احذروا المُرجفين في المدينة

الرئيسية » خواطر تربوية » احذروا المُرجفين في المدينة

بداية معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر اهتز العالم واستيقظ على ضربة وجهت للعدو في عُقر بيته المقام عنوة وظلمًا واغتصابًا على أرض فلسطينية التاريخ والهوية، وهي ضربة وإن وُجهت أساسًا لصميم العدو الذي توهم البعض بأنه الجيش الذي لا يقهر إلا أنها في نفس الوقت كانت ضربة للنفوس الخانعة التي تستسيغ الحياة بطعم المذلة والمهانة وكأن جوارها ليهود ولبني صهيون الذين قال الله فيهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} [البقرة: 96] أورثها حب الحياة والحرص ولو كانت بمذاق الذل والهوان، فقد باتوا أيضًا يحرصون على أية حياة ما دامت قلوبهم مشبعة وجيوبهم يُفرغ فيها فتات راتب شهري، ولا شك أنّ أحداث السابع من أكتوبر كانت أيضًا كاليد التي أزالت الغشاوة عن عيون الكثير منا وهزته كما تهز اليد الرحيمة الوسنان ليستفيق على حقيقة ما يجري من تحته وحوله فلا تأخذه الغفلة كما أخذت غيره.

وبعد أن حققت المقاومة في هذا اليوم إنجازات ما استطاعت الدول العربية برمتها وبإمكانياتها من جيوش وسلاح وعتاد أن تنجزه على مدار سنوات من الصراع والحروب التي خاضتها ضد هذا الكيان، وما أن بدأ العدو بالرد على المقاومة - عفوًا بل استئناف هجمته وعدوانه وغطرسته - لأنه لم يتوقف في يوم عن مجازره وبطشه في حق هذا الشعب الأعزل، وما كانت يومًا ما مجازره وعدوانه ردودًا بل ابتداءً وبكل عنجهية، فما إن بدأت الأشلاء تتطاير وأعداد الشهداء تتزايد وإذ بالمرجفين بدأت أصواتهم تعلو وتظهر وتتزايد ومع قصف العدو للمستشفى الأهلي ضاق المرجفون بصمتهم وبدأوا يصورون على أنّ الأحداث لم يخطط لها وأنّ سلبياتها تفوق إيجابياتها وأن الشعب الأعزل هو من يدفع الضريبة من دمه وماله.

لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، وتضعفوا عن لقاء عدوكم، حذرًا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصلٌ إلى أنفسكم حيث كنتم، ولو تحصَّنتم منه بالحصون المنيعة

والمرجفون على نوعين:

النوع الأول/ من عوام الناس يتلقط أخباره من هنا وهناك وقد غلب عليه الجهل بأحداث التاريخ وسنة الله في خلقه أجمعين

وهؤلاء عادة ما يحتكمون لعواطفهم التي تغلب عقولهم وخوفهم وجبنهم يعلو فوق شجاعتهم فهم يبحثون عن حياة آمنة في سربهم وبين أهليهم بعيدًا عن الدمار وسفك الدماء.

وهؤلاء نرد عليهم بما يلي:

1. الموت والحياة بيد الله تعالى وهو مدركنا لا محالة، إذ يقول جل شأنه: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ}[النساء: 78]، "لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، وتضعفوا عن لقاء عدوكم، حذرًا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصلٌ إلى أنفسكم حيث كنتم، ولو تحصَّنتم منه بالحصون المنيعة". [تفسير الطبري]

2. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]، ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم.. ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره، ولا يُزاد في عُمُر أحد ولا يُنْقَص منه إلا بقضائه وقدره". [عمدة التفسير]

3. {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]، تضمن هذا أن القتل في سبيل الله، والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني" [عمدة التفسير]

النوع الثاني/ يبثون الذعر بين الناس ولا ينقلون إلا الجانب المأساوي

مصالحهم فوق العزة والوطن والمواطن ومناصبهم أغلى من كل الدماء وأثمن من كل الأوطان، لا مصلحة لهم بأنظمة عادلة بل مصلحتهم أن يظل الناس تحت قهر وسطوة العدو والاحتلال هؤلاء لا يجيدون إلا الانبطاح على عتبات العدو طلبًا للنجاة وهروبًا من دفع ثمن الحرية والكرامة، قوم أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان أبطنوا الولاء للعدو وأظهر الحرص على دماء الشعب والأبرياء.

وهؤلاء قد تكفل القرآن الكريم بالرد عليهم وكشف بواطنهم وفضحهم، ولا بد من الحذر منهم فهم أشدّ فتكًا في الأمة وضررًا عليها من عدوّها الظاهر.

