة أفلام “الكرتون” الإيجابية والسلبية على أطفالنا

أفلام “الكرتون” كانت وستظل سبب سعادة ومرح وترقب الأطفال، ومصدر قلق وتوجس الآباء والأمهات، فهل …