إن لله في هذا الكون سننًا لا تتبدّل، وقوانين لا تتغيّر، ومن يحاول تجاهلها أو تجاوزها فلن يفلح أبدًا. من تلك السنن أن العطاء شرط للإنجاز، وأن النصر لا يُنال دون فداء، وأن من أراد المعالي فعليه أن يبذل الغالي والنفيس، فالغُنم لا يأتي إلا بعد غُرم، ومن بخل فقد خسر.
وهكذا كانت سنة الله في الأولين والآخرين.
فهذا إبراهيم عليه السلام يُقدِم على ذبح فلذة كبده طاعة لله، فينجّي الله ابنه ويجعله أمة، ويجعل من نسله خير الخلق محمدًا ﷺ. وذلك الغلام الذي دلّ الملك على طريقة لقتله ليُنهي فتنة قومه، فيُسجّل الله تضحيته الخالدة في سورة البروج، وتُصبح قصته منارةً للعزيمة والإيمان.
هذه النماذج ليست مجرّد قصص، بل قواعد يثبت بها أن التضحية لازمة لكل دعوة، وشرط لكل انتصار، ومن رام نشر فكرته بلا تعب، أو طمع في تمكين بلا جهاد، فهو واهم! كما قالوا:
"ولا بدَّ دون الشهد من إبر النحل".
التضحية لازمة لكل دعوة، وشرط لكل انتصار، ومن رام نشر فكرته بلا تعب، أو طمع في تمكين بلا جهاد، فهو واه
في فكر الإمام البنا: التضحية ركن وليست هامشًا
يُعرّف الإمام حسن البنا التضحية بأنها: "بذل النفس، والمال، والوقت، والحياة، وكل شيء في سبيل الغاية." ويقول: "ليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم."
وفي وصفه للمجاهد، يرسم الإمام صورةً حيّةً للعامل الصادق: شخصٌ تملأ الفكرةُ حياته، مستعدٌّ دائمًا، مستنفرٌ دومًا، إن نُودي لبّى، وإن دُعي أجاب، ترى همّته في قسمات وجهه، وتلمح صدقه في بريق عينيه، وتسمع عزيمته في فلتات لسانه.
هكذا يكون الداعية، متيقّظ القلب، قد طوّع حياته كلها لدعوته، وجعل منها هدفًا وميدانًا وبذلًا لا يتوقف.
غزة.. ميدان الطوفان وشاهدة على أعظم التضحيات
في أيامنا هذه، تُسطّر غزة ملحمة جديدة من ملاحم التضحية والبطولة، تُدوّن بدماء قادتها وأبنائها في سجل العزّ الخالد.
"طوفان الأقصى" ليس مجرد عملية عسكرية أو ردّ على عدوان، بل هو مدرسة في الإيمان والبذل والثبات، كشفت للعالم أن هذا الشعب لم يتعب، وأن القادة لا يكتفون بإرسال الجند، بل يتقدّمونهم في الميدان، ويضعون رقابهم حيث تضع الأمة آمالها.
هل سمعتم عن قائد يُدير المعركة وهو يعلم أن أبناءه استُشهدوا في غارة؟
ذلك هو إسماعيل هنية الذي قدّم أولاده وأحفاده فداءً لله وفلسطين، ثم خرج باسمًا ثابتًا وواصل المسير.
وهذا محمد الضيف، أيقونة الإبداع الجهادي، الذي بصماته تزلزل العدو، وجسده يحكي قصة الصبر والفداء، قدم كل ما يملك وبقي على العهد.
وذاك يحيى السنوار، المعتقل المحرّر، الذي حمل راية المقاومة بيد، وأشعل جبهات الضفة والقدس بالأخرى.
ولا ننسى مروان عيسى، القائد الظل، الذي جمع بين الحنكة والتجرد، ومضى إلى ربه شهيدًا، صامتًا كما عاش.
وكذا صالح العاروري، فارس الضفة، وعقل الطوفان، ارتقى في أرض الشتات، بعد أن أدار أخطر مراحل الإعداد والتنسيق.
إنّ هذه القامات المباركة لم تنشأ مصادفة، بل صاغتها سنن التضحية والفداء. لم يتقدّموا الصفوف طلبًا لمجد، بل لأنهم آمنوا أن النصر لا يُنال إلا على أكتاف الشهداء، وأن الله لا يُمكّن لدعوةٍ لا يُروى طريقها بالدماء .وهكذا أصبحت غزة ميدان الطوفان، ومحراب الفداء، وموئل من صدقوا الله فصدقهم.
هؤلاء لم يكتبوا الكلمات.. بل نزفوها، ولم يُلقوا الخطب.. بل جسّدوها. فصارت دماؤهم بيانًا، وأشلاؤهم خطابًا.
"طوفان الأقصى" ليس مجرد عملية عسكرية أو ردّ على عدوان، بل هو مدرسة في الإيمان والبذل والثبات، كشفت للعالم أن هذا الشعب لم يتعب، وأن القادة لا يكتفون بإرسال الجند، بل يتقدّمونهم في الميدان، ويضعون رقابهم حيث تضع الأمة آمالها
بين الجهاد والتضحية: تكامل لا انفصال
يقول الأستاذ سعيد حوّى: "قد يجاهد المرء ولكن لا يضحّي بنفسه، وقد يقدّم المال دون الروح، لذا اعتبر الإمام البنا التضحية والجهاد ركنين متكاملين. الجهاد الكامل لا يكون إلا إذا وُجدت تضحية كاملة."
إن الكلمة بدون تضحية مجرّد حروفٍ ميتة، لا تنبض بالحياة إلا إذا سُقيت بالدم ، كما قال سيد قطب: "كلماتنا تبقى عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها انتفضت حيّة وعاشت بين الأحياء."هل لك نصيب؟
هل سألت نفسك:
هل لي نصيب من هذا الطريق؟
هل أعيش لدعوتي كما عاشوا؟
هل بذلتُ وقتي ومالي وجهدي؟
هل صدّقت قولي بعملي، أم بقيتُ متفرّجًا من بعيد؟
فمن أراد المجد، فليصعد الجبال، لا أن يرضى بحياةٍ في الحفر، كما قال الشاعر:
ومن لا يهوى صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إننا لا نطلب الموت عبثًا، ولا نهوى الجراح حبًا في الألم، ولكنها سنة الله في الدعوات. نحن نُدرك أن التمكين لا يُنال بالرغبات، بل بالتضحيات، ولذلك نُعدّ شبابنا ونبني قادتنا على معيارٍ واضح: من ضحّى أكثر.. يستحق الصدارة. ومن تخاذل.. يؤخّر.
فلا مكان بيننا لمن لا يرى في نفسه أهلاً للبذل.
إننا لا نطلب الموت عبثًا، ولا نهوى الجراح حبًا في الألم، ولكنها سنة الله في الدعوات. نحن نُدرك أن التمكين لا يُنال بالرغبات، بل بالتضحيات
التضحية منهج لا شعار
لا نريد التنظير في الخطب والاكتفاء بالهتاف، بل مشروع مقاومة تُبنى على التضحية .نجعل التضحية معيارًا في إبراز القادة، ونُعلّم أبناءنا أن من أراد القيادة فليُثبت جدارته بصدق العطاء، وأن من أراد المجد فليُهيّئ نفسه للصعاب، وأن النصر لا يأتي عبر الشاشات، بل عبر الخنادق.
قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]
