طوفان الأقصى: كيف ساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي؟

الرئيسية » حصاد الفكر » طوفان الأقصى: كيف ساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي؟
طوفان الأقصى .. كيف ساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي - سائدة أبو البهاء - بنفسج

يعد مفهوم الوعي أحد أهم المفاهيم المركزية في تراث الفكر الإنساني، وهو أساس كل معرفة، ويرتكز على ثلاث مكونات:

المكون المعرفي/ وهو المعرفة التي يحصل عليها المرء من مناهل المعارف المختلفة، ثم المكون الموقفي/ وهو الموقف الذي يتخذه من هذه المعرفة سواء بالإيجاب أو السلب، وأخيرًا الموقف السلوكي/ وهو السلوك الذي يتحدد بناء على الموقف المتخذ من المعرفة المكتسبة، وهذه المكونات بمجموعها تشكل بنية الوعي لدى الأفراد في المجتمعات عمومًا.

قبل السابع من أكتوبر: تزييف مطبق للوعي المجتمعي

لعبت المؤسسات الإعلامية وأجهزة التنشئة الاجتماعية المختلفة دورًا محوريًا في تشكيل وعي المجتمعات بالقضية الفلسطينية، على أن دورها التقليدي تراجع كثيرًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبح كل إنسان حول العالم يمتلك وسيلته الخاصة التي يستطيع من خلالها الحصول على ما يشاء من معارف تشكل المكون الأول لعملية الوعي، فإذا كانت زائفة فإن ما يليها من مكونات (الموقف والسلوك) تصبح غير صحيحة، وبالتالي فالناتج سيكون تزييفًا للوعي لا تشكيلًا له.

يمكننا قراءة حجم التزييف في وعي العقل الجمعي العالمي والعربي على وجه الخصوص الذي مارسه الإعلام الصهيوني والمتصهين بأذرعه ولغاته المختلفة ضمن استراتيجيته الكبرى في المنطقة العربية تحديدًا والمتمثلة بتغيير الهندسة الاجتماعية للمجتمعات العربية خلال العقود الماضية، والتي تستند إلى المصالحة مع المحتل والتطبيع معه على قاعدة تسيّد الكيان الصهيوني وتفوقه عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وعلميًا على كل البلدان العربية مجتمعة.

تمكّن الاحتلال الإسرائيلي من خلال ذلك من كسب العديد من المعارك بدون قتال من خلال عمليات غسيل لأدمغة المجتمعات؛ فقد باتت الرواية والرؤية الصهيونية مقبولة لدى فئات من النخب، ناهيك عن تشربها لدى شريحة ليست باليسيرة من أفراد هذه المجتمعات، وترسخت قناعات لديها تسلم بالواقع وارتفعت أصوات قامعة فصامية حافلة بالتوتر مراقبة للنيات، حتى بات الناس يترددون في الإعلان عن آرائهم خشية وقوعهم في قبضة من يترصدهم، وتوارت معها الموضوعية لصالح تيار الغوغائية والضجيج، وصار أي حديث عن مركزية فلسطين كأنه استخفاف بآلام شعوب المنطقة، وتسارعت في الأثناء موجة التطبيع مع الكيان في المنطقة كادت تتوج بتطبيع السعودية أكبر دول الشرق الأوسط.

شكّل السابع من أكتوبر عام 2023 والعملية النوعية التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية في قلب فلسطين المحتلة، انقلابًا في الوعي والإدراك فيما يخص القضية الفلسطينية على المستويين الصهيوني الغربي والعربي على حد سواء

السابع من أكتوبر: النضال ضد تسيّد الرجل الأبيض

شكّل السابع من أكتوبر عام 2023 والعملية النوعية التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية في قلب فلسطين المحتلة، انقلابًا في الوعي والإدراك فيما يخص القضية الفلسطينية على المستويين الصهيوني الغربي والعربي على حد سواء، فمن جهة كادت المخططات الصهيوأمريكية في هندسة المنطقة اجتماعيًا، تؤتي أكلها من خلال ترسيخ الرؤية الصهيونية في المنطقة جاءت العملية لتقلب الطاولة على مخططاتهم وموازينهم.

وقلبت معها توازنهم العقلي والنفسي، فكانت الحالة الهستيرية التي عبر عنها المحتل من خلال عمليات الإبادة والتطهير العرقي، وكان الإرباك والتخبط سيد الموقف وعلى كل المستويات العسكرية والسياسية توجت بأداء إعلامي هزيل لم يشهده الكيان من قبل، رافق هذا الانقلاب - في الوعي والإدراك - كسر هيبة الردع للمحتل وكسر معه استعلاءه في المنطقة، والتي حاول لعقود فرضها وترسيخها وإظهار تفوقه العسكري والأمني والعلمي والاقتصادي والتكنولوجي على كل البلاد العربية مجتمعة.

