لفتات في التعامل التربوي مع تعلق الأبناء بالألعاب الإلكترونية

الرئيسية » بصائر تربوية » لفتات في التعامل التربوي مع تعلق الأبناء بالألعاب الإلكترونية
لفتات في التعامل التربوي مع تعلق الأبناء بالألعاب الإلكترونية - هدى النمر

يشكو الكثير من الآباء من تعلق أبنائهم الذكور خاصة بالألعاب الإلكترونية، ويكتفون بلومهم على إدمان اللعب بدون أن يقدموا بديلًا عنها أو يدققوا في دوافعهم لذلك، والذي يكون غالبًا تلبية لحاجة دفينة، وكل الألعاب في نظرهم تدفع للعنف والأخلاق غير الحميدة وإن لم يعرفوا ماهيتها، والحق أن على المربي الذكي في هذا الزمان أن يدرك أن معركة الهيمنة الإعلامية في هذا الزمان سلاحها قناعات تزرع لا أجهزة تنزع، فبدلًا من أسطوانة النقد والتعنيف ومحاولة اقتلاع الأبناء من كراسيهم، يمكن للوالدين أن يحاولوا ولوج ذلك العالم ليرشّدوا وقعه في نفوس أبنائهم شيئًا فشيئًا، فيكونوا أكبر حاجز مانع من الإدمان أو معافيًا منه حين يقع، بل وتصير هذه الألعاب وسيلة فعّالة لمد جسور التحاور البنّاء معهم.

أولًا/ أهم الأسباب للوقوع في التعلق بها

فيما يلي موجز عام لأهم الأسباب الدافعة لهذا التعلق، كي يتضح للمربين أهم الثغرات التي تتسلل عبرها لتشغلها:

1. طبيعة تصميم الألعاب تهدف لجعلها إدمانية وبالتالي ضمان الرواج الاستهلاكي

صُمّمت ألعاب الفيديو لتكون مسببة للإدمان باستخدام أحدث علم النفس السلوكي لإبقائك مدمنًا، الألعاب عبارة عن تجارب غامرة توفر لك كمية كبيرة من الدوبامين، ويمكن أن يتسبب التعرض المفرط لهذا المستوى من التحفيز في حدوث تغييرات هيكلية في عقلك، كيف ذلك؟

الألعاب عبارة عن تجارب غامرة توفر لك كمية كبيرة من الدوبامين، ويمكن أن يتسبب التعرض المفرط لهذا المستوى من التحفيز في حدوث تغييرات هيكلية في عقلك

بداية، الدوبامين هو ناقل عصبي قوي في الدماغ يفرزه مركز المكافأة في الدماغ استجابةً لتجربة ماتعة، فإذا كرر الشخص التجربة لمرات متتالية وتكرر شعوره بالمتعة، فإن الدماغ يربط ذلك النشاط بالدوبامين، وبهذا يطور الدماغ دافعًا قويًا للبحث عن نفس المتعة من ذلك النشاط مرارًا وتكرارًا، وهذا هو السبب في أنه من الصعب على الناس أن يكسروا حلقة التكرار، فكلما زاد عدد المرات التي يختبر فيها الشخص النشاط، يطلق المزيد من الدوبامين، وكلما زاد اندفاعهم للعودة إلى السلوك، ومع الوقت يحتاج لمضاعفة النشاط والوقت أمام الشاشة لتحقيق نفس درجة المتعة، وهكذا يتحول اللعب من ترفيه ساعة في اليوم – مثلًا – إلى الشغل الشاغل في اليوم وربما في الحياة!

2. توفير إحساس وهمي بالإنجاز

تُقسّم الألعاب عمدًا لمراحل لا لتعين اللاعب على "الفصل" في استهلاكها، بل لتخلق فيه شعورًا وهميًّا بسرعة الإنجاز، ومع كثرة التفاصيل مثل عمليات الشراء داخل التطبيق والمعاملات الدقيقة وصناديق "النهب" والمهمات الفورية يرتفع الشعور بالإشباع الفوري، في مقابل الشعور بالإخفاق في الحياة الواقعية، فيزداد اللاعب إنغماسًا في العالم الافتراضي الذي يستطيع فيه – على الأقل – أن يقول لنفسه إنه ناجح أنجز مستوى أو مستويات أو "قفّل" لعبة كاملة وانتقل لغيرها!

