مسؤولية الرقابة على أطفالنا في مواجهة “ديزني” و”مارفِل” وقواعِد التربية “الحديثة”

الرئيسية » بصائر تربوية » مسؤولية الرقابة على أطفالنا في مواجهة “ديزني” و”مارفِل” وقواعِد التربية “الحديثة”
مسؤولية الرقابة على أطفالنا في مواجهة ديزني و مارفِل وقواعِد التربية الحديثة

أدَّت كتابات ومقولات يرددها الكثيرون بغير علمٍ في منصاتنا الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، عن قواعد التربية الحديثة، إلى الكثير من الغَبَش، الذي قاد إلى وقوع الكثير من الآباء والأمهات في أخطاء عظيمة في تربية أبنائهم.

وتزداد خطورة مثل هذه النوعية من الكتابات والمقولات، مع زخرفة أصحابها لها بغلافٍ علميٍّ يبدو برَّاقًا من الخارج، بينما المحتوى يكون تدميريًّا للأسرة وقِيَمها، وذلك تحت مسمى "التربية الحديثة"؛ فقد باتت "الحداثة" المجْرى الرئيس الذي يريد كل وافدٍ وصاحب خرافة تمرير ما يريد تمريره في فضاءاتنا عبره.

ويساعد في ذلك ضعف الثقافة العامة والمتخصصة لدى الناس في مجتمعاتنا العربية، والميل إلى التظاهُر الأخرَق بـ"الرقي" و"الحداثة"، والذي قاد الناس إلى مهاوٍ جَمَّة؛ باعتبار أن كل ما هو أجنبي أو مرتبط برطانةٍ أفرنجية؛ هو "راقٍ" و"حديث"!

ومن بين ما مسَّه ذلك الغَبَش، قضية الرقابة على الأطفال، وملاحظة سلوكهم؛ لأن ذلك بالنسبة إلى هؤلاء، إنما هو "سلوك غير حميد" من الآباء والأمهات، ولا ينبغي أن نفعله مع أطفالنا؛ كي لا نؤثِّر على سلوكهم، و"نَكْبِتَهُم"، و"نحجُر عليهم"، ونقلل مساحة تفكيرهم وسلوكهم الإبداعي، وما إلى ذلك.. هذا الذي يرددونه بزعمهم .

كل شيء في العالم منذ أن خَلَق اللهُ تعالى الدُّنيا، وحتى يشاء أنْ تنتهي، له قواعد وضوابط، بما في ذلك تطبيق أحكام الشريعة أيضًا والعبادات المفروضة على الإنسان من خالقِهِ - عَزَّ وجلَّ - نفسِه

ويتناسى هؤلاء أن كل شيء في العالم منذ أن خَلَق اللهُ تعالى الدُّنيا، وحتى يشاء أنْ تنتهي، له قواعد وضوابط، بما في ذلك تطبيق أحكام الشريعة أيضًا والعبادات المفروضة على الإنسان من خالقِهِ - عَزَّ وجلَّ - نفسِه.

بل على العكس؛ فقد باتت هناك الكثير من الأمور التي استجدت على المحتوى الذي يراه ويطالعه أطفالنا، تفرِض المزيد من التدقيق على أولياء الأمور في الأُسَر فيما يتعرض له أبناؤهم.

وقد يتبادر إلى الذهن أن الرقابة على أطفالنا واجبة بسبب ما بِتنا نراه على شاشات الفضائيات أو على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى مقروء أو مرئي يتنافى مع أبسط اعتبارات الأخلاق، بل مع الفطرة السليمة أيضًا، إلا أن هذا للأسف ليس كل شيء؛ فإن الانحرافات والمروق عن أبسط قواعد الأخلاق، باتت كذلك موجودة في المحتوى المخصص للأطفال.

وأبرز ما نراه في هذا الأمر، هو المعركة الحالية على منتجات "ديزني" للأطفال، والتي تمثل في ظل إدارة الشركة الأمريكية الحديثة العهد نسبيًّا نموذجًا مهمًّا ينبغي التدقيق فيه لفهم حقيقة ما نتعرض إليه وأطفالُنا من تفكيك وتدمير أخلاقي .

