ماورئيات الصمود: كيف يصوغ الغزيون نظريات الثبات والمقاومة

الرئيسية » حصاد الفكر » ماورئيات الصمود: كيف يصوغ الغزيون نظريات الثبات والمقاومة

{وكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]

إن التفكير بمجريات هذه الآيات وسياقاتها التفسيرية التعاقبية، تخبرنا أن المحنة التي مر بها يوسف، الذي رماه إخوته في بئر مظلمة، وكاد له أهل القصر، وزُج في السجن ظلمًا، ولكن في النهاية، كتب الله له التمكين والعزة والقيادة، فجاءت الآيات تقول: {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}

لا يعلمون مهما حاولوا تفسير الواقع المنطقي بشكل عقلاني بحت وبدون التفكير بمدبر هذا الكون، وتقاديره، وعلمه، وعدله، ورحمته، وهو الذي يسمع ويرى، وانتهى بالآية: لا يعلمون؛ أن سنة الله ماضية وأن أمره هو الذي يكون.

كان هذا التقديم لقصة سيدنا يوسف وتتويج الابتلاءات التي مر بها وعاشها، فعلمه من تأويل الأحاديث ومكّن الله في الأرض إلى أن صار عزيزًا لمصر، بدون أن يكون له شك بهذا المصير، في ارتداد عقائدي صلب ثابت يذوي ويحتمي بالله ولا يشرك به شيئًا، وهذا فضل من الله على المهتدين، فضل في متناول الناس جميعًا لو اتجهوا إليه وأرادوه؛ ففي فطرتهم أصوله وهواتفه، وفي الوجود من حولهم موحياته ودلائله، وفي رسالات الرسل بيانه وتقرير.

لنا الآن بعد هذا التقديم أن نسأل كيف لأب مات أطفاله أن يقف شامخًا ويقول: فداء للمقاومة! ولأم عجوز فقدت بيتها التي أمضت حياتها وهي تبنيه طوبة طوبة وهي تقول: فداء للأقصى! ولطفل صغير فقد أشقاءه وأمه وكل عائلته يقول: الله أكبر الله أكبر.

تمثل نظرية الصمود أو المرونة في مواجهة الشدائد مجموعة من "الأفكار" التي تناقش تأثيرات الأحداث الضاغطة أو المتحدية على الأفراد والأسر والجماعات، وكيف يمكن مواجهتها، والتكيف مع الأحداث المستجدة أو التحولات الطارئة

الله أكبر التي نحارب بها أثقل الأسلحة وأعتاها أشدها فتكًا، ونحن الآن إذ نواجه هذا السؤال باستمرار من الإعلام الغربي خصوصًا، أو المحللين والساسة من الذين يتابعون الحرب ويرصدون مجرياتها وتطوراتها، فنسمعهم يعلّقون: كيف يصمد أولئك، كيف يتحملون، كيف لا يموتون خوفًا من صوت الصواريخ، كيف لا يرتعبون من صور الهدم والقتل والمجازر، كيف يصمدون؟ كيف يجابهون هذا الدمار في: الله أكبر.

نظريات الصمود في مواجهة الشدائد

يقصد بتعبير الصمود أو المرونة في بعض الترجمات من المنظور اللغوي، الارتداد، بمعنى الاحتماء بشيء ما، مثل: الحق، العقيدة، الإرث، التاريخ، وفي الصمود مقاومة للانهيار عند التعرض للضغط الشدة، الأزمة، المأساة، التهديدات، أو حتى مصادر الخطر المحدقة.

وتمثل "نظرية الصمود أو المرونة في مواجهة الشدائد مجموعة من "الأفكار" التي تناقش تأثيرات الأحداث الضاغطة أو المتحدية على الأفراد والأسر والجماعات، وكيف يمكن مواجهتها، والتكيف مع الأحداث المستجدة أو التحولات الطارئة، وتناقش هذه النظريات أسئلة وجهت في حرب غزة؛ إذ كيف يتحمل الأطفال هذه الأحداث المروعة، وكيف يتعامل اللاجئون إلى مركز الإيواء أو الخيام مع الظروف الحياتية الجديدة: فلا مرافق ولا ملابس ولا طعام ولا كهرباء؟