من السهل اللعب لساعات وساعات بدون حتى ملاحظة مرور دقيقة واحدة، إنها تسمح لك بالهروب من روتين اليوم واختبار عوالم شائقة ومثيرة بصريًّا

3. مثالية أجواء العالم الافتراضي

الألعاب غامرة لدرجة أنه من السهل اللعب لساعات وساعات بدون حتى ملاحظة مرور دقيقة واحدة، إنها تسمح لك بالهروب من روتين اليوم واختبار عوالم شائقة ومثيرة بصريًّا، فمهما يكن العنصر الناقص في حياتك، يمكنك أن تجد لعبة تشبع فيك الشعور بالمعنى، فمن ألعاب الغموض إلى الرعب إلى الآكشن إلى الرومانسية... إلخ، هذا فضلًا عن إمكانية إنشاء صداقات افتراضية تكاد تكون روابطها أمتن من الواقعية، فهي بيئة آمنة لا أحد يعرف فيها أحدًا ولا يراه ولا يحكم عليه، لكنه يشاركه متعة التجربة وإدمانها!

4. خلق صورة نموذجية للذات

تتيح الألعاب لكل لاعب أن يختار شخصية تعبر عنه من بين نماذج جاهزة، أو في الأشكال الأكثر تقدمًا "خلق" الشخصية بالكامل، بإدحال الصفات المعنوية والفيزيائية التي يهوى، وانتقاء شكل الأعضاء وألوان الشعر والثياب... إلخ، وبهذا فهي تضمن أرضيّة تصلح لكل أصناف الناس، فحتى الانطوائي الذي يعاني صعوبات في الاندماج الاجتماعي في الواقع، يمكنه أن يختار شخصية بطل اجتماعي قوي جماهيري، فيرى نفسه على الشكل الذي يتخيله ولا يستطيع تحقيقه.

إذا حاولت أن تتخفف من إدمان التسلية، فبماذا يمكن أن تشغل نفسك؟ لا شيء غالبًا! وفي ظل إدمان العزلة في غرف مغلقة، وانعدام روابط أسرية عميقة وجلسات حوار وترفيه جماعي، يُترك كل فرد لفراغ عاطفي وزماني قاتل، فيملؤه بما يتفق!

5. الفراغ وغياب الرقابة الذاتية والخارجية

لا يقصد به هنا فراغ الوقت من الشواغل أو قوائم المهامّ والأهداف الجزئية، بل المقصود الفراغ من رؤية وجودية وأهداف حياتية جادة، فالسؤال المصيري في علاج الإدمان: إذا حاولت أن تتخفف من إدمان التسلية، فبماذا يمكن أن تشغل نفسك؟ لا شيء غالبًا! وفي ظل إدمان العزلة في غرف مغلقة، وانعدام روابط أسرية عميقة وجلسات حوار وترفيه جماعي، يُترك كل فرد لفراغ عاطفي وزماني قاتل، فيملؤه بما يتفق!

ثانيًا/ مقترح تربوي لمعاونة الأبناء على تصريف طاقة اللعب بشكل صحي

إذا كان المطلوب هو غرس قناعة فلا بد أن يهيئ المربي نفسه للنقاش ببال طويل، النقاش لب الإفادة التربوية من هذه المواد، والمدخل العملي لتربية عادات الناشئ وميوله، وتنمية ملكات التدبر ومنهجية التمحيص السليم فيما يُعرَض أمامه، لا تشرّبه تشربًا أصم، وهنا يأتي دور استعداد الوالدين نفسيهما بخلفية عن اللعبة من ناحية، وخلفية أوسع عن المفهوم أو مادة النقاش التي يثيرانها مع الطفل، فيمكنهما التبسيط أو التعميق بحسب مستواه، وهذا يتطلب أن يطَّلِعَ الوالدان على محتوى اللعبة وقراءة نبذة عنها أو مشاهدة المراجعات لها، هذا المفتاح بقدر ما يبدو شاغلًا في البداية يوفر الكثير من محاضرات الوعظ والإرشاد والتوجيه التي تبدو للطفل قادمة من بئر سحيق أو من عالم موازٍ لا يعنيه ولا يفهمه!