طوال عقود، مثَّلت منتجات "ديزني" بيئةً آمنةً بشكل كبير للأطفال، وكانت وقت إشراف "دار الهلال" المصرية، و"دار المعارف" في القاهرة وبيروت على مطبوعاتها المختلفة، من المحتوى الذي يمكن أن نسمحَ لأبنائنا وبناتنا بالاطلاع عليه

بشكل عام، وطوال عقود، مثَّلت منتجات "ديزني" بيئةً آمنةً بشكل كبير للأطفال، وكانت وقت إشراف "دار الهلال" المصرية، و"دار المعارف" في القاهرة وبيروت على مطبوعاتها المختلفة، من المحتوى الذي يمكن أن نسمحَ لأبنائنا وبناتنا بالاطلاع عليه؛ اللهم باستثناء بعض الملاحظات على نقطة أو اثنتين مثل الخِطْبة التي طالت بين بعض شخصيات "ديزني" من ذكور وإناث، مثل "زيزي" و"بطوط" أو "ميكي" و"ميمي".

وكانت دور النشر المصرية ورديفتها في لبنان في ذلك الحين تعمل على "فلترة" الكثير من الأمور التي لا تتفق مع القيم المجتمعية والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعاتنا العربية.

واستمرَّ ذلك الحال حتى التسعينيات الماضية، ومطلع الألفية الجديدة، ثم أتت إدارة جديدة إلى "ديزني" بمنهجية مختلفة بشكل كامل؛ فقد ضغطت على دور النشر العربية صاحبة الترخيص، لوضع مُسَمَّيات للأبطال وأنماط جديدة لعلاقاتهم.

فمثلاً، أصبحت "خطيبة" "بطوط" أو "ميكي" يُطلَق عليها مسمَّى آخر، وهو "صديقته المقرَّبة"، ثم دخلت القصص بعد ذلك إلى مساحة غريبة للغاية؛ لأنها – على الأقل – لا تتناسب مع طبيعة السِّنِّ المفترَض أن هذه المطبوعات تستهدفها، مثل "صراعات المُحبِّين" والقصص الغرامية الصريحة بين أبطال آخرين، فيما هي من حيث المبتدأ "قصص أطفال" المفترض أنهم بعيدون في حياتهم عن هذه الأمور ليس بحكم الأخلاق فحسب، وإنما بحكم المرحلة السِّنِّيَّة التي هم فيها.

والخطير أنهم يفعلون ذلك بشكل تدريجي؛ كي لا ينتبه أحد إلى هذه التغيُّرات، ويحصل ذلك بشكل منهجي؛ كي لا تؤخذ خطوة جديدة إلا بعد "تطبيع" المفاهيم والأخلاقيات الخاطئة التي دًمِجت بالفعل في المحتوى لدى جيل على الأقل من الأطفال .

حولت العلاقات البريئة بين الأبطال الصغار في القصص والأفلام وسائر منتجات "ديزني"، إلى علاقات عاطفية، واختلاط صريح غير مقبول ولو في الكثير من دوائرهم المجتمعية

وهي كما نرى استراتيجية مدروسة تشير إلى الكثير، وأهم ذلك: أنه مخطط منظَّم يستهدفنا بشكل مباشر، وصريح، وليس الأمر يندرج في بند أنها "قيمهم، ومن حقهم أن يضعوها في مطبوعاتهم ومنتجاتهم الأخرى".

وأدلَّة ذلك كثيرة، ومنها: إدخال أنماط معينة من الملابس على الفتيات، وكانت في الأصل منتجات "ديزني" فيما مضى، لا تظهِر التباينات الجنسية أو أي أمرٍ متعلق بذلك بين الأبطال؛ فجسد "بطوط" كان ذاته جسد "ديزي" أو "ديزي" أو "بطوطة" – تختلف الأسماء بحسب الإصدار العربي – إلا أنه بات هناك تجسيم واضح لأجساد بطلات القصص والأفلام، بشكلٍ فجٍّ يأباه الكثير من الكبار.