وإن التعرض لصدمات شديدة، بحسب نظريات علم الاجتماع، مثل فقدان شخص عزيز، والتشرد وفقدان المأوى "السكن"، والحرب، أو أي تداعيات الأزمات والتقلبات والنكبات والاضطرابات والقلاقل الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية، تسبب بلا شك تأثيرات على الصحة الجسمية والنفسية للإنسان وفقًا لطبيعة وشدة ودلالة الحدث الصادم بالنسبة للشخص، الأمر الذي قد يمثل ظرفًا حياتيًا يجعله تحت رحمة طوفان الكرب والمشقة، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: ما العوامل التي تجعل الشخص متماسكًا وثابتًا ومتزنًا عند التعرض لمثل هذه الظروف العصيبة والضاغطة؟ ولما لا يتأثر كل الناس بها بنفس الطريقة؟ ولماذا تختلف ردود أفعال الناس تجاه مثل هذه المشاق والمتاعب والأزمات؟

يرتقي البعض من خلال تعلم دروس وعبر من أحداث الحياة وظروفها العصيبة ومحنها وشدائدها، من خلال استثمار عتادهم النفسي وفق فلسفة تقوية المناعة النفسية والتمكين النفسي

وفقًا للطب النفسي، قد يتعافى البعض من التأثيرات السلبية لمحن الحياة وشدائدها وظروفها العصبية، بحسب منطق "الارتدادية والعودة إلى حالة السواء النفسي نسبيًا" التي كانوا عليها قبل التعرض لهذه الأزمات والمحن والشدائد، وقد يتجاوز أو يقفز أو يثب البعض على المحن والشدائد والصدمات، ويعتبرها فرصًا للتعلم والانطلاق إلى حياة أكثر قيمة ومعنى مما كانت عليه قبل تجربتهم المؤلمة معها.

وقد يرتقي البعض من خلال تعلم دروس وعبر من أحداث الحياة وظروفها العصيبة ومحنها وشدائدها، من خلال استثمار عتادهم النفسي وفق فلسفة تقوية المناعة النفسية والتمكين النفسي للإبحار في الحياة بإثبات لأصالة الذات واقتدارها فيما يعرف بالارتقاء التالي للصدمة، وعلى ذلك يعد "الصمود النفسي"، وفقًا لدلالاته المستقرة في أدبيات المجال محددًا أساسيًا من محددات "نمو ما بعد الصدمة" أو "الارتقاء التالي للصدمة" على الرغم من التمايز الدلالي في ما بين "الصمود"، و "الارتقاء التالي للصدمة".

وهذا ما أسمته آن ماستين Ann Masten أستاذة علم النفس بمعهد النمو النفسي للأطفال بجامعة مينيسوتا، في دراسات متغير الصمود أو المرونة في مواجهة شدائد الحياة وصدماتها، السحر العادي، لوصف المكونات الأساسية التي تشكل بنية الصمود النفسي.

وقد اهتم الباحثون أثناء الحرب العالمية بدراسة ووصف وتحليل وتفسير ردود أفعال الأطفال للحرب كسياق حياتي مفعم بالضغوط والأزمات والمحن والصدمات والشدائد؛ لكون الحرب مسببة للفقر والتشرد والمرض والخراب والموت، لذلك كان اهتمام العلماء بالكشف عن تأثيرات الصدمات الشديدة على النمو النفسي للأطفال، ومنها أفادت آن ماستين أنّ الصمود، كقدرة وعملية مواجهة فعالة وتوافق إيجابي مع ضغوط الحياة وشدائدها، دلالة على سمات شخصية وعائلية وموروثة وعوامل ذاتية داخلية للجماعات والأفراد، وفي حرب الطوفان عوامل إضافية للصمود، نحللها ما يأتي:

الفلسطيني الغزي اليوم رابط الجأش؛ لأنه تربى على قاعدة تربوية يمكنها هزيمة جيش بأكمله، فإذا كتب الله له النصر كان خيرًا كثيرًا، وإذا كتب الله له الشهادة كان كذلك خيرًا كثيرًا

أولًا/ الإيمان العقائدي

نقول في الصمود معنًى لغويًا له مقاصد عدة: صمد صمودًا وصامدًا، أي ثبت واستمر، ومنه قول الإمام عليّ: (صَمْداً صَمْداً حتى يتجلَّى لكم عمودُ الحقِّ)، وتصامد، أي تغالب في الصمود والثبات ويقال الصِّمَادُ، ويقال: بات على صِمادة من أمره: أي على شرف منه، والصَّمْدُ: المكانُ المرتفع، والصمد اسمٌ من أسماء الله الحسنى، والصَّمْدَةُ: الصخرةُ الراسيةُ في الأرض في استواءٍ أو ارتفاع قليل، ويقال: ناقةٌ مِصماد: قويَّة على احتمال القُرِّ والجدب، والمُصَمَّدُ: الصُّلْبُ المصْمَتُ الذي ليس فيه خَوَرٌ.