يلزم أن يشارك الوالدان أطفالهم في لعبهم، إذ من ناحية هذا يعمق الجو الأسري والأواصر بينهم بما يتشاركون من تعليقات وانفعالات خلاله، ومن ناحية أخرى بعد انتهاء العرض يناقشان الطفل في انطباعاته

ثم يلزم أن يشارك الوالدان أطفالهم في لعبهم، إذ من ناحية هذا يعمق الجو الأسري والأواصر بينهم بما يتشاركون من تعليقات وانفعالات خلاله، ومن ناحية أخرى بعد انتهاء العرض يناقشان الطفل في انطباعاته، ما الذي أعجبه وما الذي لم يعجبه ولماذا في كلتا الحالتين، وكذلك استخلاص القيم التي بثتها المادة وموافقتها أو مخالفتها لتصورات ديننا، وينبغي أن يكون كل ذلك بطريق الحوار لا التلقين الذي يشعر الطفل أنه مشارك في صناعة فكره الخاص، لكن على أسس وثوابت يقوم عليها رشيدًا من صحيح الدين، فلا يشتط ولا يحيد ولا ينفلت بلا توجيه، هكذا تتحول المشاهدة من فعل تلق سلبي إلى صالون ثقافي وإثراء فني للطفل ووالديه على السواء، ويأمنان تسرب أفكار أو تسلل خواطر غير حميدة لرؤوس النشء.

كل هذه الخطوات لازمة للتطبيق على مختلف الأعمار بتباين في درجة العمق والتبسيط غير السطحي؛ لأن الهدف منها تنشئة طفل يقظ متنبه، محلل للأفكار بمنهجية سوية سليمة، مستقاة من صحيح الدين لا تناقل الأعراف، وكذلك تربيته على إدارة الحوار وملكة التعبير عما يجول بخاطره.

ونلفت النظر إلى أنه لا بد ستطل تساؤلات أثناء النقاش مع الأطفال، لعل الوالدين لا يملكان إجابتها الفورية، فلا بأس أن يقولا إنهما لا يعلمان لكنهما سيشاركان أبناءهما البحث والتعلم عنها، ويخصصان لها موعدا محددًا يتناقشون فيما وصلوا إليه بعد البحث، ولا يكن الوعد وعد مماطلة أو تسويف والسلام؛ لأن هذا البحث هو في ذاته رسالة تربوية بأهمية الاستقصاء والوقوف على الحق، وعدم الركون للحيرة وترك علامات الاستفهام تحوم بغير عناية جادة!

مراجع

• Video Game Addiction
https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/23124-video-game-addiction

• Are video games, screens another addiction?
https://www.mayoclinichealthsystem.org/hometown-health/speaking-of-health/are-video-games-and-screens-another-addiction

• Why are Video Games Addicting? Video Gaming Effects on the Brain
https://www.healthyplace.com/addictions/gaming-disorder/why-are-video-games-addicting-video-gaming-effects-on-the-brain

• Video Game Addiction – Treatment, Symptoms, and Causes
https://gamequitters.com/video-game-addiction/

• Can You Really Be Addicted to Video Games?
https://www.nytimes.com/2019/10/22/magazine/can-you-really-be-addicted-to-video-games.html

• What Is Video Game Addiction?
https://www.verywellmind.com/what-is-video-game-addiction-22333

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

8 أمور تدل على أن علاقتك الزوجية تستحق بَذْلَك للمجهود وإن لم تخل من المشاكل

في ظل تعقد العلاقات وكثرة الخلافات ورغبة الكثيرين في راحة البال والسكينة والحفاظ على حياة …