صناعة القلب الرحيم: كيف نصنع طفلاً متعاطفًا ومحبًّا للخير؟

الرئيسية » بصائر تربوية » صناعة القلب الرحيم: كيف نصنع طفلاً متعاطفًا ومحبًّا للخير؟
صناعة القلب الرحيم كيف نصنع طفلاً متعاطفًا ومحبًّا للخير - سماح المزين

طُبعت النفس الإنسانية على الشعور بالأمان تجاه ما تعرفه، ومن هنا تجد الطفل يشعر بالراحة تجاه المهمّات التي يعرفها جيدًا، وما هو متوقع منه من واجبات وأعمال، كذلك الأمرُ بالنسبة لقواعد ضبط البيت ومعايير تأدية الواجبات والتزام القوانين المختلفة، وتلك سمة بشرية جديرة بالإعجاب، ومحفزة لاستثمارها.

في رحلة تدريب الشباب والناشئة على استثمار طاقاتهم الإيجابية، وتركيز قدراتهم وإمكاناتهم في مكانها الصحيح وإدراك معنى حيواتهم نصرّ على البدء بخطوة مغادرة منطقة الراحة الشخصية؛ لكي ينطلق أولًا ثم ليشعر تاليًا وكأن أمانه وراحته الحقيقية في التعب، المغامرة، البذل، الاستمرار، المحاولة، التعلم... وغيرها من الأنشطة المثمرة.

من هنا سوف أدعو الوالدين والمربين وأدلهم على الطريق الأقصر كي يستثمروا تلك الطبيعة البشرية والميل البشري التلقائي للالتزام بما نثق بأن عاقبته حميدة ويؤول إلى مزيد أمان وراحة، فيحفزهم المربي والوالد بتلميع عاقبة الرحمة – كغيرها من الأخلاق الحسنة – في عقل الطفل وشعوره، فيسلكها لاحقًا ويمارسها بدون وعي أو أدنى مجهود.

الرحمة تشبه تحويل القلوب

الرحمة سلوك اختياري تمامًا يسلكه الفرد مع المحيطين عن رضى نفس في الوقت الذي يكون بوسعه ممارسة القسوة والإيذاء، فهي تشبه تحويل القلوب حقيقة.

وإن كنتَ ستسأل: هل يمكننا تعلم الرحمة؟ أقول: بالتأكيد يمكن التطبع بها؛ فهي وليدة مران وممارسة وتخلّق بأخلاق الإسلام الحميدة، أو ستسأل: وهل الرحمة هي اللين؟ أقول: ليس تمامًا، وإن كان اللين يشكل جزءًا كبيرًا منها، وطبعًا بشريًا دافعًا إليها، وقد أتت النصوص الإسلامية على ذكر الرحمة كأسلوب مفضّل ومحبب في العلاقات في أكثر من موطن، تأكيدًا على أهميتها في تحسين حياة البشر.

نصرّ على البدء بخطوة مغادرة منطقة الراحة الشخصية؛ لكي ينطلق أولًا ثم ليشعر تاليًا وكأن أمانه الحقيقي في التعب، والمغامرة، والبذل، والمحاولة، والتعلّم

يقول الخبراء: "إن الرحمة هي ثمرة التعاطف"؛ لأن النفس البشرية التي حظيت بنفخة من روح الله (الرحمان، الرحيم، الودود...) يجب أن تكون رحيمة، يؤثر فيها شعور المحيطين، يسعدها فرحهم ويحزنها حزنهم، ويحركها للعطاء احتياجهم وإلا فقد انساقت إلى ظلام وجفاف حياة القلوب القاسية.

اقرأ أيضًا: لماذا يحتاج الناس إلى التعاطف؟

تُبنى الرحمة على معرفة ظروف المحيطين وفهم معاناتهم ثم اتخاذ إجراء مناسب لمساعدتهم من باب التعاطف مع محنة الآخر ومصيبته، وانطلاقًا من نفس ودودة وقلب رحيم، بالذات إذا كانت درجة سلطة الشخص المتعاطف أعلى من درجة الشخص المحتاج للتعاطف؛ فهنا يبرز التواضع الإنساني وتبرز الأخلاق الحميدة .

كيف تعلّم أبناءك الرحمة؟

لا يمكن بحال من الأحوال زرع الرحمة في قلوب أبنائك والأطفال والمحيطين بدون تحويلها إلى أسلوب حياة، بجعلها جزءًا لا يتجزأ من إحساسهم وتفكيرهم وطريقة تعاطيهم مع الأشياء والناس من حولهم.

فيما يلي مجموعة من النصائح المجرّبة والمدروسة والتي طُبّقت مع كثير من الأطفال، سواء كان ذلك بإشراف مربٍّ في المدرسة أو الحضانة، أو بإشراف أحد الوالدين؛ ففي كل الأحوال يمكن لأي كان أن يؤثر على الطفل طالما اقترب منه وشعر بالأمان معه.

1. ابدأ بنفسك:

سنظل نكرر حتى آخر نفس أن الطفل يتعلم بالقدوة ويحاكي تصرفات من يمثلون رموزًا مهمة بداخل تفكيره وعقله، فاحرص أن تكون أهم تلك الرموز أولًا، ثم راقب تصرفاتك ومارس الرحمة مع الطفل ووالدته والمحيطين.

