الأقدار مقصودة وليست خطأ سيصحح بعد حين!

الرئيسية » خواطر تربوية » الأقدار مقصودة وليست خطأ سيصحح بعد حين!
الأقدار مقصودة وليست خطأ سيصحح بعد حين!

لا بد أن نعي ونذكر أنفسنا أن أقدار الله تعالى مُدَبّرة، مقصودة، مُرادة، ليست عبثًا ولا اتفاقًا، ولا خطأً سيُصحّح بعد حين! وإنما هي سنن لمن فقه، وحياة لمن كان له قلب، ورسائل لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وإذا تأملنا في معنى التدبير لغة فهو مصدر مأخوذ من لفظ الدُّبر؛ لأنه نظر في عواقب الأمور وقد تكرر قوله تعالى "يدبّر الأمر" في أكثر من موضع في القرآن الكريم:

قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31]

وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]

وقوله سبحانه: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5]

التدبير إذا عُزِيَ إلى الله - عز وجل - هو التوفيق بين أوائل الأمور ومبادِئها وأدبارها وعواقِبِها؛ فالطِفل في بطن أمِّه مُعَرَّض إلى أخطار كبيرة وكثيرة، فإذا به يولد سليمًا ومُعافىً، فمن دبَّر أمره؟

جاء في تفسيرها - للقرطبي والطبري وابن كثير - أنه تعالى "ينزّل القضاء والقدر"، وذكر النابلسي في موسوعته لشرح الأسماء الحسنى: "قالوا: التدبير إذا عُزِيَ إلى الله - عز وجل - هو التوفيق بين أوائل الأمور ومبادِئها وأدبارها وعواقِبِها؛ فالطِفل في بطن أمِّه مُعَرَّض إلى أخطار كبيرة وكثيرة، فإذا به يولد سليمًا ومُعافىً، فمن دبَّر أمره؟ هو الله جل جلاله... فكيف لقّحت هذه البُوَيْضة وكيف انقسمت وكيف سارت إلى الرحم وكيف انغرست في جِدار الرّحم وكيف جاء الدم الكثيف وكيف نمت هذه البويضة فأصبحت على شكل يرقة، ثم كيف اتّضح الدِّماغ والجِذع، وكيف نبتت الأطراف، وبعد تِسْعَة أشهر تجد طِفلًا كامِل الخلق: رأسٌ وجُمْجُمَة وبصر وأعصاب حِسٍّ وأعصاب حركةٍ وعضلات وعِظام وجِهاز هضم وجِهاز تنفَّس وجِهاز دوران وإفراز وغدّة صماء وغدّة درقية وغدة نخامية وغدة البِنكِرياس، في تسعة أشهر وعشرة أيام من حُوَيْصِل لا يُرى بِالعَين إلى طِفلٍ كامل الخلق! فمن يُدبِّر الأمر؟"

وهكذا كي يوفق العبد لحسن التعامل مع قدر الله تعالى، يلزم أن يعي كل فرد أنه مقصود بقَدَره المقدور له كما رزقه ونصيبه من الامتحانات.. وإن القَدَر سيجري على كل حال، والفرق فيما يكتسبه العبد بتجاوبه، فإما أن يؤجر بصبره وتسليمه وحمده واستعانته بالله تعالى، وإما أن يؤزر والعياذ بالله بالسخط والتذمر واتهام القدر بالظلم، وفيه ضمنًا اتهام لله جل وعلا!

لا تتمنَّ زمانًا غير زمانك، ولا حالًا غير حالك، ولا امتحانًا غير امتحانك، ولو بدا لك ظاهرًا خيرًا مما أنت فيه، فإنك لا تدري ما كنتَ لتكون أنت فيه! والله تعالى أعلم حيثُ وأنَّى يجعل خَلْقَه

وجاء في تفسير الطبري لقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]: "إن الله بالغ أمره أي مُنفِذه بكل حال توكل عليه العبد أو لم يتوكل عليه، غير أن المتوكل يُكَفِّرْ عنه سيئاته، ويُعظِم له أجرًا"

والخلاصة: لا تتمنَّ زمانًا غير زمانك، ولا حالًا غير حالك، ولا امتحانًا غير امتحانك، ولو بدا لك ظاهرًا خيرًا مما أنت فيه، فإنك لا تدري ما كنتَ لتكون أنت فيه! والله تعالى أعلم حيثُ وأنَّى يجعل خَلْقَه.

لذلك تَنَزَّه تمامًا عن مساءلة ربّك باللسان أو الوجدان؛ فالله تعالى لا يُسأل عما أعطى أو أخذ، ولا يُحاسَب سبحانه فيمَ منح أو منع، وليس في الدنيا جزاءً أَوْفَى حقيقة، وإنما كلّ جزاء هو امتحان جديد، سواء كان نعمة أم ابتلاء، حتى تُوضَع الموازين القِسطُ ليوم القيامة فلا تُظلَم نفسٌ شيئًا ولو مثقال ذرَّة.

لا تسمح لأحد أن يصادر عليك حياتك بأحكام حياته، وإنما اشتغل بشأنك، وفوّض الأمر لذي الأمر، وارجُ خيرًا من الله تعالى، أهل كل خير قطعًا، ولا يخيب فيه رجاء أبدًا

ختامًا..

اعلم أنك لستَ في سباق مع غيرك من الخلق، لا في المنحة ولا في المحنة، لا في الرزق ولا في المنع، لا في الصحة ولا في العافية، وإنما أنتَ في امتحان مخصوص بك مقصود لك كما أنتَ مقصود فيه، فلكلٍّ حكايته ونصيبه وتوقيته، فلا تَمُدَّن عينيك إلى حَيَوات غيرك وترهق نفسك بالمقارنات، إذ كلما امتدت عيناك ضاق صدرك، وكذلك لا تسمح لأحد أن يصادر عليك حياتك بأحكام حياته، وإنما اشتغل بشأنك، وفوّض الأمر لذي الأمر، وارجُ خيرًا من الله تعالى، أهل كل خير قطعًا، ولا يخيب فيه رجاء أبدًا.

يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "حديث القمر": "إنَّ الطبيب الحكيم لا يجَاري العليل، ولكنَّه ينظر إلى العلَّة، وإنَّ الله تعالى سبحَانه - وله العزَّة - لا يبالي باصطلاح النَّاس، ولكنَّه ينظر مصلحتهُم حين يعطي ويمنع، فليسَ في الأرض فقير قَط إلا عند نَفسِه، ولو اطَّلع كلّ إنسان على الغيب لَمَا اختارَ إلا ما هو فيه"

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

أنواع التساؤلات (4) ما ينفعك سؤاله في أوانه لا قبله

صحيح أنّ السؤال من مفاتيح العلم! لكن ذلك لا يعني أنّ كلَّ سؤال محمود أو …