الهجر الجميل

الرئيسية » خواطر تربوية » الهجر الجميل
الهجر الجميل

الدنيا مسرح لكثير من الأحداث والظروف التي تنحت معالم روحك وشخصك من جديد، فقد تتعلم في مصاب أصابك ما لم تتعلمه طوال عمرك على مقاعد الدراسة وسائر التجارب التي مررت بها، بل ربما تتغير ملامح قلبك فتقصي منه من كان قريبًا وتُقرب من كان بعيدًا، وهكذا الحياة لا تدوم على حال بل إنّ التغير والتقلب هو شأنها، فلا فرح فيها يدوم ولا صديق بل ولا حتى قريب، فكم من عدوّ صار حبيبا وكم من حبيب باعدت بيننا وبينها مواقف وأحوال، فتذكرت حديث أبو هريرة: "أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما" [سنن الترمذي]

فكم من مبدأ واعتناق فكرة شق بينك وبين أحبابك أخاديد من النيران، وكم من بعيد كنت تحسب أن لا نقطة اتفاق بينكما فإذا بك تجتمع به في كثير من الدوائر التي ما خطرت ببالك، بل يصير وليًّا وجب عليك مناصرته ومساندته، بل إنّ صدقات وزكاة أموالك قد تضعها في يد من لا يروقك ولا صلة مودة بينك وبينه، ولكنك إذعانًا لله وطاعة تبذل من نفسك ووقتك وجهدك ومالك وتجاهد نفسك حتى تقبل صدقتك وطاعتك.

تجبرك الظروف والمواقف والأحداث المتتابعة على قطع علاقتك بالبعض، وهؤلاء البعض إما أخوة في الله أو أقارب رحم ونسب

ما سبق يضعنا أمام حقيقة مرة سياطها موجعة، تجبرك الظروف والمواقف والأحداث المتتابعة على قطع علاقتك بالبعض، وهؤلاء البعض إما أخوة في الله أو أقارب رحم ونسب، إذ لا صلة من أي نوع مما سبق كانت لتدوم على وتيرة واحدة، فربما كان تحجيمها وتقزيمها أو قطعها نهاية حتمية لذلك، والأسباب من وراء ذلك كثيرة وحسبك منها أنّ القلوب بيد الله يقلبها كيفما شاء ومتى شاء، وقد يكون من الأسباب: بعض من الأذية المادية أو المعنوية، وهذا المقال ليس بصدد رصد وتتبع أسباب إنهاء العلاقات أو قطعها بل يتناول كيف يكون الهجر جميلًا بدون تعدٍ أو انتقام.

وهنا أتناول نموذجين ربما من خلالها تتبعنا بعض الطرق التي تحمل أخف الضررين:

النموذج الأول/ موقف النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - مع وحشيّ قاتل عمه، إذ يروي وحشيّ قائلًا: "قَدِمْتُ على رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلما رَآنِي قال آنْتَ وَحْشِيٌّ قلت نعم قال أنت قَتَلْتَ حَمْزَةَ قلت قد كان من الْأَمْرِ ما بَلَغَكَ قال فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي" [صحيح البخاري]

ويعلق الحافظ على الحديث قائلًا: "وفيه من الفوائد (أي في الحديث): "أن المرء يكره أن يرى من أوصل إلى قريبه أو صديقه أذى، ولا يلزم من ذلك وقوع الهجرة المنهية بينهما" [فتح الباري]

النموذج الثاني/ موقف أبو بكر الصديق مع مِسْطَح في حادثة الإفك.

فقد قال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22]، فقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: "وهذه الآية نزلت في الصدّيق، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح بن أثاثَة بنافعة أبدًا بعد ما قال في عائشة ما قال، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت... شَرَعَ تبارك وتعالى، أن يعطف الصدّيق على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أثاثَة، فإنه كان ابن خالة الصدّيق، وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر - رضي الله عنه - فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، أي: فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح الله عنك.