وإذا أردنا تفكيك عوامل الصمود وتحليل سبله، علينا أولًا الارتكاز إلى شعور الفلسطيني الصامد الثابت لسبب عقائدي إيماني راسخ، وأنه يصمد ويقاتل ويجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وليس لأي شيء آخر، وأحقية هذا الفعل "الجهاد" ووجوبه على المسلم، وإيمان بوعد الله بالنصر: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة :56]، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، هذه وعد الله في آياته، وعد بالنصر، ووعد بالتمكين، ووعد بالجنة للذين يقاتلون في سبيله، والمقاتل صامد مرابط في أرضه لينال إحدى الحسنيين، يصمد فينتصر، أو يموت شهيدًا، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "الرباط الرباط في عسقلان"

وإن الفلسطيني الغزي اليوم رابط الجأش؛ لأنه تربى على قاعدة تربوية يمكنها هزيمة جيش بأكمله، وهو إذ يقول إن لا خيار لديه سوى الثبات والصمود، وإن كل أمره خير، فإذا كتب الله له النصر كان خيرًا كثيرًا، وإذا كتب الله له الشهادة كان كذلك خيرًا كثيرًا، لهذا تكون "الله أكبر" فوق كل النصوص والتحليلات في عوامل الصمود.

السياق التاريخي لفلسطين وحضارتها وتاريخها وإرثها وتراثها وآثارها تدلل على الحق الفلسطيني في هذه الأرض، أرض للفلسطينيين، وأرض أجدادهم، وإن لأقصر عمر زيتونة زرعها جدي أكبر من أكبر عجوز في المستوطنات الإسرائيلية

ثانيًا/ حق ثابت وملكية لا تزول

إن السياق التاريخي لفلسطين وحضارتها وتاريخها وإرثها وتراثها وآثارها، لتدلل على الحق الفلسطيني في هذه الأرض، وإن صاحب الحق أبلج، أو كما قيل في رواية أخرى أرعن، وفي أخرى سلطان، وهذه حقيقة أزلية تاريخية لا غبار عليها، هذه أرض للفلسطينيين، هذه أرضهم وأرض أجدادهم، وإن لأقصر عمر زيتونة زرعها جدي أكبر من أكبر عجوز في المستوطنات الإسرائيلية، فأين نحن ذاهبون، هل يُظن أن دعوات التهجير المستمرة يُستجاب لها، إن العكس هو الذي حصل، فمنذ السابع من أكتوبر غادر حوالي مليونًا ونصف المليون من الإسرائيليين، وعندما أغلق مطار اللد، سلكوا طرقًا برية هلعًا وخوفًا، وهذه فعل من ينجو بنفسه، وله مكان بديل يعيش فيه بأمان، ماذا عن الفلسطيني؟ يقول إن هذه أرضي ولا مكان لي غيرها، أرضي التي ورثتها عن أجدادي وسيرثها أبنائي عني، فلا بديل!

الحياة اليومية من أصغر الجزئيات فيها إلى أكبرها هي مقاومة، والمقاومة من أهم دواعي الصمود والبقاءَ

ثالثًا/ إطار سياسي وحاضنة اجتماعية

إن ثمة سببًا إضافيًّا للصمود، وهو ليس بالعامل المستجد، بل هو عامل أصيل ووجودي، بقاؤه من بقاء هذا الشعب وهذه الأرض، وكل طارئ، أو حدث، أو ابتلاء، أو مصيبة، أو ويلات مهما كانت، تتحول إلى أسباب قوة وثبات فيه، وهذا أمر ليس بالغريب على المجتمعات الإنسانية التي تحول الويلات الطبيعية أو البشرية، مهما بلغت قسوتها، إلى أسباب عيش يمكن الاستمرار معها، وهذا ما تؤكده نظريات علم الاجتماع المختلفة التي تقول أن القهر والحزن والألم ليست بالعوامل التي تتغلب على الإنسان، إذ يطوعها بطبعه وطبيعته ويتكيف معها، ومن ثم يجعلها أسباب للبقاء والصمود، وإن السياق الفلسطيني لأدل على ذلك، فالحياة اليومية من أصغر الجزئيات فيها إلى أكبرها هي مقاومة، والمقاومة من أهم دواعي الصمود والبقاء.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • بنفسج
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قراءة سياسية في عبادة الصيام

عندما نضع الصيام في سياق العبادة في الإسلام نجد أن العبادة وسيلة تحقق غايات عليا …