في الأثناء تكشف النفاق الدولي وزيف المنظمات الحقوقية والأممية على حد سواء، وازدواجية المعايير التي ذهبت حد محاولة إعادة صياغة قواعد الحرب في القانون الدولي بما يخدم الصهاينة وتزيّيف حق الدفاع عن النفس، وصار حقًا للاحتلال لا المحتل، وتحطمت شعارات الحريات والمساواة والديموقراطية وحقوق الإنسان وشهد العالم ردة لعصور التوحش وبتنا شهداء على مقتلة حقيقية لكل ما تعارف عليه العالم من قيم وأعراف ومواثيق وقوانين ومبادئ استنفرت أحرار العالم للخروج للشوارع والتظاهر، ليس حبًا لغزة وإنما نصرة لقيم الحرية والعدالة وحفاظًا على قداسة المنجزات الانسانية التي ناضل الإنسان، وفي مختلف جغرافيات العالم كثيرًا لتحقيقها.

وتذكيرًا لهذه الشعوب أن المعركة واحدة وأنهم شركاء في النضال ضد الهيمنة الأمريكية والمركزية الغربية المتجذرة في العقل الغربي والمتمثلة بتسيّد الأبيض - وما الصهاينة إلا الامتداد الثقافي لهم - والتي تمنعهم من النظر سواسية إلى الضحية "الإسرائيلي" الأبيض والفلسطيني غير الأبيض.

إن كثافة الإجرام الصهيوني الأمريكي الغربي المتواصل والمتسارع والمباشر على كل ما هو حي في غزة، وأمام عجز تام للمنظومة الدولية عن إيقاف سلسلة حروب الإبادة والتطهير العرقي الحاصلة تُظهر أننا نشهد، ربما نهاية سلسلة طويلة من جرائم الرأسمالية الليبرالية العالمية المتوحشة على الإنسانية المتبقية، فإما أن تُثبَّت أركان النظام المتوحش، أو نشهد ميلادًا جديدًا للإنسانية تكون فلسطين مركزه.

إن من أعظم تجليات طوفان الأقصى أنه أحدث كيًّا كبيرًا في الوعي الجمعي - ليس فقط للشعوب العربية والإسلامية، بل وشعوب العالم - تجاه القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر ونضال ضد احتلال صهيوني إحلالي استعماري استيطاني

طوفان الأقصى: إعادة تشكيل الوعي الجمعي

ختامًا؛ يمكننا القول إن من أعظم تجليات طوفان الأقصى أنه أحدث كيًّا كبيرًا في الوعي الجمعي - ليس فقط للشعوب العربية والإسلامية، بل وشعوب العالم - تجاه القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر ونضال ضد احتلال صهيوني إحلالي استعماري استيطاني.

وأعاد البوصلة الى ما ينبغي أن تكون عليه المواجهة الحقيقية بين شعب محتَّل مقاوم ومستعمر فاشي عنصري، فكَّسر بذلك الرؤية والمخططات الصهيونية في فرض استراتيجية الردع والاستعلاء، التي حاول الاحتلال ومعه أمريكا والحلف الغربي فرضها على المنطقة طوال سنوات عديدة، فقلب الطوفان الطاولة عليهم، وقلب معها مخططاتهم وموازينهم وتوازنهم، وكشف وحشتيهم التي لطالما أُلبست زورًا وبهتانًا ثوب الحضارة المزيفة.

وأضحت المقاومة الفلسطينية، وفي القلب منها حماس، قبلة لحركات التحرر العالمية التي تلتف حولها الجماهير الحرة في العالم معظمة بذلك الوعي بقيم العدالة والحرية مقابل العنصرية الفاشية الوحشية وضد التسلط والهيمنة والمركزية الأمريكية والغربية، وربما تشهد فلسطين قريبًا انتحار المركزية الغربية "الفاضلة" التي لا تبالي إلا "بالعرق الأبيض" وتجعل "الأغيار" دون البشرية، وتكون غزة نهاية لسلسلة طويلة من الإجرام الغربي بحق الإنسان إبادة، ونهبًا للثروات في مختلف جغرافيات العالم.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • بنفسج
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الصهيونية.. البناء الذاتي وحبل الاستعمار

جانب كبير من كراهية المسلمين للدول الغربية عمومًا يعود إلى تبنِّيها للكيان الصهيوني، والدفاعِ عنه …