فعند ذلك قال الصدّيق: بلى، والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم رَجَع إلى مِسْطَح ما كان يصله من النفقة..." [عمدة التفسير]

ربما عجز الإنسان عن العفو والتنازل عن حقه، وهجرَ هجرًا جميلًا بدون أن يلاحق من آذاه بلسانه ولا يده وسكت عنه وأعرض لكنه رفع مظلمته لله في يوم تجتمع عنده الخصوم

وبناء على النموذجين السابقين، يكون الإنسان مخيرًا اتجاه من يصدر منه أذى بحقه؛ فإما:

1. أن يعفو ويسامح ويعيد الحياة لمجاريها من وصل وصلة في التعاملات، ويكون طمعه أن يصفح الله ويعفو عنه فيجزيه من جنس عمله.

2. وإما أن يعفو ويُسقط حقه لكن نفسه لم تستطع تحمل رؤية من أساء إليه وآذاه في نفسه أو ماله أو في أحد من أحبابه فيعرض عنه بدون أذية أو تَعَدٍ أو انتقام لنفسه وردّ الأذى بالأذى.

3. وربما عجز الإنسان عن هذا وذاك، وهجرَ هجرًا جميلًا بدون أن يلاحق من آذاه بلسانه ولا يده وسكت عنه وأعرض لكنه رفع مظلمته لله في يوم تجتمع عنده الخصوم.

وهذا كله يضعنا أمام أمور لا بد من أخذها في عين اعتبارك بغض النظر أي اتجاه سلكت مع خصمك:

أولًا/ المال مال الله يا عبد وما أنت إلا مستخلف ومستعمل فيه وقائم عليه بأمر من الله جل شأنه لا بأمر من مزاجك أو هواك أو حسبتك، فأنت تصرف وتنفق بالمقدار الذي وضعه ربك وفي الجهات التي حددها دون أن يكون لميل قلبك على ذلك أدنى أثر، بل تأمل لو كان أمامك فقيران أحدهما تربطك به علاقة من المودة وثيقة والآخر تنفر منه وأنت له كاره ربما لسوء تصرف منه أو لأذيته لك، فهل لك أن تتصور كيف تضعها في يد هذا وذاك؟!

أنت في الأول مُقبل على الأمر لموافقته لقلبك وهواك، وفي صدقتك على الآخر مجاهد لنفسك تُلزمها إلزامًا وتَعقلها عقلًا فتأمل مقام عبوديتك في الحالين.

أنت تُسأل أمام الله عن سلوكك وتعاملك وأخلاقك وفق معايير الله ولا تُسأل أو تحاسب عن فعل فلان الذي استمده من الشارع أو من قوانين البشر المهترئة

ثانيًا/ من الحقائق التي نجهَلُها أو نتجاهلها أننا عندما نتعامل مع البشر في الحقيقة نحن نتعامل مع رب البشر، لذلك لو جهل عليك جاهل أنت مطالب بحلمك لا أن تعامله بجهله فمطلوب منك أن تتعامل بأخلاقك التي استقيتها من شريعة ربك لا بأخلاق المصالح وقوانين الغاب التي شاعت وانتشرت بيننا، وتأمل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20]

فأنت تُسأل أمام الله عن سلوكك وتعاملك وأخلاقك وفق معايير الله ولا تُسأل أو تحاسب عن فعل فلان الذي استمده من الشارع أو من قوانين البشر المهترئة.

وهل موقف أبو بكر الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - إلا ترجمة حرفية لما سبق في إنفاقه على مِسْطَح الذي نال من عرض وسمعة السيدة الطاهرة بنت الصديق وزوجة النبي الأكرم، فتأمل!

وهل موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد إسلامه إلا مدرسة نتعلم على موائدها الكثير، ومن أهم ما نستخلصه منها، مهما بلغت أذية الناس لك فلا تقفل باب رحمة في وجوههم فإن هجرت وعجزت عن العفو والمسامحة بحقك فلا تتمنَ لهم مصابًا في دينهم أو دنياهم، واهجرهم هجرًا جميلًا وتنحَّ بقلبك عنهم دون أن تنأى بالرحمة عن قلبك، واتخذ في أمورك كلها الوسط بغير إفراط ولا تفريط.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

أنواع التساؤلات (4) ما ينفعك سؤاله في أوانه لا قبله

صحيح أنّ السؤال من مفاتيح العلم! لكن ذلك لا يعني أنّ كلَّ سؤال محمود أو …