ثم دخلنا في منطقة الملابس المثيرة للفتيات، وبعض بطلات القصص والأفلام، نرى ذلك في فصول الدراسة، وهو ما لا نراه في الفصول الدراسية في الولايات المتحدة نفسها، ولا في بلدان أوروبا الأكثر تحررًا، مثل فرنسا، ومن المستحيل أن نراه في بلدان أوروبية محافِظة، مثل بريطانيا أو الدول الإسكندنافية.

ثم تحولت العلاقات البريئة بين الأبطال الصغار في القصص والأفلام وسائر منتجات "ديزني"، إلى علاقات عاطفية، واختلاط صريح غير مقبول ولو في الكثير من دوائرهم المجتمعية.

ومسّت هذه التحولات أيضًا الجانب الديني؛ فقد كانت منتجات "ديزني" ونظيرتها مثل "DC" كوميكس و"مارفِل"، بعيدة عن هذه المساحة، وكان من النادر للغاية أن نقف على شيء ما يتعلق أو يمس الثوابت الدينية، انطلاقًا من أمرَيْن أو اعتبارَيْن: الأول/ انطلاقًا من العلمانية المُتَّبعة هناك كنظامٍ للدولة والمجتمع، والثاني/ اعتبار تسويقي؛ فهذه الشركات تُصَدِّر منتجاتها إلى أنحاء مختلفة من العالم، ولا تريد خسارة "زبونها" الذي قد يختلف مع أي شيء ديني تقدمه في محتواها .

لكننا وجدنا في السنوات الأخيرة إشارات إلى أطفال "أنصاف آلهة" في قصص مثل "موانا" التي أنتجتها "ديزني" فيلمًا، وأصدرتها مطبوعةً أيضًا.
هذه الأمور كانت دور النشر المصرية والعربية المشرفة على الطبعات التي تصدر باللغة العربية، تعمل على تبديلها بالاتفاق مع الشركة الأُم، سواء "ديزني" أو "مارفِل" أو غيرها، فكانت عبارات مثل "إله كذا" عند الفراعنة أو الإغريق أو ما شابه، التي قد ترِد في النسخ الإنجليزية أو الفرنسية، يتم تحويلها إلى "رمز كذا" عند الحضارة الفُلانية.

تمامًا كما كانت "دار المعارف" تعمل على تسويد الأجزاء العارية من أجساد الفتيات في القصص المُصَوَّرَة، والتي كانت أكثر غزارةً في الإصدار الإيطالي والفرنسي اللذان كانا - في الغالِب – يترجمان في سلاسل مثل "ميكي جيب" القديمة، و"ميكي وبطوط" و"المكتبة الزرقاء".

الإدارة الجديدة لـ"ديزني" شددت من تعليماتها لدور النشر الحاصلة على الترخيص العربي، مثل "نهضة مصر"، وبالتالي فإن هذه الدور، تلتزم تمامًا في الوقت الراهن بتعليمات "ديزني" وما تقدمه من محتوىً معبَّأ بالرسائل المقصودة، والمُحَمَّل بالمخاطر الأخلاقية، وإلا تعرضت لخسائر كبيرة بسبب سحب الترخيص منها

ولكن الإدارة الجديدة لـ"ديزني" شددت من تعليماتها لدور النشر الحاصلة على الترخيص العربي، مثل "نهضة مصر"، وبالتالي فإن هذه الدور، تلتزم تمامًا في الوقت الراهن بتعليمات "ديزني" وما تقدمه من محتوىً معبَّأ بالرسائل المقصودة، والمُحَمَّل بالمخاطر الأخلاقية، وإلا تعرضت لخسائر كبيرة بسبب سحب الترخيص منها، وكان هذا هو أحد أوجه الخلاف بينها وبين "دار الهلال" قبل أن تسحب منها الترخيص في مطلع الألفية الجديدة.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مستوى آخر أكثر سوءًا وتدميرًا لأخلاق الأطفال، بعد تطبيع الكثير من تلك القيم والمشاهد لدى الأطفال والناشئين والمراهقين في عالمنا العربي؛ فصرنا نجد مشاهد القُبُلات العاطفية الصريحة بين الذكور، وعبارات مثل "فلان "صديق" فلان" التي تحولت إلى "فلان "شريك" فلان" التي استبدلوا بها أصلاً كلمات مثل "الزواج" و"الخطوبة" وصور العلاقات الشرعية السَّوِيَّة بين الذكر والأنثى.