الإرجاف التماس الفتنة، وإشاعة الكذب والباطل للاغتمام به، وقيل تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرض (أي تحركت وتزلزلت) ترجُف رَجْفًا، والرّجفان: الاضطراب الشديد

وهم من قال فيهم الله جل شأنه:

1. {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلً} [الأحزاب: 60] "والمرجفون في المدينة كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوؤهم من عدوّهم، فيقولون إذا خرجت سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "إنهم قد قتلوا أو هزموا، وإنّ العدوّ قد أتاكم..." وقال ابن عباس: الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به، وقيل تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرض (أي تحركت وتزلزلت) ترجُف رَجْفًا، والرّجفان: الاضطراب الشديد" [تفسير القرطبي]

2. {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، وجاء في تفسير هذه الآيات: "اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنّها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهلُه! هذا شأن أهل الريب والشك: إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة" [عمدة التفسير]

3. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، "هذا قدر مقدر من الله - عز وجل - وحكم حَتْم لازم لا يحاد عنه، ولا مناص منه، وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: يختبركم بما جرى عليكم، ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر" [عمدة التفسير]

ثمّ هؤلاء المرجفون الخائفون على مصالحهم، المفرقون لوحدة الأمة وجماعتها ودائمًا يشيرون بأصابع الاتهام للمقاومة - وكأنهم أبواق للعدوّ وصدى لصوته - إذ يتهمون المقاومة بأنها السبب في قتل الأبرياء والمدنيين والآمنين في بيوتهم بسبب إقدامهم وتوجيه الضربة للعدوّ في صباح السابع من أكتوبر، ها نحن نرد عليكم بلغتكم.

العدو سياسته واحدة وماضية فينا ولا يحتاج لذريعة لضربنا وتدميرنا وتهجيرنا واغتصاب أرضنا وحقنا، والطريق الأمثل في التعامل معه هو اجتماعنا ووحدتنا كصف واحد مرصوص، يكون ذراع قوة لنا وقبضة حديدية نضرب بها بقوة

ونضرب لكم مثالًا من واقعكم:

أليست هذه الضفة تخضع لسيادة السلطة الفلسطينية، ويجري عليها قوانين السلطة المبرمة على طاولة المفاوضات باتفاقيات موقعة بين الطرفين بمباركة الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

هل سلمت الضفة على مدار السنوات الماضية ولا سيّما في الأشهر القليلة الماضية من الانتهاكات المتمثلة بالاجتياح والاقتحام والقتل والاعتقال وفرض الحواجز وإغلاق المدن وفصلها عن بعضها البعض؟!

هل توقفت مواكب الشهداء واعتداءات الصهاينة الهمجية عن هذا الشعب الأعزل؟!

إذًا، العدو سياسته واحدة وماضية فينا ولا يحتاج لذريعة لضربنا وتدميرنا وتهجيرنا واغتصاب أرضنا وحقنا، والطريق الأمثل في التعامل معه وقد أثبتت المحادثات والمفاوضات السلمية فشلها في الدفاع عن مقدساتنا واسترداد حقوقنا، هو اجتماعنا ووحدتنا كصف واحد مرصوص، يكون هذا الصف ذراع قوة لنا وقبضة حديدية نضرب بها بقوة نرهب بها عدوّ الله وعدوّنا.

ثمّ لنقف برهة ونتأمل التاريخ بأحداثه ونذكر أنفسنا ومن حولنا بمجرياته ونطالع صفحاته ووثائقه عن تلك الدول التي صارعت من أجل حريتها كم من ملايين الشهداء قدموا لينتزعوا حقوقهم من مخالب الاستعمار انتزاعًا.

صراعنا على هذه الأرض مع العدوّ الصهيوني صراع عقائدي أبديّ وهو من صور الصراع بين الحق والباطل

ولنذكر بعضنا ونحن أصحاب الرسالة السماوية بأنّ صراعنا على هذه الأرض مع العدوّ الصهيوني صراع عقائدي أبديّ وهو من صور الصراع بين الحق والباطل، وأنّ هذا الدين وصل إلينا عبر صراع مرير نزفت فيها جراح وأريقت دماء وارتقت أرواح، أفلا نصبر كما صبر السابقون؟!

وتدبر معي - أيها القارئ الكريم - حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن خَبَّابِ بن الْأَرَتِّ قال: "شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا؟ قال: كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض فَيُجْعَلُ فيه فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ والله لَيُتِمَّنَّ هذا الْأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلا اللَّهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" [صحيح البخاري]

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

أنواع التساؤلات (4) ما ينفعك سؤاله في أوانه لا قبله

صحيح أنّ السؤال من مفاتيح العلم! لكن ذلك لا يعني أنّ كلَّ سؤال محمود أو …