ما الذي نتوقعه من الدنيا؟

الرئيسية » خواطر تربوية » ما الذي نتوقعه من الدنيا؟
ما الذي نتوقعه من الدنيا؟

من منا لا يعلم حقيقة هذه الدنيا بوصفها دار امتحان مؤقتة، تتنوع فيها الأحوال بين السرّاء والضرّاء والسَّعة والضيق والمنح والمنع؟

ومع ذلك، يَعُمّ بيننا الشعور بالتخوّف من تقلّبات الأحوال والتوجّس من مباغتة تلك الأطوار، والمباغتة تعني المفاجأة على غير توقع، فهل تقلبات الحياة هي التي تباغتنا حقًا، أم أنّ توقعاتنا في غير محلها بداية؟

إننا نتعامل مع الحياة على أنها مستقر وهي معبر، ومع الأقدار على أنها معادلات رياضية محسومة من جهة نظرنا وهي أسرار غيبية عنا وإن كانت محسومة عند ربنا تبارك وتعالى، ومع النعم والمسرّات على أنها مُسلَّمات بَدَهيّة ومكافآت مُستَحَقة، ومع الكَدَر والشدائد على أنها المصائب الكبرى التي نتلهف لرفعها لنعود "للأصل" و"الحياة الطبيعية"، ونتوقع السعادة الخالدة والراحة الدائمة من متاعب عمّا قريب نفارقها.

ونضع قائمة بالأماني المُتعارَف عليها، منتظرين أن نتساوى في كلّ رزق وفي كلّ نصيب؛ لأن العرف جرى بأن هذه الأماني حقّ مكتسب للجميع، ومحطات لا بد للكلّ من بلوغها في الحياة، ونتوقع الدوام والاستقرار والثبات مما نحوز ونملك ومع من نعيش ونصحب.

العَتَب على مَن يتوقع من الأشياء عكس طبائعها التي أُخبِر بها، ويفترض فيها أدوارًا لم تُخلق لها، ويفرض على نفسه تكاليف لم يُخلق لها، ويعلّق ثقته المطلقة حيث لا تحتمل التعليق

مع أنّ الأصل فيهم أنهم مردودون إلى بارئهم وعرضة للزوال بطبيعتهم، ونُعوِّل على ثبات الأحوال مع الناس، ونعجن أرواحنا بهم عجين من لا يطيق وجودًا بغيرهم، ونتعلق بتلابيبهم تعلّق من لا ملجأ ولا منجى له بدونهم، فنلتمّس الثبات ممن طبعه التقلّب ونزهد في استجلاب الثبات ممّن بيده التقليب والتثبيت! ثمّ فيم نطلب من الكون الثبات الدائم معنا على ما نهوى، ونحن لا نكاد نَستقر في نفوسنا على حال ولا نثبتُ لربنا تعالى على طريقة؟!

أفليس العَتَب إذن على مَن يتوقع من الأشياء عكس طبائعها التي أُخبِر بها، ويفترض فيها أدوارًا لم تُخلق لها، ويفرض على نفسه تكاليف لم يُخلق لها، ويعلّق ثقته المطلقة حيث لا تحتمل التعليق؟ فمَن الذي خلق لنفسه الإشكال بعدما أشكل عليه خَلقُ نَفسِه؟ وكلّ ذلك مع أنّ الله تعالى أكرمنا بأن أبان لنا تمام البيان عن الطبائع والتكاليف والسنن في الكون والحياة والناس؛ فأقدار الله تعالى لا تصفع ولا تطعن ولا تباغت المؤمن، وما ينبغي لها ذلك ولا يليق بجلال مُقدِّرها تبارك وتعالى، إنما هي سنن، لا تجد لها تبديلًا ولا تجد لها تحويًلا، لمن فهمها كما أراد من أجراها وليس كما يريد من تجري عليه.

من سنة الله تعالى أن كل بني آدم مبتلى في هذه الدار بشيء من النقص

ومن سنة الله تعالى أن كل بني آدم مبتلى في هذه الدار بشيء من النقص: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]

وكذلك من سنة الله تعالى أن كل إنسان في هذه الدار ممتحن، سواء بالمحنة أو المنحة، إذا انتبه العبد لذلك أدرك أنه في كل وقت ممتحن على الحقيقة! وإذا راجعنا المعنى اللغوي للفظة "مَحَنَ" الفِضّة أو غيرها من المعادن: قام بتصفيتها وتخليصها بالنار من الشوائب، فـ "المُمْتَحَن" من المعادن هو: المُصفّى المهذّب الخالص، من هذا التعريف يتبيّن أنه بعكس المدلول الشائع في الأذهان، المُقتصِر على الاختبار بالشدائد والمصائب والتضييق فحسب؛ فالمحنة تعني مُطلَق الاختبار لمَعدِن المرء وتمحيص جوهره، وبالتالي يدخل فيها كذلك الامتحان بالنعم والمنح والسَّعَة، وإنما ترتبط دلالتها غالبًا بأوقات الشّدة؛ لأن المرء يغفل غالبًا في أوقات الرخاء عن مفهوم الاختبار المستمرّ على الحالين: {ونَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، وتأمل في قول سيدنا سليمان - عليه السلام - لما جاءه عرش بلقيس في أقل من طَرْفَةِ عين: {قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]، فالقصد أننا في كل وقت ممتحنون، لكننا نغفل وقت المنحة عن حقيقة الامتحان، فإذا جاء وقت المحنة فزعنا وجزعنا وشعرنا بالمباغتة.

أول خطوة في حسن التعامل مع مختلف أقدار الله تعالى هو إدراك أن كل الحياة أقدار وكل الأقدار من الحياة

ولذلك فأول خطوة في حسن التعامل مع مختلف أقدار الله تعالى هو إدراك أن كل الحياة أقدار وكل الأقدار من الحياة، لذلك على كل مسلم أن يربي نفسه ويوطنها على تَصوّر الحياة المتكاملة بكافة تقلّباتها، بما يخفّف حِدّة الجزع من تغير الأحوال، ووطأة تزعزع النفس وطيرانها شُعاعًا عند كلّ نازلة، أو تحويل الحياة لمحطات انتظار تغير حال أو حصول حال، بل كل حال حياة ولا مفر من الحياة على كل حال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

أنواع التساؤلات (4) ما ينفعك سؤاله في أوانه لا قبله

صحيح أنّ السؤال من مفاتيح العلم! لكن ذلك لا يعني أنّ كلَّ سؤال محمود أو …