وعندما نقول إننا مستهدفون بقصدٍ، فإننا لا نكون مبالغين أو غارقين في عقلية الخرافة والمؤامرة، فهم – كما تقدَّم وأشرنا – يُقَيِّدون الكثير من هذه الأشياء في مدارسهم وأنديتهم، بل إن الكنيسة الإنجيلية الإنجليزية حرَّمت ومنَعَت بشكل واضح وصريح زواج الشواذ أو المثليين كما يطلِقون عليهم .

ينما "ديزني" تدعونا إلى تمرير ذلك، وتفرضه على أطفالنا نحن العرب والمسلمين!!

إننا بحاجةٍ إلى إطارٍ محكمٍ من الرقابة على أطفالنا، ولكنها الرقابة الرشيدة التي توجِّه ولا تقيِّد، والتي تنفذ بالتعاون مع أدوات أخرى، مثل غرس الباعث الأخلاقي والوازع الديني في نفوس وضمائر أبنائنا وفتياتنا، فلو أننا غفلنا عنهم بعض الشيء بسبب انشغالات الدنيا يكونون هم رقباء على أنفسهم

ثم صدَّروا – كجزء من هذا المخطط الهدَّام – ثقافة تربوية غير مقبولة لديهم، والتي أشرنا إليها في بداية هذا الموضع من الحديث، والتي تدعو إلى عدم وجود أي ضابط أو رقيب على أطفالنا، بينما في الهواتف المحمولة المصنعة لديهم، والتي وضعوا هم برمجياتها، تجد ما يُعرَف بـ"عناصر التحكُّم الأبوي"، ولكنه – كما نرى – يطالبنا بعكس ذلك، فما تفسير هذا ما لم يكن في الأمر مؤامرة حقيقية بالفعل علينا وعلى قيمنا من خلال استهداف أهم مرحلة عمريَّة في أي مجتمع: الأطفال، في مرحلة التشكيل والتكوين!

وفي الأخير، تزداد خطورة هذه الأمور مع أخذ الكثير من هذه المنتجات صورًا مختلفة من أوعية النشر، سواء في صورة قصص مُصَوَّرَة أو أفلام، وتوزيعها بطرق مختلفة، توسَّعت من الوسيط الورقي المطبوع الذي يمكن السيطرة عليه، ومراقبته، إلى الوسائط الرقمية، مقروءة ومرئية، وفي أقنية مختلفة: فضائيات، مواقع إلكترونية، وسائل تواصل اجتماعي... إلخ، مما وسَّع من مساحة قاعدة التحدي الذي نواجهه.

وبالتالي، فإننا بحاجةٍ إلى إطارٍ محكمٍ من الرقابة على أطفالنا، ولكنها الرقابة الرشيدة التي توجِّه ولا تقيِّد، والتي تنفذ بالتعاون مع أدوات أخرى، مثل غرس الباعث الأخلاقي والوازع الديني في نفوس وضمائر أبنائنا وفتياتنا، فلو أننا غفلنا عنهم بعض الشيء بسبب انشغالات الدنيا يكونون هم رقباء على أنفسهم.

وهو ما يحتِّم توسيع قاعدة التشاركية بين الآباء والأمهات، وبين مختلف الأطراف التي تشرف على أطفالنا، وبخاصة المعلِّمين في رياض الأطفال والمدارس.

"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

لفتات في التعامل التربوي مع تعلق الأبناء بالألعاب الإلكترونية

يشكو الكثير من الآباء من تعلق أبنائهم الذكور خاصة بالألعاب الإلكترونية، ويكتفون بلومهم على إدمان …