2. علّمه أن يقبل الاعتذار الصادق:

اشرح لابنك كيف أن العقوبة يفترض أن تكون مناسبة لحجم ونوع الذنب، وأن الاعتذار يعني الاعتراف بالخطأ، والرحمة تجعل قلب الإنسان يرق أمام الاعتذار الصادق، فيعفو عند المقدرة ويسامح المخطئ المعتذر.

3. شارك ابنك في صناعة إطعام للمحتاجين وتوزيعه بحب كبير:

هنا يحظى الطفل بمشاعر عميقة – إلى جوار المسؤولية العميقة عن المحتاجين والمعوزين تقوده للتصرف برحمة وإشفاق وتعاطف مع المحيطين وتحسس احتياجاتهم باستمرار.

4. أدخل في حوارك معه ونصحك له قصصًا ومصطلحات تدعم التراحم والتعاطف وتقديم اللطف واللين على القسوة والشدة:

لأن التعوّد على أي سلوك لا يحتاج أكثر من تكراره لمدة زمنية وبإصرار ووعي حتى يصبح جزءًا لا يتجزأ من اللا وعي ويمارسه العقل الباطن بشكل تلقائيّ تمامًا.

الرحمة سلوك اختياري يسلكه الفرد مع المحيطين عن رضى نفس، في الوقت الذي يكون بوسعه ممارسة القسوة والإيذاء

5. اطلب منه أن يحمل الماء وبعض الطعام بينما تتوجهان معًا لأداء الصلاة في المسجد:

بينما تفعلان ذلك تجاذبا أطراف الحديث عن سبب فعلك ذلك، قل مثلًا: إنه يمكن أن يأتي أحد المصلين من عمله للصلاة مباشرة بدون أن يمر على بيته فيجد الماء بينما هو ظمآن فنكون قد رحمنا عطشه وتعبه في عمله، أو قل: ربما نقابل طفلًا جائعًا – أو قطة أو كلبًا – فنطعمه ونسقيه.

اقرأ:

كيف تعلم ابنك الأخلاق الحسنة 1

كيف تعلم ابنك الأخلاق الحسنة 2

6. اصطحبه للمشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية في البيئة المحيطة:

ربما تكون الأعمال التطوعية من أهم الدروس التربوية التهذيبية التي يمارسها الإنسان في حياته بمجملها ، وأمثلة ذلك: التشجير، تظليل أماكن الانتظار، إضافة مقاعد في المظلات والأسواق، وبعض الأرصفة، إماطة الأذى في الطرق والممتلكات العامة والمرافق والمياه الجارية... إلخ، تنظيف الحي، المسجد، مساعدة كبار السن... وغيرها من أعمال تطوعية مهمة.

7. أرسل معه قسمًا من طعامكم لأحد الأقارب أو الجيران:

ربما أرشح لك الجد والجدة أو أحد الأعمام، الأخوال، الجيران، نوّع الاختيار بين غير المحتاجين لا تخصص المحتاجين بالذات، مهما كان نوع طعامكم وكميته، فالمشاركة تعلّم الكرم والرضى، والنفس الكريمة ترث الرحمة تلقائيا.

8. شاركه تجميل البيت وتنظيفه في المناسبات وغيرها من باب مساعدة الأم والتخفيف عنها:

بالإضافة إلى أن هذا التصرف ينمي روح الجمال الذي يدعم رقة القلب ويحفزها، فهو يزرع الرحمة والتعاطف لدى الطفل مع أقرب أقربائه وهم الأولى برحمته وعطفه.

الرحمة شأن النبلاء الذين لا يخالج تفكيرهم احتمال اتباع غير سبيل اللطف؛ لأن القوة الحقيقية في الرحمة، لا في الشدة

9. عوّده على الاهتمام بالنباتات والحيوانات الأليفة:

ازرعا معًا نبتة واهتما بسقياها دوريًا، وعوّده على جمع بقايا الطعام بدل رميها، ووضعها في طبق على طرف الشرفة أو الباب؛ لتهتدي إليها الطيور والحيوانات الأليفة.

النباتات والحيوانات الأليفة هي كائنات لا حول ولا قوة لها، وهذا من شأنه أن يعلّمه رقة القلب، وأن يكون رحيمًا بالضعفاء ممن لا يملكون أمامه أية قدرة على دفع الأذى أو التصدي له ، وفهّمه ذلك واشرح له أن هذا من شأنه أن يجعله إنسانًا متزنًا وقويًا في عين نفسه ونافعًا لمجتمعه وبيئته ودينه... إلخ.

10. الفت انتباهه إلى تحريم الله تعالى للظلم وشاركه الدعاء للمظلومين والتعاطف معهم بما استطاع:

لا تتوان أو تتأخر عن تعريفه إلى حقوقه كإنسان، ثم اشرح له كيف سيصبح العالم إذا داس البشر على حقوق بعضهم البعض وكيف أن من واجبه الوقوف ضد الظلم وانتهاك الحقوق.

الرحمة شأن النبلاء الذين يتمتعون بنزاهة شديدة ولا يخالج تفكيرهم إطلاقًا احتمال اتباع سبيل مع المحيط غير اللطف ولين الجانب؛ لأن القوة الحقيقية التي يتمتعون بها لا تضاهيها أضعافها من قوة البدن التي تسوق صاحبها للشدة والقسوة والتخلي، لذلك فهي من أهم الطباع التي ندعو للمسارعة بغرسها.

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

بين الإخلاص والهندسة: المعادلة التي تحفظ عمر الحركات

حين ننظر في مسار الحركات الإصلاحية خلال القرن الأخير، نرى مشهدًا محيِّرًا في ظاهره: تنظيمات …